حكم التداوي بالمباح
التداوي بالمباح، وهو يمكن أكثر ما يقع الناس فيه اليوم وهو أن يتداوى الناس لا برقية ولا بحجامة ولا بكي وإنما يستعملون أدويةً مباحة كجُل العقاقير الطبية اليوم، فهذا فيه مبحث طويل وكلام مفصل لأهل العلم، ومن أهل العلم من قال إن الأحكام التكليفية الخمسة كلها ترد في التداوي عمومًا، لكنا نقول: أشهر الأقوال في هذه المسألة ثلاثة، وأشهرها اثنان من هذه الثلاثة:
الأول: أنه مباح، أن التداوي بمباح مباح وهو مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة، وإن كان الحنابلة رحمهم الله اشتهر عندهم القول بأنه مباح وتركه أولى، واستدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أنزلَ اللهُ داءً إلا أنزلَ لهُ دواءً»[1] هذا الحديث يدل على إباحة التداوي، ما يدل على الأمر به ولا استحبابه ولا إيجابه، واستدلوا أيضًا بحديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لِكُلِّ داءٍ دَواءٌ، فإذا أُصِيبَ دَواءُ الدَّاءِ بَرَأَ بإذْنِ اللهِ عزَّ وجلَّ»[2] قالوا: مثله يدل على إباحة التداوي، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «في الحبَّةِ السوداءِ شِفاءٌ من كلِّ داءٍ، إلَّا السَّامَ»[3]، والسام الموت، والغريب أنهم احتجوا بهذا الحديث مع أن هذا ينبغي أن يكون في غير محل النزاع لكنهم أوردوه رحمهم الله من ضمن أدلة الإباحة، نقول: هذا الحديث فيه الحبة السوداء، وما ورد في الحبة السوداء والعسل ونحوه، نقول: هذا خارج عن الخلاف لأن هذا دواء نبوي، وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ»[4]، هذا أيضًا مثله، جاء في الحديث الصحيح أن الكمأة وهي المشهورة عند الناس اليوم بالفقع، هذا ماؤه دواء للعين لكن أين الأطباء الذين يستخلصون هذا ويداوون به مرضى العيون، يحتاج إلى بحث وتأمل، إذن هذا أيضًا جاء فيه حديث وما دام أنه جاء فيه حديث لا ينبغي أن يورد ضمن الخلاف، كذلك حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «التَّلْبينةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤادِ المريضِ، تُذْهِبُ ببعضِ الحُزنِ»[5]، وحديث عوف بن مالك رضي الله عنه قال: «كُنَّا نَرْقِي في الجَاهِلِيَّةِ، فَقُلْنَا: يا رَسولَ اللهِ، كيفَ تَرَى في ذلكَ؟ فَقالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لا بَأْسَ بالرُّقَى ما لَمْ يَكُنْ فيه شِرْكٌ»[6] وهذا دليل على أن الرُقى معروفة في الجاهلية وقبل الإسلام لكن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم عليها إذا سلمت من الشـرك، وهذا يدل أيضًا على الاجتهاد في الرقية وأنها ليست محددة بأحاديث من النبي صلى الله عليه وسلم، نعم، القرآن كله شفاء لكن قد يأتي الطبيب الشـرعي أو المُعالج الشـرعي بالرقية بصفات ما وردت في السنة لكنها ما تخالف السنة وليس فيها شيء من البدعة ولا الخرافة ولا الشرك، فيُقال لمثل هذا لا حرج عليك، ولهذا بعض أنواع الرُقى اليوم المعروفة أقرها أهل العلم للرقاة مع أنها ما في نص على ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فأدخلوها في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لا بَأْسَ بالرُّقَى ما لَمْ يَكُنْ فيه شِرْكٌ».
القول الثاني: قالوا باستحباب التداوي، وهو مذهب الشافعية ونسبه النووي رحمه الله لجمهور السلف وعامة الخلف، وهو اختيار سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله، يقولون باستحباب التداوي ويستدلون بالأدلة السابقة لكنهم يحملونها على الاستحباب، كما يستدلون أيضًا بحديث أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: «قالَتِ الأعرابُ: يا رسولَ اللهِ ألا نَتداوى قالَ :نعَم يا عبادَ اللهِ تداوَوا فإنَّ اللهَ لم يضَعْ داءً إلَّا وضعَ لَهُ شفاءً -أو دواءً- إلَّا داءً واحدًا فَقالوا: يا رسولَ اللهِ وما هوَ قالَ: الهرمُ»[7]، وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه مرفوعًا: «مَنِ استطاع منكم أنْ ينفعَ أخاهُ فَلْيَنْفَعْهُ»[8]، وحديث أبي سعيد في شرب العسل المتقدم، كذلك أحاديث «الحبَّةِ السوداءِ شِفاءٌ من كلِّ داءٍ، إلَّا السَّامَ»، وكذلك احتجام النبي صلى الله عليه وسلم، نقول: ثمة أحاديث هنا خاصة في الحجامة تقدمت، وكذلك في الحبة السوداء وفي العسل، هذا ورد فيه نصوص لكن التداوي بأمور مباحة، نقول: يدور الحكم فيها بين الإباحة والاستحباب، وهذا قول ينبغي أن يُشهر؛ لأنه اشتهر عند بعض الناس تجريم وتأثيم من لم يتعالج، قد يُصاب بمرض السرطان، يقولون له الآن ما فيه كيماوي، يقول لهم: لا أريد الكيماوي، هل يأثم؟ نقول: لا يأثم ولا وجه لتأثيمه لأنه ما ترك الأسباب الشرعية ولا أسباب الدواء كلها، ويقول: أنا أستعمل أدوية منها: أولًا اللجأ إلى الله والدعاء وهو أعظم الأسباب وأنفعها وأجلها، وأستعمل الرقية الشرعية، وأستعمل بعض الحمية ونحوها، وأتصدق وأحسن، والله يحب المتصدقين، قد رُوي: «داوُوا مَرْضاكم بالصَّدَقةِ»[9] فهو جمع أسباب، فليس السبب فقط في هذا الكيماوي الذي يأخذه، ولهذا كم امتنع من الناس من أخذ الكيماوي، مثال هذا وهو في أشد الأمراض فتكًا في الناس، فكيف بما سواه، نقول: لا يُنكر على من لم يتداوى ولا يُقال له: تارك الأسباب، هو ترك سببًا وفعل أسباب عدة، ومن أهل العلم من قال: إن تركه أفضل واحتجوا بحديث السبعين، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه سيدخل الجنة سبعون ألف من غير حساب ولا عذاب، ثم دخل فخاض الناس وتداوكوا في من هم، ثم خرج صلى الله عليه وسلم فأخبر «أنهمُ الَّذينَ لا يَسترْقُونَ ولا يكتَوُونَ ولا يتطيَّرُونَ وعلى ربِّهم يتوكَّلونَ»[10]، ففهم بعض أهل العلم أن هذا فيه كراهة فعل هذه الأسباب وغيرها، نقول: الصحيح أن الكراهة هنا خاصة بهذه الأسباب وهي طلب الرقية، الرقية مباحة ومستحية بذلها وإذا احتاجها المريض فلا حرج عليه ولا يأثم ولا يُقال إنه فعل المكروه لكنه إذا عُرضت عليه أو قُرئ عليه بدون طلب لا شك أنها أطيب وأكمل لكن فعلها مشروع، ولهذا الحديث الصحيح: «لا يَسترْقُونَ» وأما لا يرقون فلفظة شاذة كما نبه على ذلك الحُفاظ، ولهذا نقول: لا يسترقي: يعني لا يطلب الرقية لكن لو احتاج، نقول: طلب الرقية أهون وأيسر من استعمال أدوية قد تضره ولا تنفعه، كذلك الاكتواء، مر بنا أنه فيه نهي، فإذا تركه فلا حرج وهو أولى أنه يتداوى بغيره، يكون هو آخر الطب الكي، وكذلك عدم التطير وضابط هذا وجامعه أنهم على ربهم يتوكلون، فلا يُمنع من التداوي بهذا الحديث ولا يُقال لمن امتنع عن الدواء إنك آثمٌ أو إنك قاتل لنفسك أو مودٍ بحياتك أو إنك ملقٍ بنفسك إلى التهلكة، كل هذا الكلام ليس له أصلٌ في الشرع، لكنا نقول لهذا المريض الذي لا يتداوى بالعقاقير الطبية ونحوها، لو زاد المرض، هل تندم وتتأسف وتأكل نفسك كما يُقال؟ تقول: ليتني تداويت، قال: والله ممكن، نقول: إذن تداوى؛ لأن دواؤك الآن هو دائرٌ بين الإباحة والاستحباب، وندمك وقلقك وضيقك وحرجك ولوم نفسك ونحو ذلك مما يصير لك إذا زاد مرضك هذا يعني أمرٌ محرم، ولهذا نقول: إذا كان الإنسان ضعيف التوكل وربما لو اشتد عليه المرض وإلا جاءه الناس وكثّروا عليه الكلام يلوم نفسه وقد تطور المرض وزاد ويحسب أنه أهلك نفسه، فنقول: من البداية عالج ولا حرج، العلاج بالمباح مباح، وشيخنا سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله يرجح القول بالاستحباب، والنووي رحمه الله يرى أنه قول عامة الخلف وجمهور السلف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه النسائي في السنن الكبرى (6863)، وأحمد (3922) مطولًا، وابن ماجه (3438)، والحديث صححه ابن عبدالبر في التمهيد (5/258)، وأيضًا الألباني في صحيح ابن ماجة (2790).
[2] أخرجه مسلم (2204)، والنسائي في السنن الكبرى (7556) واللفظ له، وأحمد (14597).
[3] أخرجه البخاري (5688)، ومسلم (2215).
[4] أخرجه البخاري (4478)، ومسلم (2049).
[5] أخرجه البخاري (5417)، ومسلم (2216).
[6] أخرجه مسلم (2200).
[7] أخرجه أبو داود (3855)، الترمذي (2038) واللفظ له، والنسائي في السنن الكبرى (7553)، وابن ماجه (3436)، وأحمد (18454)، والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي (2038).
[8] أخرجه مسلم (2199).
[9] أخرجه أبو داود في مراسيله (105)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (816) مطولاً، وحسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب (744).
[10] أخرجه البخاري (6541)، ومسلم (220).
