حكم كي البهيمة للوسم
ولا يجوز للمسلم أن يكوي البهيمة بالنار للوسم، الوسم هو أثر الكي، والجمع: وسوم وسمة، يسمه وسمًا وسمةً فاتسم، هذا معنى الوسم وهو ما وُسم به الحيوان من ضروب الصور يعني يُجعل شعار أو وسم يعرفه أهله به وهذا يكثر في الإبل أكثر، والكي بالنار للوسم قد يكون في الوجه وقد يكون في سائر البدن، أما الكي بالنار في وجه البهيمة فحرام بالإجماع ولا تُحله ضرورة ولا حاجة، «وقد رَأى النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمارًا قد وُسِمَ في وَجهِه، فقال: لعَنَ اللهُ مَن فعَلَ هذا»[1] [الحديث رواه الإمام مسلم]، وهذا اللعن لا يكون إلا على فعل كبيرة وتعدي خطير على بهيمة الأنعام لأن لم يجد إلا وجهها فيسمها فيه، إذا كان قد نُهي عن الضرب في الوجه فمن باب أولى الكي، وفي حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: «نَهَى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ الضَّرْبِ في الوَجْهِ، وَعَنِ الوَسْمِ في الوَجْهِ»[2] [رواه الإمام مسلم]، وهذا عامٌ يشمل الآدميين والبهائم على حد سواء، فلا يصح للمسلم أن يضرب وجهًا حتى لو أُذن له بالضرب كالأب في تربية ابنه والمعلم في تربية طلابه والزوج في تأديب زوجته، لا يحل له أن يضرب الوجه.
أما الكي للوسم في غير الوجه، فمنهم من أجازه مطلقًا يعني في جميع بهيمة الأنعام، ومنهم من خصه بإبل الصدقة أو إبل الجزية، والظاهر والعلم عند الله عمومه للحاجة، ويكون في الإبل في الفخذ لأنه أقل إيلامًا، بالنسبة للإبل والبقر فإن الفخذ غليظ واللحم فيه كثير فيكون الكي فيه أيسر وأقل إيلامًا، وفي الحديث: «لا تكويه إلا في أقـصى جاعرتيه»[3]، ويمكن أن يُستدل بذلك على جواز خصي الحيوان للمصلحة يعني إذا كان الكي لمصلحة معرفته ووسمه فمن باب أولى أن يكون أيضًا الخصي لحاجة الآدميين للانتفاع بلحمه وسمنه، وأما الغنم فيكون الوسم في أطراف الآذان ولا يكون في الفخذ لكثرة الشعر ورقة اللحم وقد يتلفها الكي في الفخذ.
قوله رحمه الله في آخر الفصل: (وَتَجُوْزُ للْمُدَاوَاةُ حَسْبَ مَا أَجَزْنَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) أي وتجوز المداواة بالكي للحيوان حسب ما ورد عن الإمام أحمد رحمه الله في الكي للآدمي للمداواة، وهذا قياسٌ بديع، يقول: إذا كان الشارع قد أجاز الكي للآدمي للحاجة وهو آخر الطب، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن فيه شفاء لكنه قال: أنهى أمتي عن الكي، فلا يُبدأ بالكي وإنما يُجعل آخر الدواء وآخر الطب وآخر العلاج، فكذلك إذا جاز في الآدمي فهو أيضًا في البهيمة من باب أولى، إذا مرضت واعتلت وقيل إن الكي نافع بإذن الله تعالى في علاجها فإنها تُكوى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه مسلم (2117)، وأبو داود (2564) باختلاف يسير، والترمذي (1710) مختصرًا، وأحمد (14164) واللفظ له، وجود إسناده ابن حجر في فتح الباري (13/28) وأيضًا صحح إسناده شعيب الأرناؤوط على شرط الشيخين في تخريج المسند (14164).
[2] أخرجه مسلم (2116).
[3] أخرجه مسلم (2118) عن عبدالله بن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: «رَأَى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ حِمَارًا مَوْسُومَ الوَجْهِ، فأنْكَرَ ذلكَ. قالَ: فَوَاللهِ لا أَسِمُهُ إلَّا في أَقْصَى شَيءٍ مِنَ الوَجْهِ، فأمَرَ بحِمَارٍ له، فَكُوِيَ في جَاعِرَتَيْهِ، فَهو أَوَّلُ مَن كَوَى الجَاعِرَتَيْنِ».
