مسائل تتعلق بالتعزية
التعزية بمعنى التقوية أي تقوية أهله لتحمل هذه المصيبة، والموت مصيبة بل سماه ربنا {فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} [المائدة: ١٠٦]، فالموت أعظم المصائب الدنيوية على الإنسان، مع مصيبة الدين أعظم المصائب لكن في مصائب الدنيا لا شك أن الموت من أعظم المصائب، ولهذا ينبغي تخفيف هذا المصاب على أهل الإسلام وذلك بتعزية أي تقوية أهله لتحمل المصيبة والدعاء لهم والدعاء لميتهم.
متى يُعزى؟ هل تكون التعزية قبل الدفن أو بعده؟ نقول: الأمر واسع، ولا يُنكر على من عزّى قبل الدفن بل نقول: من حين ما يصلك موت فلانٍ لك أن تُعزيه إن وجدت أهله، صليت معهم في المسجد، اتصلت بهم، أرسلت لهم رسالة، نقول: الأمر في ذلك واسعٌ، يُعزى قبل الدفن وبعده.
من الذي يُعزى؟ يُعزى المصاب، من تأثر بالميت وحزن عليه ولو لم يكن من أهل الميت، وربما وجدت بعض الناس متأثرًا حزينًا وليس من قرابته لكن بينهم صداقة وأخوة في الله وزمالة وصحبة أو جوار فيُعزى مثل ما يُعزى القريب بل كلما كان تأثره به أكثر كان أحق بالتعزية.
هل للتعزية حدٌ محدود بمدةٍ معينةٍ؟ نقول: ليس كذلك، خلافًا لما يفهمه العوام إذا مضت ثلاثة أيام قالوا: انتهت التعزية، نقول: من قال لكم هذا! من حدد لكم ثلاثة أيام! نقول: التعزية مرتبطة بالتأثر، فمتى كان متأثرًا فيُعزى ولو بعد ثلاثة أيامٍ أو أسبوع لا سيما من كان غائبًا فحضر، نقول: انظر لصاحبك إن كان لا يزال التأثر عليه ولم ينس ميته ولا زال حزينًا كئيبًا فسله وخفف مصابه، وأما إذا سلى فلا تُعزه وإنما ادعُ له وادعُ لميته، بعض الناس ما دام الناس في العزاء ثلاثة أيام، الناس عنده المصاب عليه خفيف يسمع المواعظ ويسمع التسلية ويسمع الثناء على ميته إن كان من أهل الخير والصلاح ويُرجى له الخير فتطيب نفسه وتخف مصيبته لكن بعد ذهاب الناس تتجدد أحزانه ويتذكر ميته، إن كان قد فقده من البيت كأبٍ أو أمٍ أو قريبٍ ونحوه تتجدد أحزانه، نقول: هذا أجدر بالتعزية بل ربما تكون تعزيته أو تسليته أو المرور عليه والجلوس معه أحوج ربما الثلاثة أيام الناس كلهم يأتون لكن إذا قلت الناس عنده وبدأ الحزن عليه انفرد به شيطانه وأشغله بدل الدعاء حزنًا عميقًا وبكاءً مرًا وتذكرًا للمواجع، نقول: ينبغي حينئذٍ أن يُغزى.
صفة التعزية وصيغتها، أحسن ما ورد تعزية النبي صلى الله عليه وسلم لابنته في ولدها، حيث أرسلت إحدى بناته رضي الله عنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم تخبره أن ابنًا لها مات، فقال صلى الله عليه وسلم: مرها فلتصبر ولتحتسب فإن لله ما أخذ وله ما أعطى -وفي رواية: ما أبقى- وكل شيءٍ عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب [1] وله أن يُعزي بما تعود الناس أن يعزون به، أحسن الله عزاءكم وجبر مصابكم وربط على قلوبكم وغفر لميتكم، والأمر في ذلك واسع لكن من أراد أن يُعزي بتعزية النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فليحرص عليها وأن يضمنها تعزيته ثم يدعو للميت بما أحب وبما شاء، ويدعو لأهله بالصبر والسلوان ويذكر لهم شيئًا مما ورد في فضل الصبر والاحتساب وكذلك ما ورد في فقد الولد إن كان الميت ولدًا وأنهم إذا حمدوا الله واسترجعوا بنى الله لهم بيتًا في الجنة وسماه بيت الحمد[2] إلى غير ذلك، حتى الصغير يُعزى فيه ويُصبر أهله ويُدعى أن يكون فرطًا، قالوا: والفرط هو من يقدم المسافرين يهيئ لهم المكان، ولهذا نحن إذا صلينا على الصغير نقول: اللهم اجعله فرطًا، يعني اجعله سابقًا لأهله يهيئ لهم مكانًا في الجنة، هذا معنى الفرط، فتدعو الله لهذا الصغير أن يكون فرطًا لوالديه، جاء في حديث عزى فيه النبي صلى الله عليه وسلم من مات له صغير أو من مات لها صغير، قال: ألا ترضين ألا تأتين بابًا من أبواب الجنة إلا وجدتيه ينتظرك[3].
الجلوس للتعزية، ما حكمه؟ نقول: ثمة جلوسٌ بدعيٌ منكر، وهو ما يتخذ فيه الناس من السرادقات ويجلبون من القراء وينفقون من أموال عظيمة من مال الميت، أولًا: في الإعلان في الصحف ثم في استئجار هذه السرادقات وجلب اللحوم والطبخ والنفقة على أهل العزاء من ماله، وقد يكون ورثته صغار قُصر، فلا يحل لهم التصرف في مال التركة لكن لو كان هذا المال من مالهم هم، نقول: يجوز عند بعض أهل العلم لكن بدون هذه السرادقات وبدون البدع وبدون القراء لكن لا ينبغي التوسع في هذا، فمن أهل العلم من شدد فيه ومنعه منعًا باتًا واحتج بحديث جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه: «كُنَّا نَعُدُّ الاجتماعَ إلى أهْلِ المَيِّتِ وصَنْعةِ الطَّعامِ بعدَ دَفْنِه من النِّياحةِ»[4] [هذا حديث صحيح]، ولهذا ينبغي ألا يفتح المسلم بيته للعزاء لكن أيضًا لا يُغلقه غلقًا تامًا فلا يقبل أجد يجيه يعزي، نقول: إذا صليت في المسجد عزوك الناس، عزوك في المسجد قبل الصلاة، عزوك في المقبرة لكن جاء أحد لم يبغله الخبر إلا بعد وجاء لبيتك ما ينبغي أن تتوارى عن الناس، لا تفتحه وتُعطل عملك ولا تمنع من جاء يُعزي فإن الناس قد يشق عليهم، قد لا يتيسر لهم أن يصلوا معك أو يُعزوا أو يحضروا الجنازة في المقبرة فإذا جاء يُعزي، وقد أحسن الناس صنعًا هذه الأيام حينما قصـروا التعزية غالبًا في المسجد وفي المقبرة، لكن نقول: قد لا يتيسر للناس ذلك كله، وأحسن من هذا أن يُخصص وقت قصير للعزاء كما بين العصر والعشاء لا يكون فيه غداءٌ ولا عشاء فيسلم من الاجتماع الطويل وتعطيل الأعمال؛ لأن الناس توسعوا في التعطيل حتى أصبح الموظف والطالب يغيب عن عمله بحجة أنهم يستقبلون المعزين من الصباح الباكر وأصبح هذا العزاء بدل أن يكون تخفيفًا مشقة على أهل الميت، من الصباح الباكر وهم يستقبلون المعزين حتى آخر الليل، حتى ربما أهل الميت القريبين منه ما يستطيعون أحيانًا أن يجلسوا مع أهلهم، مع أمهم إن كان الميت أبوهم، مع أخواتهم ما يجلسون؛ لأن الناس دهموهم رجالًا ونساءً، من الصباح والناس أفواج تأتي، فإذا حُدد وقتٌ مختصرٌ كما بين العصر إلى العشاء أو المغرب إلى العشاء أو العصـر إلى المغرب، نقول: هذا الوقت لا بأس به لأن الناس لا يتيسر لهم كلهم أن يأتوا للمقبرة ولا للصلاة، النساء ليس لهن أن يحضرن المقابر وقد لا يتيسر لهن أيضًا الصلاة وربما كانت معذورة، فتأتي لأهل الميت وتعزيهم.
قد يأتي لهذا العزاء أهل الميت وقرابته الذين هم في خارج البلد ولا تطيب نفوسهم أن يرجعوا وهو قد قطعوا سفرًا، يرون أن جلوسهم فيه تسلية وتقوية وتصبير لأمهم، لأخواتهم، لإخوانهم، فنقول: هؤلاء لا حرج ولو صنع لهم أهلهم وقرابتهم طعامًا لا حرج، قد قال صلى الله عليه وسلم: «اصنَعوا لآلِ جعفرَ طعامًا، فقد جاءهم ما يشغِلُهم»[5] فلو صنع بعض الأقارب أو الجيران طعامًا لهؤلاء الذين قدموا وجلسوا لظروف حالت بينهم وبين الرجوع كون السفر أو كونهم يرون جلوسهم فيه تطييبًا وتخفيفًا للمصاب على أمهم ونحو ذلك فلا حرج، إذن الأمر في هذا ينبغي أن يُقيد بهذه القيود فلا يتوسع الناس في وضع السرادقات وجلب القراء؛ فإن هذا بدعةٌ منكرةٌ ولا أيضًا يبالغون في صنع الطعام حتى تُمد الموائد ظهرًا وليلًا وربما ما يُؤكل إلا القليل ولا يُحسنون التصرف في الباقي ويلزم على الناس كأنها عزيمة بأن كل من حضر العزاء ينتظر الغداء إن كان وقت غداء وينتظر العشاء، نقول: ليس هذا بمشـروع، المشروع أنه يُصنع لأهل الميت طعامًا، أهل الميت، أهل البيت، ومن جاء للعزاء وهو بعيدٌ ليس من أهل البلد، الذي من أهل البلد ينبغي إذا عزى أن ينصرف كما هو فعل أهل العلم من الكبار ممن أدركناهم، يعزون ويمشون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري (6602)، ومسلم (923)عن أسامة بن زيد رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قال: «كُنْتُ عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ إذْ جَاءَهُ رَسولُ إحْدَى بَنَاتِهِ، وعِنْدَهُ سَعْدٌ وأُبَيُّ بنُ كَعْبٍ ومُعَاذٌ، أنَّ ابْنَهَا يَجُودُ بنَفْسِهِ، فَبَعَثَ إلَيْهَا: لِلَّهِ ما أخَذَ ولِلَّهِ ما أعْطَى، كُلٌّ بأَجَلٍ، فَلْتَصْبِرْ ولْتَحْتَسِبْ».
[2] أخرجه الترمذي (1021) عن أبي موسى الأشعري رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بلفظ: «إذا مات ولدُ العبدِ قال اللهُ تعالى لملائكتِه: قبضتُم ولدَ عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجَع، فيقولُ اللهُ تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنَّةِ، وسمُّوه بيتَ الحمدِ»، والحديث أخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه (2948)، وحسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب (3491).
[3] أخرجه النسائي (1870)، وأحمد (15595) عن قرة بن إياس المزني رَضِيَ اللهُ عَنْهُ «أنَّ رجُلًا كان يأتي النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ ومعه ابنٌ له، فقال له النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: أتُحِبُّه؟ فقال: يا رسولَ اللهِ، أَحَبَّك اللهُ كما أُحِبُّه، ففَقَدَه النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ، فقال ما فعَلَ ابنُ فُلانٍ؟ قالوا: يا رسولَ اللهِ، مات، فقال النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ لأبيه: أمَا تُحِبُّ ألَّا تأتيَ بابًا مِن أبوابِ الجَنَّةِ إلَّا وجَدْتَه يَنتظِرُك؟ فقال رجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، ألَهُ خاصَّةً أمْ لِكُلِّنا؟ قال: بل لِكُلِّكم»، والحديث صحح إسناده شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند (15595).
[4] أخرجه الشوكاني وصحح إسناده في السيل الجرار (1/372)، وأيضًا صحح إسناده أحمد شاكر في تخريج المسند (11/126).
[5] أخرجه أبو داود (3132)، والترمذي (998)، وابن ماجه (1610)، والحديث حسنه لغيره الألباني في التعليقات الرضية (1/482).
