حكم الصبغ بالسواد
أما السواد فقد صرّح رحمه الله بكراهيته وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وهو قولٌ عند الأئمة الآخرين، يعني في كل مذهبٍ من المذاهب نجد من يرى كراهة الصبغ بالسواد الخالص، وقيل: يحرم الصبغ بالسواد، وهو قولٌ للشافعية رجحه النووي رحمه الله، وقيل: يجوز بلا كراهة وهو قول الحنفية، الذين يرون النهي عن الصبغ بالسواد سواءً حملوه على الكراهة أو التحريم، استدلوا بأحاديث منها ما جاء عند الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: غيروا هذا الشيب بشيءٍ واجتنبوا السواد قاله النبي صلى الله عليه وسلم في أبي قحافة والد أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه، كان شعره كالثغامة البيضاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: غيروا هذا واجتنبوا السواد[1]، وفي روايةٍ: وجنبوه السواد، لكن الذين يرون الجواز مطلقًا بلا كراهة، يقولون: إن لفظة “واجتنبوا السواد” معلولة أي ليست صحيحة، أصل الحديث عند مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «غيروا هذا الشيب بشيء»، هذا صحيح عند مسلم ولا علة في ذلك لكن قوله: واجتنبوا السواد أو جنبوه السواد، نقول: هذه اللفظة معلولة بعلتين، أولاهما: أنها مدرجةٌ من كلام الزهري رحمه الله وليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، الثاني: أي العلة الثانية، أن هذا القدر وهذه اللفظة تردد فيها الراوي وهو أبو الزبير فتارةً يذكرها وتارةً لا يذكرها، والصحيح جواز الصبغ بالسواد بلا كراهة لكن من أراد أن يخرج من هذا ويتورع فليخلط مع السواد غيره من الحناء ونحوه لكن لو قال: هل ثبت المنع؟ نقول: أبدًا، لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في المنع حديث، قال: «غَيِّرُوا هَذَا»، فدل على أن السنة خضب الشيب وتغييره لكنه هنا قال: وجنبوه السواد ووجدنا أن هذه اللفظة غير صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بقي الأمر بتغيير الشيب على سبيل الاستحباب، إن غيّره بالكتم أو غيّره بالحناء أو غيره فهو الأفضل والمسنون، وإن غيّره بالسواد فلا حرج على الصحيح من قولي أهل العلم.
بالنسبة للنساء، من أهل العلم من كره لهن الصبغ بالسواد، قالوا: لأن فيه غشًا وتدليسًا، نقول: قد يُقال في الرجل كذلك إذا كان مبناه على الغش والتدليس فإن المنع في حق الجميع لكن إذا أرادت المرأة أن تتزين لزوجها وصبغت شعرها بسوادٍ وغيره فلا حرج مادام أنه للزينة ولا غش ولا تدليس ومثله الرجل المتزوج إذا صبغ وهو لا يقصد غشًا ولا تدليسًا ولا خداعًا لأحد فالأصل الجواز، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «غَيِّرُوا هَذَا».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه مسلم (2102) عن جابر بن عبدالله رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: «أُتِيَ بأَبِي قُحَافَةَ يَومَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: غَيِّرُوا هذا بشيءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ».
