مقاصد عيادة المريض
ما الغرض الأعظم من الزيارة؟ نقول: الغرض الأعظم من الزيارة كما جاء، تفقد أحواله، السؤال عنه، ولهذا ينبغي أن يسأل عنه، كيف تجدك؟ كيف حالك؟ أخبارك؟ ويسأله عن تحسن حالته، وينبغي أن ينفس له في أجله لا سيما في الأمراض التي يُقال عنها مستعصية فإنه قد يكون قد يئس وضاقت عليه نفسه بما رحُبت لا سيما مع شدة المرض وربما مع بعض الكلام الذي قد يسمعه من الممرضين أو الأطباء، فينبغي لهذا العائد أن يكون وجه خير وأن ينفس له، وأن يقول أنت بخير وقد أصيب بهذا المرض خلائق لا يحصيهم إلا الله وتحسنت أحوالهم وشُفوا وخرجوا للحياة أحسن ما كان ونحو ذلك مما يدخل السرور على قلبه ويخفف مصابه لا العكس؛ فإن بعض الناس عيادته بؤسٌ على المريض، يذكر له أن هذا المرض قد أصيب به خلقٌ فماتوا وأنه صعبٌ وأنه عسيرٌ وأن السلامة منه قليلة، نقول: سبحان الله، هلّا نفست عنه، جاء في الحديث: «إذا عدتم مريضًا فنفسوا له في أجله»[1] أنت تقول كلامًا إيجابيًا فيه تفاؤل وإدخال سرورٍ على قلبه وإلا لا تعوده، إذا كانت عيادتك تعود عليه بالندم والحزن، إذا خرجت منه يعيش ألمًا ويتقطع حسرات؛ لأن في نفسه ما في نفسه ثم جئت فزدت عليه لا شك أن هذا خلاف المقصود الأعظم من الزيارة وهو تفقد أحواله والسؤال عنه.
كما أن من أهداف هذه الزيارة، الدعاء للمريض ولهذا ينبغي أن يأتي عند رأسه وأن يقول له طهورٌ لا بأس، لا بأس عليك طهورٌ إن شاء الله وأن يقرأ عليه إن آنس منه موافقة ورغبة، وقد يكون بعض المرضى يتمنى من يقرأ لكنه لا يريد أن يطلب فيعرض عليه الرقية ويقرأ عليه، وهذا من المصالح العظيمة فإن لم يرقيه فلا أقل من أن يدعو له، وقد جاء في السنة أحاديث كثيرة وأدعية مشهورة في الدعاء للمريض، فينبغي أن يقرأ عليه ما تيسـر كالفاتحة فإنها شفاء، ولهذا في حديث أبي سعيد رضي الله عنه لم يزد على الفاتحة في القراءة على اللديغ فقام كأنما نشط من عقال ولما أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم ، قال: وما يدريك أنها رقية[2]، فهي أعظم سورة في القرآن وهي الشفاء وكذلك آية الكرسي وخواتيم البقرة: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة: ٢٨٥] وسورة الإخلاص والمعوذتين، والدعاء: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك ويكررها سبعًا؛ فإنه جاء في الحديث أنه ما من مسلم يدعو للمريض بهذا الدعاء إلا شُفي إلا أن يكون قد حضر أجله[3]، كما ينبغي له أن يبين له ما يجهله من أحكام الطهارة والصلاة؛ فإن بعض المرضى قد يكون عنده جهل وربما جهل مفرط وإن كان بحمد الله قد خفّ هذا، لكن لا يزال فئامٌ من الناس إذا مرض واشتد مرضه ونوّم في المستشفى يترك الصلاة بزعم أنه إذا خرج قضى وربما لم يخرج ومع ذلك حتى لو خرج، لا يجوز لمن كان عقله معه أن يؤخر الصلاة حتى يخرج، يقول: كيف أصلي وأنا ما أستطيع أن أصل دورة المياه ولا أستطيع الوضوء وليس عندي أحدٌ يقرب لي الماء أو ثيابي فيها نجاسة أو سريري فيه شيءٌ من النجاسة أو سريري لغير القبلة أو غير ذلك من الأعذار، نقول: كل هذه الأعذار لا تبيح له تأخير الصلاة حتى يخرج من المستشفى بل يُبين له أن الصلاة تجب حالًا، إلا أنه يجوز له الجمع، إذا كان آداء كل صلاة في وقتها فيه مشقة وحرج فإنه يجمع بين الظهرين أي الظهر والعصر ويجمع بين المغرب والعشاء، وإن كان علاجه في بلدٍ غير بلده بأن كان مسافرًا، فله قصر الرباعية والجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وإن كان منومًا في بلده فإنه لا قصر إذ القصر ليس له سبب إلا السفر فيجمع بدون قصـر، كذلك ينبغي أن يذكره بما ينبغي أن يكون عليه من الإحسان ورفع الظلم إن كان ثمة مظالم وردها إلى أصحابها لكن لا يكون قوله له بذلك إشعارًا بدنو الأجل وإنما من باب الإحسان والله يحب المحسنين، وأن هذا من أعظم أسباب الشفاء، فإذا كان الإنسان عنده مظلمة لأحد ردها إليه وكذلك كتب ما له وما عليه لكن ينبغي أن يكون ذلك برفقٍ لئلا يقع فيما نبهنا عليه سابقًا من تيئيسه أو إخباره بأسلوب مباشرٍ أو غير مباشرٍ بدنو أجله؛ فإن هذا ليس من مقاصد عيادة المريض البتة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه الترمذي (2087)، وابن ماجه (1438)بلفظ: «إذا دخلتُم على المريضِ فنفِّسوا لَهُ في أجلِهِ»، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الترمذي (2087)، والسلسلة الضعيفة (184).
[2] أخرجه البخاري (2276)، ومسلم (2201)، وأبو داود (3418)، والترمذي (2063)، والنسائي في السنن الكبرى (10868)، وابن ماجه (2156) بنحوه، وأحمد (11472) بلفظ: «بعَثَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ بَعثًا، فكُنتُ فيهم، فأَتَيْنا على قَريَةٍ، فاسْتَطعَمْنا أهْلَها، فأبَوْا أنْ يُطعِمونا شَيْئًا، فجاءَنا رَجُلٌ من أهْلِ القَريَةِ، فقال: يا مَعشَرَ العَرَبِ، فيكم رَجُلٌ يَرْقي؟ فقال أبو سَعيدٍ: قُلتُ: وما ذاك؟ قال: مَلِكُ القَريَةِ يَموتُ، قال: فانطَلَقْنا معه فرَقَيْتُه بفاتحةِ الكِتابِ، فرَدَّدتُها عليه مِرارًا، فعُوفيَ، فبَعَثَ إلينا بطَعامٍ، وبغَنَمٍ تُساقُ، فقال أصْحابي: لم يَعهَدْ إلينا النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ في هذا بشَيءٍ، لا نَأخُذُ منه شَيْئًا حتى نَأْتيَ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ، فسُقْنا الغَنَمَ حتَّى أَتَيْنا النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ، فحَدَّثْناهُ، فقال: كُلْ وأَطعِمْنا معك، وما يُدريكَ أنَّها رُقْيةٌ؟ قال: قُلتُ: أُلْقيَ في رُوعي».
[3] أخرجه أبو داود (3106) باختلاف يسير، والترمذي (2083)، والنسائي في السنن الكبرى (10887)، وأحمد (2137) بلفظ: «ما من عبدٍ مسلمٍ يعودُ مريضًا لم يحضُرْ أجلُه فيقولُ سبعَ مراتٍ: أسألُ اللهَ العظيمَ ربَّ العرشِ العظيمِ أن يشفيَك إلَّا عوفيَ» والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي (2083).
