فتوى سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله في الغناء
سُئل سماحة شيخنا ابن بازٍ رحمه الله وقدّس روحه ونوّر ضريحه، ما حكم الاستماع إلى الأغاني؟ فأجاب رحمه الله جوابًا مطولًا يقول فيه: (الاستماع إلى الأغاني لا شك في حرمته، وما ذاك إلا لأنه يجر إلى معاص كثيرة، وإلى فتن متعددة، ويجر إلى العشق والوقوع في الزنا والفواحش واللواط، ويجر إلى معاص أخرى كشرب المسكرات ولعب القمار وصحبة الأشرار، وربما أوقع في الشرك والكفر بالله -نسأل الله السلامة والعافية- على حسب أحوال الغناء –إذ الغناء درجات ودركات فربما كان الغنا على أقوالٍ كفرية باطلة وربما كان مصاحبًا للضلالات البدعية والخرافات من الصوفية ونحوهم– واختلاف أنواعه، والله جل وعلا يقول في كتابه العظيم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [لقمان:6-7]، فأخبر سبحانه أن بعض الناس يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله، قرئ ليضل بضم الياء، وقرئ ليضل بفتح الياء مع كسر الضاد فيهما -الضاد مكسورة ليُضِل أو ليَضِل وكلاهما وارد في حق مستمع اللهو مستمع الغناء-، واللام للتعليل، والمعنى: أنه بتعاطيه واستعاضته لهو الحديث وهو الغناء، يجره ذلك إلى أن يضل في نفسه ويُضل غيره، يضل بسبب ما يقع في قلبه من القسوة والمرض، فيضل عن الحق لتساهله بمعاصي الله ومباشرته لها، وتركه بعض ما أوجب الله عليه، مثل ترك الصلاة في الجماعة، وترك بر الوالدين، ومثل لعب القمار والميل إلى الزنا والفواحش واللواط إلى غير ذلك مما قد يقع بسبب الأغاني.
قال أكثر المفسرين: معنى لهو الحديث في الآية: الغناء، وقال جماعة آخرون: كل صوت منكر من أصوات الملاهي فهو داخل في ذلك، كالمزمار والربابة والعود والكمان وأشباه ذلك، وهذا كله يصد عن سبيل الله، ويسبب الضلال والإضلال، وثبت عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه الصحابي الجليل أحد علماء الصحابة رضي الله عنهم أنه قال في تفسير الآية: إنه والله الغناء -هذا ثبت في الصحيح عن ابن مسعود، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: من أراد أن يَقرَأَ القُرآنَ غَضًّا كما أُنزِلَ فلْيَقرَأْه على قراءةَ ابنِ أمِّ عَبدٍ، وهو الذي يقول عن نفسه وتمكنه في معرفة القرآن وأسباب نزوله: والله ما نزلت آية إلا وأنا أعلم أين نزلت وفيمن نزلت، ولو أعلم أن رجلًا أعلم مني تبلغه الإبل لركبت إليه، إذن هو متمكن أمكن في ضبط القرآن تلاوةً وفهمًا وحفظًا وتدبرًا واستنباطًا ومع ذلك يقول: لو أعلم أحد أعلم مني في هذا لذهبت إليه وسافرت إليه، وهو الذي يقول: والله الذي لا إله إلا هو إنه الغناء، والله الذي لا إله إلا هو إنه الغناء، والله الذي لا إله إلا هو إنه الغناء، وهو صادق مصدوق رضي الله عنه بلا يمين ولا قسم لكنه أقسم على ذلك وكرر القسم ثلاثًا ليتبين الأمر وأنه ليس في شكٍ ولا ريبٍ ولا ترددٍ من أن لهو الحديث المذكور في سورة لقمان أنه الغناء-، وقال إنه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، والآية تدل على هذا المعنى فإن الله قال: {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [لقمان: ٦] يعني: يعمي عليه الطريق كالسكران؛ لأن الغناء يسكر القلوب ويوقع في الهوى والباطل، فيعمى عن الصواب إذا اعتاد ذلك، حتى يقع في الباطل من غير شعور بسبب شغله بالغناء، وامتلاء قلبه به وميله إلى الباطل، وإلى عشق فلانة وفلان، وإلى صحبة فلانة وفلان، وصداقة فلانة وفلان {وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} معناه: هو اتخاذ سبيل الله هزوًا، وسبيل الله هي دينه، والسبيل تذكر وتؤنث، فالغناء واللهو يفضي إلى اتخاذ طريق الله لهوًا ولعبًا وعدم المبالاة في ذلك، وإذا تلي عليه القرآن تولى واستكبر وثقل عليه سماعه؛ لأنه اعتاد سماع الغناء وآلات الملاهي، فيثقل عليه سماع القرآن ولا يستريح لسماعه، وهذا من العقوبات العاجلة.
فالواجب على المؤمن أن يحذر ذلك وهكذا على كل مؤمنة الحذر من ذلك، وجاء في المعنى أحاديث كثيرة كلها تدل على تحريم الغناء وآلات اللهو والطرب، وأنها وسيلة إلى شر كثير وعواقب وخيمة، وقد بسط العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه «إغاثة اللهفان» الكلام في حكم الأغاني وآلات اللهو، فمن أراد المزيد من الفائدة فليراجعه فهو مفيد جدًا، والله المستعان وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه)[1] [هذا كلام سماحة شيخنا في مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز] من شاء أن يراجع ذلك، ومن شاء أن يرجع للكتاب الذي أحال إليه سماحة الشيخ وهو «إغاثة اللهفان» فإنه سيجد العجب العُجاب من أدلة تحريمه وكلام الأئمة الأثبات الثقات في بيان أضراره ومفاسده، وأن الأمة لا تجني منه خيرًا بل تجني منه شرًا من قسوة القلوب والدعوة إلى الفواحش والصد عن ذكر الله والانشغال بما يُغضب الله، فهذه منكرات عظيمة ومفاسد كبيرة يجب على العاقل أن يتوب إلى الله ما دام فيه روحٌ ونفسٌ ينفس، ووالله الذي لا إله غيره إن في القبور من يتحسر على ما فات في حياته وعمره من سماع الأغاني التي لو استمعها الإنسان ألفًا من السنين لم تزده إلا بعدًا من الله وقسوة في قلبه وإعراضًا وصدودًا عن ذكر الله، ويموت ولا تموت سيئاته لا سيما هؤلاء الذين أفسدوا الناس بأغانيهم، الآن تذاع لهم عبر الشاشات والإذاعات أغاني وهو في قبره تجرى عليه –نسأل الله السلامة والعافية– الذنوب والسيئات، وشتان بين من كان في قبره والناس يستمعون تلاوته أو يستمعون مواعظه وخطبه أو يستمعون دروسه، وآخر يستمع الناس من لهوه وعصيانه ومجاهرته بذنبه وربما مات بعضهم على المسرح ولم يتب أتباعه ولم يروا أنه خُتم له بخاتمة السوء، فنسأل الله أن يفتح على عباده وأن ينبههم إلى تحريم وتجريم هذه الآلات المحرمة التي لم ترى الأمة فيها خيرًا على مر العصور والدهور، وإذا كان الاستماع للغناء من امرأة ويستمع إليها الرجال فهذا أشد وأنكى وأشر وأخطر وأعظم إثمًا وزورًا وبهتانًا وإثمًا، ولهذا رُوي في الحديث وإن كان فيه مقال: «مَنِ استَمَع إلى قَيْنَةٍ –أي مغنية– صُبَّ في أُذُنَيْه الآنُكُ –أي الرصاص المذاب– يومَ القيامةِ»[2].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] نشرت في المجلة العربية، مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز (3/434)، والجمل الاعتراضية هي من كلام الشارح.
[2] أخرجه ابن حزم في المحلى (9/57)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (51/263) واللفظ له، وقال الألباني عنه في السلسلة الضعيفة (4549) إنه باطل.
