حكم التناجي
فَصْلٌ
وَيَحْرُمُ أَنْ يَتَنَاجَى اِثْنَانِ دُوْنَ ثَالِثٍ؛ لِأَنَّهُ يُوْجِبُ إِيْحَاشًا، وَكَسْرَ القَلْبِ.
إذن هذا الفصل سطرٌ واحد لكنه حوى معاني عظيمة في النهي عن التناجي، والمراد بالتناجي التحدث سرًا بين اثنين وترك الثالث، مثله بل أقبح منه تناجي مجموعة وترك واحد، إذن نهى الشارع عن التناجي من اثنين وترك الثالث؛ لأن هذا أقل عدد يُتصور منه التناجي المحرم لكن لو كان أربعة فتناجى ثلاثة دون الرابع، نقول: هذا مثله بل أشد، ولو كانوا عشرة فتناجوا كلهم وتركوا واحدًا، نقول: هذا أشد وأنكى وأكثر إيغارًا للصدور وظن السوء بهم؛ فإن هذا الواحد الذي لم يدخلوه في حديثهم وتناجوا دونه يقع في قلبه من سوء الظن بهم والانكسار ما لا يخفى، أما إذا تناجى مجموعة وتركوا مجموعة كما هو حال بعض الناس، يتميزوا في مجموعات كلٌ يتكلم في جانب لا يسمعه الآخر لكن هؤلاء مجموعة وأولئك مجموعة فلا حرج في ذلك كله ما دام أنهم لم يحصل تناجي مجموعة وترك واحدٍ، قد دل على النهي عن النجوى الكتاب العزيز والسنة المطهرة، ففي الكتاب يقول جل شأنه: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [المجادلة:10] لو لم يرد في الكتاب إلا هذا الوصف لكفى لأهل الإيمان تركًا وبعدًا عن هذا الخلق الذميم وهو التناجي، فإن الله جل شأنه أخبر أنه من الشيطان وبناءً على هذا فالمتناجي قد أعان الشيطان على أخيه بل نقول قام بدور الشيطان فـ{ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} فالمتناجيين قد تلبسا بهذا الوصف القبيح وأحزنا أخاهم المسلم، وفي الآية قبلها يقول جل شأنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المجادلة: ٩] وفي الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: «إذا كانُوا ثَلاثَةٌ، فلا يَتَناجَى اثْنانِ دُونَ الثَّالِثِ»[1] [متفقٌ عليه] وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يتناجى اثنان دون الثالث حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه[2] [الحديث متفقٌ عليه] فتطابق الحديث مع الآية الكريمة، فإن ذلك يُحزنه وإنما نصّ في الحديثين على الاثنين والثالث لأن هذا كما سبق أقل عدد يمكن فيه التناجي المذموم.
قال ابن عقيل رحمه الله معللًا: (لِأَنَّهُ يُوْجِبُ إِيْحَاشًا، وَكَسْـرَ القَلْبِ) إذن علل رحمه الله بالمنع والنهي عن التناجي المحرم الذي صرّح فيه بالتحريم بأنه يوجب إيحاشًا وكسر القلب، كيف يكون ذلك؟ نقول: يوجب إيحاشًا إن أساء الظن بالمتناجيين وأنهما يتناجيان فيه، يعني ثلاثة، اثنان يتناجيان، نقول هذا الذي تركتموه ولم تُشركوه في حديثكم إن أساء الظن بكما فإنه يحصل الوحشة في ذلك ويظن الظنون ويحزن قلبه وينكسر ويظن أنكما تتناجيان فيه، وإن أحسن الظن بكما وعاد باللوم والاتهام لنفسه وأنه لا يُهتم لرأيه ولا يُؤبَه به ولا يُدخل في حديث الناس فإن هذا يكسر قلبه، إذن حتمًا سيحصل واحد من أمرين، إما أنه يسـيء الظن فتحصل الوحشة والبغضاء والعداوة بين أهل الإيمان، وإما أنه يقول أحسن الظن بهم لكن النقص فيني، ما سألوني ما كلموني ما أدخلوني في حديثهم فينكسر قلبه، وعلى كلٍ نقول كسر قلب المؤمن وإدخال الحزن عليه أمر مبغوض عند الله بل لم يرد في الكتاب العزيز الحزن إلا منهيًا عنه أو منفيًا بل كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من الهم والحزن، والحزن يكسر القلب ويُشغل العبد حتى ربما عن طاعته وربما يُشغله حتى عن نومه فيبدأ يُفكر ويهوجس ويأخذه الهم ويأكله، يفكر لما يتناجى الناس ويتركونه وما الذي يخططون ويدبرون فيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري (6288)، ومسلم (2183) باختلاف يسير.
[2] أخرجه البخاري (6290) بلفظ «إذا كنتُم ثلاثةً فلا يتناجى اثنانِ دون الثالثِ حتى يختلِطوا بالناس فإنه يُحزِنُه ذلك»، ومسلم (2184) باختلاف يسير.
