ما هي السنة في شعر اللحية؟
قال رحمه الله: (وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ) اللحية: اسم لما ينبت على اللحي والذقن وهو مجمعه وقد سبقت الإشارة إلى ذلك وأن أهل العلم مجمعون على أن حلق اللحية محرم، حكاه غير واحد كابن عبدالبر وشيخ الإسلام، والنصوص في اللحية كالنصوص في الشارب، في المبالغة في الترك، هناك مبالغةٌ في الجزّ والقص والحفّ، وهنا مبالغةٌ في الترك، قال صلى الله عليه وسلم: أعفوا اللحى، أرخوا اللحى، أرجوا اللحى، أكرموا اللحى، فدلت النصوص مجتمعة على أن المقصود ترك اللحى وعدم التعرض لها، إذن أمر بالإرخاء والإكرام والإعفاء والإرجاء، كلها نصوصٌ صحيحة تدل على أن مقصود الشارع ترك اللحية وعدم التعرض لها بقصٍ ولا نتفٍ ولا تهذيبٍ ولا تشذيبٍ كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل وجلُ أصحابه، أما من يحلقها فقد فعل محرمًا وقد يصل هذا التحريم إلى الكبيرة لأنه مُصر، الذين ابتلوا بحلق لحاهم مصرون ومجاهرون ويفعلونها في السنة ربما خمسين مرة أو تزيد، إذا حلق كل أسبوع معناه خمسين مرة يأتي بهذه المعصية وهذا يحيلها إلى كبيرة مع الإصرار والمجاهرة لكن الذين يقصون ربما احتج بعضهم بفعل ابن عمر رضي الله عنه وهو أصح من ورد عنه القص لكن ابن عمر إنما فعله في النسك، كان إذا حجّ أخذ لحيته وقبضها بيديه فجزّ ما زاد يتأول أن ذلك من النسك وهو اجتهادٍ منه رضي الله عنه يُثاب عليه لكن لا يُتابع عليه؛ لأنه الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خالفوا المشركين، أعفوا اللحى وجزوا الشوارب»([1]) ومن ثم فإنه إذا اختلف ما رأى الراوي بما روى فالعبرة بما روى لا بما رأى ثم كيف لمسلمٍ وطالب علمٍ أن تأتيه النصوص الواضحة في الأمر بالإعفاء والإرخاء والإكرام وعدم الأخذ ويعلم سنة النبي صلى الله عليه وسلم المستفيضة أنه لم يأخذ من شعر لحيته قط وأنه حج مرةً واعتمر أربع مرات ولم يأخذ من شعر لحيته ثم يقول أفعل كفعل ابن عمر رضي الله عنهما، نقول: كيف تفعل فعل ابن عمر رضي الله عنهما والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو المشرع فإنه لا يجوز لأحد أن يخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا شريعته ولا سنته لقول قائلٍ مهما كان حتى لو كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ولهذا كان ابن عباس رضي الله عنهما يشدد على الصحابة لما قالوا: قال أبو بكر، قال: يوشك أن تسقط عليكم حجارة من السماء، أقول قال الله وقال رسوله، وتقولون قال أبو بكر قال عمر، فليس لأحدٍ كائنًا من كان أن يقول شيئًا بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم، لكن من اجتهد كهؤلاء الصحابة الذين رُوي عنهم الأخذ كابن عمر أو أبي هريرة أو غيره، نقول: هؤلاء مجتهدون يُثابون لكن لا يُتابعون ومن استبانت له السنة واتضحت فإنه لا يجوز له أن يتابع غير النبي صلى الله عليه وسلم لأن قول الصحابي لا يكون حجة عند القائلين بحجيته إلا إذا سلم من المعارض الأقوى والمساوي، الأقوى: هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم المرفوع، والمساوي: قول الصحابي، نقول: جلُ الصحابة، أكثر الصحابة بالآلاف تعدهم لا تجد أنهم يأخذون شيئًا من لحاهم، فنتتبع الذين أخذوا ونترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم الهادي البشير وسنة الخلفاء الراشدين والصحابة المهديين وهم الأكثر والتابعين وتابعيهم بإحسان والأئمة المعتبرين على مر الدهور والعصور، لا شك أن ذلك خلاف الواجب على طالب العلم خاصة وعلى المسلم عامة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
