عناية الشريعة بالمساجد
نهى الشارع عن إزالة الأوساخ في المساجد، فلا يقلم المسلم أظفاره ولا يقص شاربه ولا ينتف إبطه ولا يحول المساجد إلى دورٍ للصناعة والتجارة فيخيط أو يخرز أو يحلج القطن أو يتاجر وما شاكل ذلك مما يُلحق به مما لا يمكن حصره إذا كثر، ثم بيّن أن ذلك لا يُكره إذا كان قليلًا مثل أن يرقع ثوبه أو يخصف نعله أو يشرك نعله إذا انقطع شسعه، فدل هذا الفصل بطوله وتفصيله على عظم عناية هذه الشريعة بصيانة المساجد عما لا ينبغي وعدم تقذيرها أو وضع الأصوات المزعجة كأن تكون محلًا للبيع والشراء، واستثناء ما كان يسيرًا من ذلك كرقع ثوبٍ وخصف نعلٍ أو إصلاحه، وهذا مما اتفق عليه أهل العلم وهو من رفعة المساجد التي أمر الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، وقد أمر صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تُنظف وتطيب، والمراد بالدور هنا الأحياء والبيوتات، فتُبنى المساجد بينها وتُنظف وتُطيب، ونهى صلى الله عليه وسلم عن البصق فيها وأخبر أن النخاعة في المسجد ذنب وخطيئة كفارتها دفنها[1] كما في الحديث، ورأى صلى الله عليه وسلم في قبلة المسجد نخاعة فحكها، وقال: أيسر أحدكم أن يتنخع في وجهه[2]، إذا كان لا يسرك ذلك ولا تقبله بل لو كان ريقًا وتفالًا خفيفًا لا يقبل أحد أن يُتفل في وجهه أو يُبصق في وجهه فكيف في بيوت الله التي أمر أن تُرفع وتُصان، والمساجد بُنيت للصلاة فيها والاعتكاف وقراءة القرآن وتعليم القرآن وتعليم العلوم النافعة فتُصان عما يُنقصها ويحرم أهل الإيمان من الانتفاع فيها ومن ذلك رفع الصوت؛ فإن رفع الأصوات في المساجد خطيئة، وكذلك مزاولة التجارة والصناعات والبيع والشراء، وجاء الإرشاد بالبصاق إذا احتاجه المسلم وهو في المسجد في الثوب أو المنديل إلا إذا كان المسجد من الحصباء أو التراب فإن السنة أن يتفل عن يساره إذا كان يساره خاليًا ويدفن ذلك، والأولى عدم ذلك، الأولى أن يبصق في طرف ثوبه أو في منديل ونحوه، وأما المساجد المفروشة اليوم فإنه يحرُم أن يبصق فيها لا أمامه ولا عن يمينه ولا عن شماله.
وفي الصحيح قصة المرأة أو الرجل الذي كان يقم المسجد فتُوفي ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنه وذهب وصلى على قبره، وهذا يدل على عِظم شأن أولئك الذين يقومون على المساجد في نظافتها وصيانتها وأن هذه من القرب ومن العبادات المتعدي نفعها وأن أولئك يُفقدون، ولهذا فقدها النبي صلى الله عليه وسلم فلما سأل، قالوا: إنها ماتت فكرهنا أن نوقظك يا رسول الله، قال: دلوني على قبرها، ألا آذنتموني ثم ذهب وصلى على قبرها[3]، فدل على عِظم شأن من يقوم على بيوت الله أذانًا، إمامةً، نظافةً، حراسةً، صيانةً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري (415)، ومسلم (552)، والترمذي (572)، وأبو داود (476)، وأحمد(13450) بلفظ: «النُّخاعةُ في المَسجِدِ خَطيئةٌ، وكَفَّارتُها دَفْنُها».
[2] أخرجه أبو داود (480) عن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ كان يحِبُّ العراجِينَ ولا يزال في يدِه منها، فدخل المسجدَ فرأى نخامةً في قبلةِ المسجدِ فحَكَّها، ثمَّ أقبل على النَّاس مُغضَبًا، فقال: أيسُرُّ أحدَكم أن يُبصَقَ في وَجْهِه؟!»، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود (480).
[3] أخرجه البخاري (460) عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «أنَّ رَجُلًا أسْوَدَ أوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ، فَسَأَلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ عنْه، فَقالوا: مَاتَ، قالَ: أفلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي به دُلُّونِي علَى قَبْرِهِ – أوْ قالَ قَبْرِهَا – فأتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا».
