الدرس الثاني
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
أما بعد؛ أيها الأخوة الأكارم، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في الدرس الثاني من شرح فصولٍ في الآداب ومكارم الأخلاق المشـروعة للإمام أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي رحمه الله والسامعين ووالديهم، في الدرس الماضي كان الحديث عن هذه الآداب والأخلاق المشروعة وأهمية دراستها وتعلمها والتعريف بابن عقيل رحمه الله وبكتابه، وبقيت الإشارة إلى أبرز كتاب من كتبه وتآليفه المشهورة، لم يُشر إليه مع أنه أهم كتبه وهو كتاب الفنون في الفقه في ثمانمائة مجلدة وقيل أكثر من ذلك، وقد بُشرنا قبل سنوات وجوده كاملًا مخطوطًا، ولعل الله ييسر تحقيقه وطباعته، فهو موسوعة كبرى لا يُعرف في كتب الفقه مثلها في العدد والكم وهو تأليف إمام مجتهد.
قال المصنف رحمه الله: (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، هذه نبذة من فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة من تأليف الشيخ الإمام القدوة أبي الوفاء ابن عقيل رحمه الله) هذه مقدمة يسيرة والظاهر أنها من كتابة النساخ، وليست من كتابته؛ فإنه لن يمدح نفسه ولن يزكيها ولن يصفها بالإمامة ونحو ذلك، صدّر من كتب هذه المقدمة بالبسملة وهذا صنيع أهل العلم في مؤلفاتهم تأسيًا بكتابه العزيز؛ فإن الله جل شأنه افتتح كتابه بالبسملة وجعلها بين السور وهي بعض آية من سورة النمل، كما في ذلك الاستجابة لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فإنه أمر بالبدء بالبسملة، وأخبر أن كل أمرٍ ذي بال لا يُبدأ فيه بالبسملة فهو أجذم، فهو أبتر أي ناقص البركة.
كما أن في ذلك التأسي به صلى الله عليه وسلم فقد كان يفتتح كتبه ومراسلاته بالبسملة، وأما خطبه سواءً الجمعة أو العيدين أو الاستسقاء فلم يفتتحها بالبسملة وإنما يفتتحها بالحمدلة وهذا فرق بين التآليف والكتب والمراسلات، فالسنة أن تبدأ بالبسملة أما الخطب فالسنة أن تبدأ بالحمدلة، أي قول الحمد لله ونحو ذلك كخطبة الحاجة، حتى خطبة العيد لا يشرع البدء فيها بالتكبير ومن ذكر ذلك ونص عليه فقد خالف السنة، فالسنة أن يُبدأ في جميع الخطب بالحمدلة، والبسملة قد تكون فرضًا وشرطًا لصحة ما أُمر بها فيه كما في الذبيحة، فإن الذبيحة لا تحل إلا بها ولو ذبح بدون تسمية لم تحل الذبيحة وصارت خبيثة، وهي مشروعة في حالات كثيرة لكنه يقتصر في أكثر الحالات على قول بسم الله كما عند دخول المسجد والخروج منه، ودخول البيت والخروج منه، ودخول الخلاء وعند الأكل والشرب ومعاشرة الأهل.
قال بعدها: (الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين) وهكذا أيضًا فإن الله بدأ كتابه بالحمدلة، بقول الحمد لله رب العالمين ثم ثنى بالصلاة على محمد ووصفه بخاتم النبيين وهو كذلك، محمد اسم للنبي صلى الله عليه وسلم لكثرة حمده واستحقاقه للحمد صلوات ربي وسلامه عليه، وأفضل ما قيل في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثناء الله عليه في الملأ الأعلى كما خرّج ذلك البخاري عن أبي العالية، وجمع هنا بين الصلاة والسلام على النبي وعلى آله وصحبه أجمعين، وهذا شعار أهل السنة خلافًا للرافضة الضلال الذين يوالون الآل ويعادون الصحب، أما أهل السنة فإنهم يوالون الجميع، وإذا ذُكر الآل مع الصحب فإن المراد بالآل أتباع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه، وأما إذا ذكر آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين أو أتباعه بإحسان إلى يوم الدين؛ فإن المراد بالآل قرابته المؤمنين، إذن يفرق إذا ذكر في السياق الآل مع الصحب كما هنا، فإن المراد بالآل أتباعه على دينه إلى يوم الدين، وإذا قيل وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، فالمراد بالآل قرابته المؤمنين، ثم ذكر أنّ هذه نبذة من فصول الآداب، والنبذة هي اليسيرة القليلة من فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة، تقدمت الإشارة والتعريف بالآداب ومكارم الأخلاق.
قال رحمه الله:
فَصْلٌ
السَّلَامُ المُبْتَدَأُ يَكُوْنُ مِنَ المَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَمِنَ الرَّاكِبِ عَلَى المَاشِي وَالجَالِسِ، وَالابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ، وَإِذَا سَلَّمَ الوَاحِدُ مِنَ الجَمَاعَةِ المُشَاةِ أَوِ الرُّكَّابِ أَجْزَأَ عَنِ الجَمَاعَةِ، وَإِذَا رَدَّ وَاحِدٌ مِنَ الجُلُوسِ أَجْزَأَ عَنِ الجَمَاعَةِ.
وَصِفَةُ السَّلَامِ: سَلَامٌ عَلَيْكُم، وَصِفَةُ الرَّدِّ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ، وَالزِّيَادَةُ المَأْمُوْرُ بِهَا المُسْتَحَبَّةُ: وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُسْتَحَبُّ وَرَحْمَةُ اللهِ؛ لِيَتْرُكَ لِلْمُجِيْبِ الزِّيَادَةَ المَأْمُوْرَ بِهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَبَرَكَاتُهُ، بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رَدِّهَا، وَإِذَا سَلَّمَ ثُمَّ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ ثُمَّ اِلْتَقَوْا عَادَتْ سُنَّةُ السَّلَامِ، كَذَلِكَ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهُم، وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى شَوَابِّ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْلُبُ جَوَابَهُنَّ، وَسمَاعَ أَصْوَاتِهِنَّ، وَعَسَاهُ يَجْلُبُ الفِتْنَةَ، وَكَمْ مِنْ صَوْتٍ جَرَّ هَوَىً وَعِشْقًا، ولَا بَأسَ بِالسَّلَامِ عَلَى العَجَائِزِ وَالبَارِزَاتِ؛ لِعَدَمِ الفِتْنَةِ بَأَصْوَاتِهِنَّ، وَلِأَنَّ البَرْزَةَ تَحْتَاجُ إِلَى السَّلَامِ عَلَيْهَا، وَرَدِّ سَلَامِهَا، وَلِلْحَاجَةِ تَأْثِيْرٌ بِذَلِكَ؛ لِجَوَازِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ المَرْأَةِ لِلشَّاهِدِ لِيَحْفَظَ الحِلْيَةَ فَيُقِيْمَ الشَّهَادَةَ، وَكَذَلِكَ الصَّائِغُ وَالمَغَازِلِيُّ، وَكُلُّ مَنْ تُعَامِلُهُ النِّسَاءُ مِنْ أَرْبَابِ التَّجَائِرِ وَالصَّنَائِعِ، وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَامِ عَلَى الصِّبْيَانِ، تَعْلِيْمًا لَهُمْ لَلْأَدَبِ، وَتَحْبِيْبًا لِحُسْنِ الخُلُقِ، وَتَدْرِيْبًا عَلَى حُسْنِ المُعَاشَرِةِ، وَيَسْتَحَبُّ السَّلَامُ عِنْدَ الإِنْصِرَافِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الدُّخُوْلِ، وَالدُّخُوْلُ أَشَدُّ اِسْتِحْبَاْبًا.
هذا أطول فصول الكتاب، أطال فيه النفس وذكر جملة من آداب السلام ولم يستوفها أيضًا، فثمة آداب لم يشر إليها، بدأ رحمه الله هذا الفصل ببيان من الذي يبدأ السلام، وهو جواب لسؤال إذا قيل من هو الذي يشرع له أن يبدأ السلام؟ ذكر ثمة حالات: فذكر أولًا أن السَّلَامُ المُبْتَدَأُ يَكُوْنُ مِنَ المَاشِي عَلَى القَاعِدِ؛ فإن الماشي أعلى من القاعد رتبة وأرفع فطُلب منه أن يبدأ ليُبعد عن نفسه الكبر، وقيل إن الماشي كالداخل والداخل يسلم على من كان في المكان، كذلك قال رحمه الله: وَمِنَ الرَّاكِبِ عَلَى المَاشِي وَالجَالِسِ ، كذلك الراكب أعلى منزلة من الماشي ومن الجالس ويخشى أن يصيبه شيء من الغرور والكبر لعلو مكانه بمركوبه ويحصل له شيء من الزهو والرفعة فناسب أن يؤمر هو بالسلام على الماشي وعلى الجالس، وجاء ذلك بالسنة كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ علَى الكَبِيرِ، والمارُّ علَى القاعِدِ، والقَلِيلُ علَى الكَثِيرِ»[1]، وفي رواية: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ علَى الماشِي، والماشِي علَى القاعِدِ، والقَلِيلُ علَى الكَثِيرِ»[2] [الحديث متفق عليه]، ما المراد بالصغير؟ لأن هذه وردت في الحديث ولم يوردها المؤلف، هل المراد الصغير سنًا أو قدرًا؟ الظاهر والعلم عند الله أن المراد هنا الصغير سنًا، فلو تقابل صغير سنٍ لكنه ذا قدر عظيم وعنده علم غزير بشخص أكبر منه لكن هذا الأكبر عامي، فمن هو الذي يبدأ؟ الظاهر من السنة أن الصغير وإن كان أعلى علمًا ومنزلةً فهو الذي يبدأ بالسلام؛ لأن القدْر لا يُدرى عنه ولا يظهر لكل أحد بينما السن ظاهر بيّن والشارع يعلق الأحكام على الأمور الظاهرة، والسن ظاهر بخلاف القدْر والمكان فقد يكون خفيًا، إذن جاءت السنة بأمر الماشي بالسلام على القاعد وأمر الراكب بالسلام على الماشي والجالس وذلك كله مراعاة لهذه المعاني، فمن كان أعلى ينبغي ان يتواضع لمن كان دون ذلك.
قال رحمه الله: (وَالابْتِدَاءُ بِهِ سُنَّةٌ) ولم يذكر الجواب أو إجابة السلام، نقول أولًا هذا السلام الذي ذكر طرفًا من أحكامه وآدابه ثم يواصل المسير في ذكر بقية الآداب، هذا السلام اسم من أسماء الله تعالى، كما يقول الله جل شأنه: {الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ} [الحشـر: ٢٣]، ومعناه السالم من كل نقص وعيب، وكذا وصفت الجنة بذلك وصفت بأنها دار السلام لسلامتها وخلوها من النقص والآفات والأكدار، أما كون السلام تحية فله معنيان، إذن السلام في الاصل هو اسم من اسماء الله، ووصفت الجنة بالسلام أو دار السلام لسلامتها أيضًا لكن ما معنى كون السلام تحية؟ نقول في ذلك معنيان، الأول: أن المسلم يقول للمسلم عليه اسم الله عليك، وإذا حل السلام عليك حلت البركة والخير، هذا معنى، والمعنى الثاني: أن قول السلام عليكم خبر بمعنى الدعاء، فكأنه يدعو الله بأن يسلمه من الآفات والنقائص، وهذا هو شأن المسلمين أنه يسأل الله لمن سلم عليه السلامة، والسلام أصبح شعارًا للتحية التي هي مصدر حياه يحييه تحية وهي في اللغة الدعاء بالحياة، فإذا قلت حياك الله فمعناه أبقاك، لكن الله جل في علاه ورسوله صلى الله عليه وسلم خصنا أهل الاسلام بأعظم تحية تميزنا عن غيرنا، وجعلها حقًا من حقوق المسلم على أخيه، ورتب عليها أجورًا عظيمة ومصالح عميمة فتحولت هذه التحية من كونها عادة إلى كونها عبادة من أجل العبادات وقربة من أفضل القربات، ومن فضائل السلام -وفضائله كثيرة لا يمكن حصرها في هذه العجالة- أنه ورد في النصوص العظيمة ما يدل على فضله وشرفه، من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل السلام خير خصال الإسلام وشرائعه العظام، في الصحيحين من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه: «أنَّ رَجُلًا سَأَلَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: أيُّ الإسْلَامِ خَيْرٌ؟ قالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وتَقْرَأُ السَّلَامَ علَى مَن عَرَفْتَ ومَن لَمْ تَعْرِفْ»[3] فذكر صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن خير الإسلام وأفضل خصال الإسلام ذكر أمرين هنا وهو إطعام الطعام والسلام لكنه ذكره بصفة تدل على الإفشاء والإكثار والسلام على كل مسلم ولو لم يعرف وهذا هو شأن أهل الإسلام، وفي مقدمه صلى الله عليه وسلم للمدينة ترّقب الناس أول خطاب وبيان نبوي في المدينة فكان أول ما قال للناس «يا أيُّها النَّاسُ، أفْشُوا السَّلامَ، وأطعِموا الطَّعامَ، وصِلوا الأرحامَ، وصَلُّوا باللَّيلِ والنَّاسُ نِيامٌ؛ تَدخُلوا الجنَّةَ بسَلامٍ»[4]، وانتهى الخطاب، هذا خطاب عظيم وتقعيد لقواعد عظيمة وآداب مرعية، جعل ختامها تدخلوا الجنة بسلام، كما أنه صلى الله عليه وسلم جعل من أعظم أسباب المحبة والمودة بين المسلمين السلامة، ففي الحديث الصحيح يقول صلى الله عليه وسلم: «لا تدخُلوا الجنَّةَ حتَّى تؤمِنوا، ولا تؤمِنوا حتَّى تحابُّوا، أولا أدلُّكم علَى شيءٍ إذا فعلتُموهُ تحابَبتُمْ؟ أَفشوا السَّلامَ بينَكُمْ[5]« [الحديث رواه الإمام مسلم]، فجعل الطريق الموصل للمحبة إفشاء السلام وليس مجرد السلام، بل السلام على كل من لقيت ممن تعرفه وممن لا تعرف؛ فإن ذلك أعظم طريق يوصل إلى محبة الناس الموصلة إلى الإيمان وإلى دخول أعلى الجنان، كما أنه صلى الله عليه وسلم رتب على هذا السلام أجورًا عظيمة بمجرد لفظه، فمن قال السلام عليكم حصّل عشر حسنات، ومن قال السلام عليكم ورحمة الله حصّل عشرين حسنة، ومن قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته حصّل ثلاثين حسنة، وكم يلتقي المسلم اليوم في طريقه وفي مدرسته وفي عمله وفي بيته وفي مسجده من خلائق لا يحصيهم إلا الله فكلما قال هذا السلام أضيف في حسناته هذا القدر من الحسنات حسب الصيغة التي قالها، ففي حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: «جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ فقالَ: السَّلامُ عليْكم، فردَّ عليْهِ ثمَّ جلسَ فقالَ النَّبىُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: عشرٌ، ثمَّ جاءَ آخرُ فقالَ: السَّلامُ عليْكم ورحمةُ الله، فردَّ عليْهِ فجلسَ فقالَ: عشـرونَ، ثمَّ جاءَ آخرُ فقالَ: السَّلامُ عليْكم ورحمةُ اللهِ وبرَكاتُه، فردَّ عليْهِ فجلسَ فقالَ: ثلاثون»[6] [رواه أبو داود والترمذي]، وقال حديث حسن صحيح، قال الحافظ ابن حجر في الفتح إسناده قوي، وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية إسناده جيد.
إذن هذا طرف يسير مما ورد في فضل السلام، وهو مما يشوق أهل الايمان لهذه التحية العظيمة التي استعاض عنها بعض المسلمين ما هو أدنى، استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فتجده في تحاياه وفي ترحيبه وفي مقابلته للناس وفي رده على هاتفه ونحو ذلك لا يعرف هذه الصيغة كلها، لا السلام عليكم ولا ما أعلى منها بل يرحب ويهلل ويسهل فيقول مرحبًا، أهلًا، كيف حالكم؟ صباح الخير، مساء النور، كل ذلك مع ترك السنة خلاف السنة، بل ينبغي للمؤمن الموفق الذي يرجو الله والدار الآخرة أن يكون السلام شعاره، ثم يأتي بما شاء من التحايا والترحيب.
قال رحمه الله: إن السلام أي ابتداء السلام سنة، نقول عندنا في السلام مسألتان:
المسألة الأولى، ابتداء السلام: والمؤلف لم يذكر سواه، فما حكم ابتداء السلام؟ ابتداء السلام سنة مؤكدة عند جمهور العلماء، بل حكى ابن عبد البر في التمهيد الإجماع على ذلك، هذا قول الجماهير، ومن أهل العلم من ذهب إلى الوجوب، قد حكى شيخ الاسلام ابن تيمية كما ذكر ابن مفلح في الآداب عن الإمام أحمد رواية بوجوب ابتداء السلام، وهو مذهب الظاهرية وعندهم دليل وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم حق المسلم على المسلم ست إذا لقيته فسلم عليه، لكن جماهير العلماء وابن عبد البر حكى الإجماع، ولهذا نقول إن صح هذا الإجماع فهو المخصص وإلا فظاهر النص الوجوب لكن إذا صح هذا الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر فإنه يخصص الأمر ويصرفه عن الوجوب إلى الاستحباب، قالوا وإذا كان الحامل عليه الهجر كان تركه حرامًا فيما زاد على ثلاثة أيام وما دون الثلاثة يجوز فيه الهجر لسبب؛ لحديث «لا يحِلُّ لِمُسلِمٍ أنْ يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثِ ليالٍ يلتقيانِ فيُعرِضُ هذا ويُعرِضُ هذا وخيرُهما الَّذي يبدَأُ بالسَّلامِ»[7] إذن يقول أهل العلم إنه سنة مؤكدة إلا إذا كان فيه هجر، فإذا تم ثلاثة أيام تعين عليه أن يسلم، لكن في الثلاثة أيام أباح الشارع الهجر لسبب؛ لأن النفوس تضعف أحيانًا، قد يحصل شيء من سوء التفاهم بين اثنين، نقول لا حرج عليكما في الهجر إلى ثلاث، فإذا زاد عن الثلاث أثمتما ووجب حينئذ إذا التقيتما أن تسلما على بعضٍ، إذن نقول هذا هو قول الأئمة وقول الجمهور من العلماء أن ابتداء السلام سنة وأن الظاهرية ورواية عن الإمام أحمد ذهبوا إلى الوجوب لكنهم محجوجون بالإجماع وحديث المتهاجرَين وفيه وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، فدل على الاستحباب لا على الوجوب، قد دل على استحباب البدء بالسلام الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قول الله جل شأنه: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: ٨٦]، قال ابن كثير رحمه الله: أي إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه أفضل مما سلم أو ردوا عليه بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة والمماثلة مفروضة، وستأتي الإشارة إلى بعض ما ورد في القرآن حول السلام ولفظه، أما السنة فورد فيها أحاديث كثيرة في الترغيب في السلام والحث عليه وبيان فضائله، تقدمت الإشارة إلى بعضه، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خَلَقَ الله آدَمَ علَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا -أي طوله في السماء ستون ذراعًا قرابة ثلاثين متر- فَلَمَّا خَلَقَهُ قالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ علَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ المَلائِكَةِ، جُلُوسٌ، فاسْتَمِعْ ما يُحَيُّونَكَ؛ فإنَّها تَحِيَّتُكَ وتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فقالَ: السَّلامُ علَيْكُم -قال آدم للملائكة السلام عليكم- فقالوا: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللهِ، فَزادُوهُ: ورَحْمَةُ اللهِ…»[8] إذن هذا حديث ثابت في الصحيح يدل على أن هذه التحية التي اختارها الله وأمر أبونا آدم أن يلقيها على الملائكة وأن يستمع ردهم، قال هذه تحيتك وتحية ذريتك من بعدك، وفي الحديث المتقدم «حَقُّ المسلِمِ على المسلِمِ ستٌ: إذا لقيتَهُ فَسلِّمْ علَيه…»[9] ثم إن المسلم إذا سلم نال الأجر كما تقدم وحصل له الرد ممن سلم أو من هم خير منه، يعني بعض الناس ما يرد، نقول هو آثم وأنت لا تريد إثمه ولكنه يرد عليك من هو خير منه، جاء في الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ السَّلامَ اسمٌ من أسماءِ اللهِ وضعَهُ اللهُ في الأرضِ، فأفشُوهُ بينكم، إنَّ الرَّجلَ إذا سلَّم على القومِ فردُّوا عليه كانت عليهم فضلُ درجةٍ؛ لأنَّه ذكَّرَهم، وإن لم يردَّ عليه ردَّ عليه مَن هو خيرٌ منهم وأطيبُ»[10] [رواه البخاري في الأدب المفرد والبيهقي والبزار وهو حديث حسن صحّ مرفوعًا وموقوفًا] وذلك يدل على فضيلة البدء بالسلام ويدل على أن من لم يُرد عليه فترد عليه الملائكة وهم خير منه، وجاء في حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أولى الناسِ باللهِ من بدأهم بالسلامِ»[11] [رواه ابو داود بسند جيد] ولفظ الترمذي: «قيلَ يا رسولَ اللهِ !الرَّجُلانِ يلتقيانِ، أيُّهُما يبدأُ بالسَّلامِ؟ فقال: أوْلَاهما باللهِ»[12]، وفعله صلى الله عليه وسلم ما لا يحصى فإنه كان يسلم على أصحابه، وإذا صعد المنبر يوم الجمعة بدأ بالسلام، فإذن البدء بالسلام واضح بيّن وهذه نصوص واضحة متظافرة في فضله وفضل بدئه والأجور المترتبة عليه.
المسألة الثانية، رد السلام: أما رد السلام فواجب كفائيٌ وإذا كان المُسَلَّم عليه واحدًا تعين عليه الرد إذًا، إذا كان المُسَلَّم عليه واحد وجب عليه فصار فرض عين في حقه، وإذا كانوا جماعة فهو فرض كفاية، إذا سلموا كلهم أثيبوا وهو أفضل من أن يكتفوا بواحد وإلا أثموا جميعًا، وفي قول الله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: ٨٦] ما يدل على وجوب الرد، وقد حكى ابن حزم وابن عبد البر وشيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على وجوب الرد، إذن نعود إلى كلام المؤلف رحمه الله فإنه ذكر أولًا مسألة استحباب البدء بالسلام أو فضيلة البدء بالسلام لكنه رحمه الله لم يذكر الاجابة أو رد السلام.
قال رحمه الله: (وَإِذَا سَلَّمَ الوَاحِدُ مِنَ الجَمَاعَةِ المُشَاةِ أَوِ الرُّكَّابِ أَجْزَأَ عَنِ الجَمَاعَةِ وَإِذَا رَدَّ وَاحِدٌ مِنَ الجُلُوسِ أَجْزَأَ عَنِ الجَمَاعَةِ) إذن نقول: إذا سلم الواحد من الجماعة المشاة أو الركاب يعني جماعة يمشون وقابلوا واحدًا، نقول: إذا سلم واحد من هؤلاء الجماعة على هذا الواحد أو على مجموعة فإنه يجزي ذلك، وكذلك إذا سلم واحدٌ أو جماعة على قوم مجتمعين فرد واحد من أولئك المجتمعين أجزأ لكن هل الأفضل أن يكتفى بواحد في السلام وواحد في الرد، نقول لا، بل الأفضل أن يسلم الجميع وأن يرد الجميع، ما الدليل على إجزاء سلام الواحد عن الجماعة ورد الواحد عن الجماعة؟ نقول: جاء في السنة ما يدل على ذلك، لكن من أهل العلم من قيد ذلك أولًا بقيد عظيم، قال إنه يجزئ الرد من واحد ما لم يقصد المسلم بسلامه معينًا، فإن قصد معينًا كعالم ونحوه تعين عليه أن يرد هو ولا يجزئ أن يرد عنه أحد لأنه هو المقصود، يعني إنسان دخل على مجلس ووجه السلام لأكبرهم قدرًا، عالم، أمير، وجيه، فإنه يتعين على هذا العالم الذي قُصد بالسلام أن يرد ولا يكتفي برد غيره، بل لا بد أن يرد هو، ويدل على إجزاء سلام الواحد عن المجموعة ورد الواحد عن المجموعة ما جاء في حديث علي، وفيه كلام لأهل العلم لكن منهم من حسنه وله شاهد مرسل يقويه وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يجزئُ عن الجماعةِ إذا مروا أن يسلمَ أحدُهم ويجزئُ عن الجماعةِ أنْ يردَّ أحدُهم»[13] [الحديث رواه أبو داود لكن فيه كلام] ومن أهل العلم من ضعفه ومنهم من حسنه بشواهده كالألباني رحمه الله، والعمل على هذا عند أهل العلم لكن الأفضل أن يسلم الجميع لحديث أفشوا السلام بينكم، وأن يرد الجميع، وهذا أمر غائب عن الكثير من الناس يكتفون دائمًا بواحد مع إمكان السلام ونيل الاجر والثواب، فنقول سلموا أكثر ما أمكن ويرد أكثر ما أمكن فإن ذلك أفضل وأعظم أجرًا وكل من سلم نال الأجر سواء بدأ بالسلام أو رد السلام.
قال رحمه الله: (وَصِفَةُ السَّلَامِ: سَلَامٌ عَلَيْكُم، وَصِفَةُ الرَّدِّ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ، وَالزِّيَادَةُ المَأْمُوْرُ بِهَا المُسْتَحَبَّةُ: وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ).
عندنا الآن مسائل، أولًا: مسألة الرد أو مسألة السلام:
المؤلف رحمه الله ذكر أن صفة السلام سلامٌ عليكم، يعني منكرة بدون «ال»، وصفة الرد وعليكم السلام، نقول: هذا اجتهاد منه رحمه الله واختيار لقوله وهو مجتهد ومن ثم اختار هذا القول، وقد ذكر ابن مفلح رحمه الله في الآداب كلامًا مطولًا في تفاوت أهل العلم في هذه المسألة، فابن مفلح يقول يجوز تعريف السلام بالألف واللام والتنكير للأحياء والأموات، نص عليه أي الإمام أحمد، وابن عقيل يقول: سلام الأحياء منكّر وسلام الأموات معرّف، يعني إذا أردت أن تُسلم على أحد قل له: سلامٌ عليك وإذا ذهبت للمقبرة قل: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، كذلك روي عن أم المؤمنين عائشة، لكن إذا تأملنا فإننا نجد في الكتاب والسنة ما يدل على ورود السلام منكرًا ومعرفًا، إلا أن في السنة التعريف أكثر، وفي التحية التعريف أكثر، ورد في الكتاب العزيز في تعريف السلام قول الله جل شأنه: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} [النساء: ٩٤]، وقول الله جل شأنه: {وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} [طه: ٤٧]، وقوله عن يحيى وعيسى: {وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 33]، لكن ورد أيضًا في الكتاب العزيز قول الله منكرًا: {سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ} [الصافات: 79]، {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} [مريم: ٤٧]، {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ} [الرعد: ٢٤]، إذا نحتاج إلى مرجح، نرجع للسنة نجد أن السنة جاءت بالتعريف كما في التشهد، السلام عليك ورحمة الله وبركاته وكما في تحية آدم في الصحيحين في الحديث المتقدم، فإنه قال السلام عليكم وردوا عليه السلام عليك ورحمة الله ويرجح هذا أن السلام بالتعريف أولى وفيه تفخيم وتعظيم كما أشار إلى ذلك ابن حجر وفيه الاستغراق فإن «ال» تفيد الاستغراق فكأنك تقول للمسلم عليه جميع أنواع السلامة عليك، وفيه ذكر اسم الله، وهذا يرجح بقوة لأنه إذا قلت السلام عليكم فقد ذكرت اسم الله، وإذا قلت سلامٌ عليكم فإنك لم تذكر اسم الله تعالى.
قال رحمه الله: (وَالزِّيَادَةُ المَأْمُوْرُ بِهَا المُسْتَحَبَّةُ: وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ) كما تقدم في حديث عمران وفي حديث سلام الملائكة أو رد الملائكة على آدم عليه السلام قال: (وَلَا يُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ)، يقول يعني لا ينبغي للمسلم إذا سلم أن يزيد على قول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لماذا؟ نقول لأن هذا أصح ما ورد، لكن جاء في حديث ومغفرته في حديث عمران نفسه الذي جاء فيه عشر وعشرون وثلاثون فيه أن رجلًا جاء فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال صلى الله عليه وسلم أربعون هكذا تكون الفضائل، لكن هذا الحديث ضعيف، ومثل ذلك أيضًا زيادة ورضوانه فإنها لا تثبت، لكن لو قال إنسان أنا والله ما أعرف أنها ما ثبتت لكنه من زيادة السلام والتحفي يقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحياته ورضوانه ومغفرته، نقول لا حرج لكن إذا قال إنها ثابتة نقول لا الحديث فيها ضعيف.
ثم قال رحمه الله: (وَيُسْتَحَبُّ وَرَحْمَةُ اللهِ) يعني يستحب أن يقف المسلم على قول ورحمة الله (لِيَتْرُكَ لِلْمُجِيْبِ الزِّيَادَةَ المَأْمُوْرَ بِهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَبَرَكَاتُهُ، بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رَدِّهَا) نقول هذا اجتهاد أيضًا من المؤلف رحمه الله، لكن في استحبابه نظر يعني يقول أنت إذا بدأت السلام يستحب لك أن تقف عند ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله؛ لتترك الفرصة للراد أن يقول ورحمة الله وبركاته فينال الزيادة لأن الله قال: {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: ٨٦]، يعني تعطيه مجالًا لأن يحييك بأكثر {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا}، فإذا تركت وبركاته له حصل أجرها، نقول: سبحان الله، طيب وأنا المسَلِّم أولى، أنا أحصلها وهو يحصلها، يعني لماذا أؤثره؟ ما في إيثار في القرب، وقال بعضهم: إن الاقتصار على هذا أيضًا، لئلا تثقل عليه في الرد؛ لأنك إذا قلت السلام عليكم ورحمة الله وبركاته لزمه أن يقول مثله، فيقولون من باب التخفيف عليه هات الأقل فهو يأتي به وإن شاء زاد، لكن كل هذه المعاني لا ينبغي التعويل عليها، ففي استحباب ذلك نظر لعدم الدليل من جهة، والاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل شرعي بل عموم حديث عمران رضي الله عنه المتقدم يدل على استحباب قول المسَلِّم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ليحصل على الأجر التام الوارد في الحديث وهو ثلاثون حسنة، ولأنه لا إيثار في القرب، وأجر الرّاد على التمام، ويمكنه أن يزيد إذا رغب الراد أن يزيد، فيزيد من عبارات التحفي والتحايا، السؤال عن الحال، وقول مرحبًا؛ فإن ذلك جاءت به السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم هانئ بنت أبي طالب عام الفتح مرحبًا بأم هانئ، رواه البخاري[14]، فيقول هذا الذي يريد الزيادة وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا، أهلًا وسهلًا، ونحو ذلك مما يمكن أن يقول.
قال رحمه الله: (وَإِذَا سَلَّمَ ثُمَّ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ ثُمَّ اِلْتَقَوْا عَادَتْ سُنَّةُ السَّلَامِ، كَذَلِكَ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهُم) إذن نقول: ينبغي لمن سلّم على مسلم ثم فارقه ولو مفارقة يسيرة كأن يحول بينهما جدار أو شجرة أو سيارة أو نحو ذلك أن يعيد السلام، ومثل ذلك في المدرسة كلما دخل فصل يسلم خرج وعاد يسلم في المكاتب إذا دخل مكتبًا ثم عاد، في المراجعات دائم تجد الانسان أحيانًا الورقة معه ويخرج من المكتب إلى المكتب يوقعونه، نقول سلم كلما دخلت فإن ذلك هو السنة، قد ذكر أن هذا فعل الصحابة رضي الله عنهم، فكما جاء في سنن أبي داود أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا لقيَ أحدُكم أخاهُ فليسلِّم عليْهِ فإن حالت بينَهما شجرةٌ أو جدارٌ أو حجرٌ ثمَّ لقيَهُ فليسلِّم عليْهِ»[15] [قال ابن مفلح اسناده جيد] وفي حديث المسيء صلاته كلما ذهب يصلي عاد فسلم ثلاث مرات، والنبي صلى الله عليه وسلم يرد عليه والحديث متفق عليه، قال أنس رضي الله عنه: «كان أصحابُ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَماشَوْنَ، فإذا لقِيَتْهم شَجَرةٌ أو أَكَمةٌ، تفَرَّقوا يَمينًا أو شِمالًا، فإذا التَقَوْا مُرورًا بها، سلَّمَ بَعضُهم على بَعضٍ»[16] [رواه ابن السني وابن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد، وعزاه المنذري في الترغيب والترهيب، والهيثمي في مجمع الزوائد والطبراني في الأوسط وحسّنا إسناده] إذن الحديث صحيح وهذا مستفيضٌ عن الصحابة رضي الله عنهم، وهذا من حرصهم على السنة وتطبيق السنة، بعض الناس اليوم قد ينكر هذا، يمكن لو واحد يمشي معه وحال بينهم شيء وسلم يقول نحن كنا مع بعض نقول هذه السنة، وينبغي للإنسان أن يفرح بها، وأنت ماذا تخسـر؟ لا شيء، ماذا تستفيد؟ ثلاثون حسنة كلما حال بينكم حائل، ابن عمر رضي الله عنه كان يخرج للسوق ما يزيد على السلام، جاء عنه بالتكبير في العشر أنه يخرج للتكبير، جاء أيضًا عنه أنه يخرج للسوق لا لغرض الشراء ولا البيع وإنما يقول لأسلم على من ألتقي، هذه حياة قلوب، حرص على تجميع السنن، ما أكثر السنن التي نفرط فيها.
¯¯¯
[4] أخرجه الترمذي (2485)، وابن ماجه (1334)، وأحمد (23784)، وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط في تخريج سير أعلام النبلاء (2/414).
[6] أخرجه أبو داود (5195)، والترمذي (2689)، وأحمد (19962)، والنسائي في السنن الكبرى (10169) باختلاف يسير، والحديث حسنه الألباني في هداية الرواة (4566).
[7] أخرجه ابن حبان في صحيحة (5669) وصحح إسناده شعيب الأرناؤوط على شرط الشيخين في تخريج صحيح ابن حبان (5669).
[12] أخرجه أبو داود (5197)، وأحمد (22192) بمعناه، وحسنه الترمذي (2694) واللفظ له، وكذلك صححه الألباني في صحيح الترمذي (2694).
[13] أخرجه أبو داود (5210) واللفظ له، والبزار (534)، وأبو يعلى (441) باختلاف يسير، والحديث حسن إسناده الألباني في هداية الرواة (4571)، ثم تراجع الشيخ وصححه في الكلم الطيب (200).
[14] أخرجه البخاري الأدب المفرد (1045) واللفظ له، وأصله في صحيح البخاري (3000)، ومسلم (336) مطولًا باختلاف يسير.
