الدرس الأول
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد؛ أيها الأخوة والأخوات سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وحياكم الله في هذا الدرس الأول في هذه الرسالة المباركة النافعة «فصول في الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة» للإمام «أبي الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الحنبلي رحمه الله»، وهذه الرسالة نافعة في بابها وجديرة بالعناية والاهتمام، وأهل العلم يهتمون بالآداب والأخلاق كما يهتمون بالعقيدة والفقه في عباداته ومعاملاته وأحكام أسرته، يولون الأخلاق والآداب عناية فائقة سواء في التآليف المستقلة أو في كتب الفقه والحديث وذلكم أن هذا الدين دين كامل شامل لكل مناحي الحياة، فالمؤمن يحتاج أن يتأدب بأدب القرآن ويتخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، فباب الأدب ومكارم الأخلاق من أبواب الفقه المهمة وقد جاءت النصوص الشرعية مبينة لهذه الآداب وموضحة للمسلم ما ينبغي أن يتأدب به في شؤونه كلها من السلام والاستئذان والنظر والأكل والشـرب والقيام والجلوس والنوم واليقظة والكلام واللباس والزينة وإجابة الدعوة وغير ذلك، وقد اعتنى الفقهاء وأهل الحديث بهذا الباب فأفردوه بمؤلفات وجعلوه ضمن مؤلفاتهم فممن أفرد هذا الباب بالتأليف المستقل الإمام البخاري رحمه الله أفرده في كتابه «الأدب المفرد»، وكذلك الإمام ابن مفلح رحمه الله في «الآداب الشرعية والمنح المرعية» أفرده وجعله في ثلاثة مجلدات، وكذلك الخرائطي رحمه الله ألف كتابين أحدهما في مكارم الأخلاق والثاني في مساوئ الأخلاق، وكذلك الإمام محمد السفاريني رحمه الله شرح منظومة الآداب في كتاب سماه «غذاء الألباب شرح منظومة الآداب» وكذلك ابن حبان رحمه الله في نزهة الفضلاء وروضة العقلاء وابن قدامة رحمه الله في «مختصر منهاج القاصدين»، ومنهم من جعله ضمن كتب الفقه أو كتب الحديث فالإمام أبو داود رحمه الله ألفه وجعله في آخر كتابه، وابن حجر في بلوغ المرام كذلك أفرده وجعله في كتاب جامع في آخر كتابه، بل حتى المؤلفات المختصرة عند الحنابلة وغيرهم نجد أنهم أفردوا كتابًا أو بابًا في آخر كتبهم عن الآداب والأخلاق كما فعل ابن أبي موسى في الإرشاد في الفقه وابن بلبان في مختصر الإفادات وغيرهم كثير.
ما المراد بالأدب والخلق؟ أحسن ما قيل في الأدب ما عرّفه ابن حجر رحمه الله في قوله هو استعمال ما يُحمد قولًا وفعلًا وهذا كلام شامل لكل أدب يحسن للمسلم أن يتعلمه وأن يقوله وأن يفعله، وعبّر بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق والله جلّ شأنه مدح نبيه صلى الله عليه وسلم ووصفه بالخلق العظيم وكان صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأحسنهم خلقًا، وفي حديث أنس رضي الله عنه: «كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وأَجْوَدَ النَّاسِ، وأَشْجَعَ النَّاسِ»[1] «لَمْ يَكُنِ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا ولَا مُتَفَحِّشًا، وكانَ يقولُ: إنَّ مِن خِيَارِكُمْ أحْسَنَكُمْ أخْلَاقًا»[2]، ويقول مرغبًا الأمة في الخلق والأدب: «إنَّ المؤمِنَ ليُدرِكُ بحُسنِ خُلُقِهِ درجةَ الصائِمِ القائِمِ»[3]، ومن هذا الباب فإننا اليوم سنكتفي بهذه المقدمة اليسيرة في التعريف بهذا العلم وهذا الفن والتعريف بالكتاب ومؤلفه.
قال الإمام ابن مفلح رحمه الله في آداب جمعها في عبارات متناسقة جمعت الأدب كله وبينت أهم ما يلزم المسلم تجاه إخوانه المسلمين، قال: )ومما للمسلم على المسلم أن يستر عورته ويغفر زلته ويرحم عبرته ويقيل عثرته ويقبل معذرته ويرد غيبته ويديم نصيحته ويحفظ خلته ويرعى ذمته ويجيب دعوته ويقبل هديته ويكافئ صلته ويشكر نعمته ويحسن نصرته ويقضي حاجته ويشفع مسألته ويشمت عطسته ويرد ضالته ويواليه ولا يعاديه وينصره على ظالمه ويكفه عن ظلم غيره ولا يسلمه ولا يخذله ويحب له ما يحب لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه)، تأمل هذه العبارة كم جمعت من نصوص عظيمة أخذها من هذه النصوص وصاغها في هذه الآداب الجامعة، وممن ألف في هذا الفن صاحبنا الإمام أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي رحمه الله، والإمام ابن مفلح رحمه الله نقل منه نُقول عظيمة لا تكاد تجد أدبًا من الآداب التي ذكرها ابن مفلح رحمه الله إلا وقد استفاد مما ذكره ابن عقيل رحمه الله، مع أن رسالة ابن عقيل مختصره جدًا في ثلاثة وعشرين فصلًا في صفحات، ورقات لا تتجاوز العشرين ورقة ذكر فيها نحوًا من مائة وثلاثين بل أكثر من مائة وثلاثين من الآداب.
من هو الإمام ابن عقيل الحنبلي؟ هذا الإمام الذي سنقرأ رسالته ونعلق عليها بما فتح الله به علينا، نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى.
الإمام ابن عقيل هو الإمام العالم البحر شيخ الحنابلة أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبدالله البغدادي المقرئ الفقيه الأصولي المتكلم، ولد رحمه الله سنة أربعمائة وإحدى وثلاثين وتوفي سنة خمسمائة وثلاثة عشـرة، جاوز الثمانين ولم يقصـر في طاعة أو في عبادة أو في تآليف أو في اغتنام وقت، ويقول إن الله منَّ علي من صغري وعصمني عمّا يضيع وقتي فلم يجالس البطّالين وقال -وهو ابن ثمانين-: (إني لا يحلُّ لي وقَدْ تَجَاوَزْتُ الثَّمَانِين أنْ أُضيعَ وَقْتِي فِي غَيْرِ طَاعَة)، بل هو الذي يقول:
والوقْتُ أَنْفَسُ ما عَنِيتُ بِحِفْظِهِ وَأَرَاهُ أسهَلَ ما عليك يَضِيعُ
ألّف في فنون الشريعة، في الأصول وفي الفقه واعتنى عناية فائقة بالفقه حتى عُد من الأئمة المجتهدين، فهو من أشهر المجتهدين في المذهب الحنبلي، سُئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فذكره وذكر كتابه «عُمد الأدلة» لابن عقيل أنه من الكتب التي يحرر منها الخلاف.
قال البعلي: انتهت إليه الرئاسة في الأصول والفروع[4].
وقال ابن بدران في ترجمته: علي بن محمد بن عقيل البغدادي الإمام الأصولي المقرئ الواعظ أحد المجتهدين صاحب المؤلفات [5].
وقال ابن رجب: وكان ابن عقيل كثير التعظيم للإمام أحمد وأصحابه والرد على مخالفيهم[6].
وقال أيضًا: وكان مع ذلك يتكلم كثيرًا بلسان الاجتهاد والترجيح واتباع الدليل الذي يظهر له، ويقول الواجب اتباع الدليل لا اتباع أحمد.
لأن له اجتهادات خالف فيها الإمام أحمد وخالف فيها مذهب الحنابلة وذلك أن هذا هو الواجب عليه وعلى أمثاله، فمن بلغ رتبة الاجتهاد من العلماء لا يجوز لا أن يتابع غيره.
من أبرز مؤلفاته:
1- «الإرشاد في أصول الدين».
2- «الإشارة»، وهو اختصار لكتاب الروايتين والوجهين.
3- «الانتصار لأهل الحديث».
4- «التذكرة في أصول الفقه».
5- «تهذيب النفس».
6- «الجدل في الفقه».
7- «الروايتين والوجهين».
8- «رؤوس المسائل».
9- «شرح مختصر الخرقي».
10- «عمدة الأدلة».
وغيرها الكثير من كتب الحنابلة الشهيرة وله هذا الكتاب، هذا الكتاب من أهل العلم من قال إنه مستل من كتابه المشهور «الفصول في الفقه» وهو كتاب مخطوط عُثر على جزء منه، ومنهم من يقول بل هو كتاب مستقل والظاهر ذلك إلا أن الذين يرجحون أنه فصل من كتابه الفصول ليس له مقدمة، والمقدمة التي سنقرؤها -إن شاء الله تعالى- في الدرس القادم، يقولون هذه من النسّاخ، لم يذكر فيها ابن عقيل رحمه الله منهجه ولا طريقته ولا شيئًا مما يدل على أنه ألفه استقلالًا، وأيًا كان الأمر سواءً كان جزءًا من كتابه أو كتابًا مستقلًا فهو كتاب نافع من إمام قال عنه ابن الجوزي: (هو فريد فنه، وإمام عصره، كان حسن الصورة، ظاهر المحاسن).
ومما تميز به رحمه الله الذكاء المفرط، بل بالغ بعضهم فقال: إنه أذكى العالم، لكن هذه مبالغة وإنما يُقال من أذكى العالمين.
قال شيخ الإسلام: «وكان ابن عقيل من أذكياء العالم».
وقال الذهبي: «أحد الأعلام وفرد زمانه علمًا ونقلًا وذكاء وتفننًا».
وقال في السير: «وكان يتوقد ذكاء، وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير».
هذا الذكاء إذا وُفق صاحبه للزكاة والنقاء والاستقامة على السنة كان نورًا على نور، وإن استعمله في غير فهم الكتاب والسنة والعمل بهما ضل وبَعُد وأبعد، الإمام ابن عقيل، هذا الفذ الجهبذ الذكي الفطن تعلم علم الكلام وتأثر بعلماء الكلام وتأثر ببعض آراء المعتزلة لكن الله منَّ عليه وهداه وتاب وأعلن توبته في كتاب كتبه وأشهد عليه أهل العلم، ولهذا نقول من فضل الله عليه أنه رجع وإلا فإن علم الكلام علمٌ يضل من دخله وخاض فيه ومثل الفلسفة التي قد بُلي بها بعض الطلاب اليوم، الفلسفة والمنطق وعلم الكلام لا يحتاجه أهل الإسلام، يحتاجه العلماء الراسخون أما عامة الناس يدخل مدخلًا وينزلق فيه منزلقًا خطرًا يُخشى عليه في دينه، ولهذا مما يدل على أنه رجع عن علم الكلام بعد أن تعلمه، قال رحمه الله: (أنا أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولي من طريقة أبي بكر وعمر فبئس ما رأيت).
إذن هذا هو الرجوع، ولهذا نقول: سبحان الله، العلماء الجهابذة الكبار من الصحابة والتابعين والأئمة الكبار وغيرهم ما خاضوا في هذا العلم، والذين خاضوا في هذا العلم ندموا، منهم من تاب ورجع، ومنهم من مات وتمنى أن يموت على عقيدة العجائز؛ لأنه دخل في متاهات وضلالات وصار عنده شيء من الشكوك هو في غِنًى عنها، ولهذا أبو حنيفة رحمه الله أول افتتاح حياته العلمية نهج منهج علم الكلام وتعلم ولكنه أبصـر وأدرك في البداية أن هذا ليس هو العلم الذي رغّب فيه الشارع وليس هذا هو العلم الذي يحتاجه لا هو ولا الأمة، فانكب على علم الفقه حتى أصبح من الجهابذة العلماء ومن الأئمة الذين يُتبعون.
هذا الكتاب ذكرنا أنه من كتب ابن عقيل وأن العلماء نقلوا منه ورجعوا إليه كابن مفلح رحمه الله، ذكر في هذا الكتاب ثلاثة وعشرين فصلًا مختصرًا، أحيانًا يذكر دليلًا وأحيانًا يذكر بالمعنى وأحيانًا يعلل.
هذا الكتاب يتعلق و يتعرض لأدب وخلق كان الأولون من زمن النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة رضي الله عنهم إلى يومنا الحاضر يعتنون به عناية فائقة حتى إن الخلفاء من بنى العباس ومن بعدهم إلى يومنا الحاضر ممن يهتم بفلذات الأكباد يحرص على وجود مربي لأولاده، غير المعلم وإنما المربي الذي يأخذ منه الطلاب والصغار السمت والخلق والأدب أكثر من العلم، واليوم ما أحوجنا إلى التربية مع التعليم وما أحوجنا إلى أن يكون الذي يتولى تدريس أبنائنا فيه سمتٌ حسنٌ وأدبٌ جمٌ وتخلقٌ بأخلاق القرآن، هذا المعنى قد يغيب على بعض الناس ويحسب أن العلم عن كثرة الطلب، حينئذٍ نقول بئس ما فعلت، كانوا يحرصون على العلم مع الأدب، كان الصحابة في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم إذا حضروا كأن على رؤوسهم الطير لا يتكلمون، كان يحضر مجلس الإمام أحمد رحمه الله آلاف مؤلفة، يقول من كتب عن هذه المجالس إن أكثر الحاضرين يستفيدون من سمت الإمام وخلقه وأدبه وحسن عرضه وتأدبه أكثر من العلم الذي جاؤوا يطلبونه، وهذا معنًى عظيم فإن الأدب قبل الطلب، إذا كنا نقول للطلاب الأدب قبل الطلب فإننا نقول كذلك نقول لعامة المسلمين احرصوا على الأدب.
قال هنا: (فصول الآداب والأخلاق المشـروعة)، الآداب جمع أدب كأخفاف وخفٌ، والأدب هو (استعمال الخلق الجميل) كما قال العلامة ابن القيم أو (استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا) كما قال ابن حجر، ولا تناقض بين هذه المعاني كلها، وأما مكارم الأخلاق؛ فالأخلاق جمع خلق وهو هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر، وبعضهم قال: اسم لطبيعة الإنسان وسجيته التي طُبع عليها.
هل هذه الأخلاق مما جُبل عليه الناس أو مما يُكتسب أو هما معًا؟ نقول: نعم، هما معًا.
فبعض الناس جُبل على أحسن الأخلاق ومكارمها من الشجاعة، والكرم، والحلم، والصدق، والله جل شأنه هذَّبه ورباه هكذا، وهذا فضل ومنحة ولهذا الاشج لما أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «إنَّ فيك خَصلتيْنِ يُحبُّهُما الله: الحِلمُ والأَناةُ، قال يا رسولَ اللهِ: أنا أتخلَّقُ بهما أمِ اللهُ جَبَلَني عليهما؟ قال: بلِ اللهُ جَبَلَك عليهما، قال: الحمدُ للهِ الذي جَبَلَني على خَلَّتيْنِ يُحبُّهُما اللهُ ورسولُهُ»[7].
لكن نقول قد يكون الإنسان عنده طباع سيئة وأخلاق رديئة، فهل يستسلم لها؟ نقول: لا، فالأخلاق كما أنها توهب تكتسب، ولهذا نقول: اجتهد في تهذيب أخلاقك وطباعك وتأدب بآداب الشرع وجاهد نفسك، والذي يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّما العِلمُ بالتَّعلُّمِ، والحِلمُ بالتحلُّم»[8] وقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله وطلب منه وصية قال: «لا تَغضَب، فأعاد عليه حتى أعاد عليه مرارًا وكلُّ ذلِك يقولُ لا تغضَبْ»[9]، هل معنى هذا أنه لا يكون هناك غضب؟ لا، هو يقول لا تنفذ ما يمليه عليك غضبك بل جاهد نفسك على الهدوء وسكينة النفس، وطنها على التحمل، هذا معنى لا تغضب وإلا فإن الغضب قد يكون جِبلي، قد يقول الإنسان أنا طبعي هكذا لكن هل تستسلم لهذا الطبع؟ بل نقول: الأنبياء والمرسلون والكتب التي أنزلها الله، إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليهذب طباع الناس، أولًا: في ترك الشرك وعبادة الله التي لأجلها خلق الخلق ثم الالتزام بتعليمات الشرع في عباداتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم وآدابهم، فلا يحتج أحد بأن هذا طبعي أو أن هذه الخصلة عندي ورثتها عن آبائي وأجدادي بل جاهد نفسك أن تكسب الخلق، وإذا كان الله يقول لنبيه المصطفى ورسوله المجتبى {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: ١٥٩]، فما بالك بعامة الناس، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم معه وحيٌ يؤيد والذين معه يعلمون صدقه وأنه رسول مصطفى ومع ذلك يأمره الله بلين الجانب لأصحابه ومن معه ويخبره أنه لو كان فظًا غليظ القلب لانفضوا؛ إذن أنا وأنت والثاني والثالث من الدعاة، من طلاب العلم، من الآباء، من الأخوة الكبار، إذا كنا نغلظ على الناس وننفرهم ثق تمام الثقة أنهم لن يستجيبوا ومن استجاب فهم الأقل، بل عندنا في الكتاب العزيز أن الله جل شأنه لما بعث نبيه موسى وجعل معه وزيرًا من أهله هو هارون وأرسله إلى أكفر أهل الأرض من ادعى الألوهية والربوبية يقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: ٢٤]، ويقول: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: ٣٨]، ومع ذلك يقول الله لنبيه موسى ولأخيه هارون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} [طه: ٤٤]، فدل على عظم شأن الأدب وأنه يحسن بالمسلم أن يتأدب وأن يجاهد نفسه على كسب الأخلاق وأن يهذب طبعه.
ومما يعين على ذلك الدعاء، فيدعو الله أن يُحسن خُلقه كما حسّن خَلقه، ولهذا قالوا إن الخُلق هو الصورة الباطنية والخِلقة هي الصورة الظاهرية، الإنسان يفرح أن تكون هيئته حسنة وجميلٌ في المظهر، نقول: حسّن أخلاقك، اجتهد في أن يكون طبعك ومخبرك أحسن من مظهرك، وإن أخلاقك تجذب الآخرين وتفتح قلوبهم لسماع ما تقول وإلا فإنهم سيعرضون عنك حتى وإن كانوا أولادك من صلبك فضلًا عن عامة الناس؛ فإن النفوس جُبلت على الإصغاء والقرب والدنو والحب والإذعان لما يقوله من يحبونه وإذا قال لهم كلامًا حقًا وهو لم يقله ولم يقدمه في قالب حسن فإنهم ينفرون منه ويهربون ولا يستمعون وهو يقول في الأخير ما يسمعون النصيحة، نقول: هل أنت قدمتها في أحسن قالب؟ إذا قدمتها في أحسن قالب فإن الله جل شأنه يعين، إذن الدعاء بأن يُحسن الله خُلقك، لو أننا كلما رأينا وجوهنا وصورنا في المرآة قلنا اللهم كما حسنت خَلقنا حسن خُلقنا، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، ومن الفسوق والعصيان الأخلاق السيئة والطباع الرديئة.
كذلك القراءة في كتب الأخلاق وفي سير الصالحين أصحاب الأخلاق الحميدة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، كذلك ترويض النفس وتعويدها وتنشئتها، ومن الأخطاء أن الإنسان إذا مر عليه أربعين أو خمسين سنة يقول ليتني أستطيع أن أتخلق بالأخلاق الحميدة، نقول له تستطيع إذا بدأت بجد واجتهاد {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: ٦٩]، جاهد نفسك، عوّد نفسك، ابدأ مراحل، مرحلةً مرحلة، عوّد نفسك اليوم أن تمسك أعصابك وتهذب طباعك وغدًا تزيد حتى تصل بإذن الله تعالى إلى بر الأمان وإلى الأخلاق الحسنة.
أسأل ربي بمنه وفضله وكرمه وجوده أن يوفقنا لحسن الأخلاق والآداب، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، وأن يجعلنا للمتقين إمامًا وأن يرزقنا ذرية صالحة متربية على آداب القرآن وآداب السنة المطهرة.
وفق الله الجميع لما يحب ويرضى وأخذ بنواصينا إلى البر والتقوى وبالله التوفيق وصلى الله وسلم وبارك وأكرم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
¯¯¯
