عناية الإسلام بالحيوان
هذه الشريعة الكاملة التي أنزلها رب السماوات والأراضين الذي خلق النفس وهو أعلم بما يُصلحها بينت لنا كل شيء حتى هذه الحيوانات والحشرات، ما الذي يجوز قتله مطلقًا من الفواسق اللاتي يُقتلن في الحل والحرم، وفي الحيوانات التي لا تُقتل كالنملة والنحلة والصُـرد والضفدع كما تقدم إلا ما آذى من حشرات ونحوه، وبينت لنا كيف نقتل البهيمة أو نذبحها وأننا نسلك مسلك الإحسان «إنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلةَ وإذا ذبحتُم فأحسِنوا الذِّبحةَ وليُحدَّ أحدُكم شفرتَهُ وليُرِح ذبيحتَه»[1] حتى في حال الذبح والنحر أمرنا بالإحسان في حد الشفرة وفي إراحة الذبيحة، ونُهينا أن نذبح الشاة أو البهيمة أمام أختها، كل ذلك إحسان وكل ذلك مما جاءت به الشريعة، ولهذا نقول: هذه الشريعة الربانية سبقت جميع الدساتير والقوانين التي وضعها الناس اليوم وأصبحوا يتغنون بها وواقعهم مخالف للحقيقة، جمعيات تُنشأ لحقوق الحيوان ورعاية الحيوان والاهتمام بالحيوان في الوقت نفسه يُذبح الإنسان ويُهدر دمه ويُقتل قتلًا عظيمًا في حوادث بشعة من صنع الآدميين، ونعني بالآدميين هنا الكفار فهم أهل الكفر وهم أهل الضلال وهم الذين يجرأون ويتجرأون على قتل البشرية والإنسانية سواءً بهذه الحروب التي يصنعون أسلحتها المدمرة ويفتعلونها أو حتى بهذه الأوبئة التي يُقال إنها من صنعهم، وعلى كلٍ نقول: هؤلاء الذين يزعمون زورًا وبهتانًا أنهم رُحماء بالحيوان، نقول: هلّا رحمتم الإنسان! الذي هو أعظم عند الله من كل شيء، وقتله أعظم الذنوب وأخطرها عند الله، وزوال الدنيا بأسرها أهون عند الله من إراقة دمٍ مسلم، والكعبة عند الله أهون وأيسر من دم المسلم، ومع ذلك كم يُذبح من أهل الإسلام اليوم في مشارق الأرض ومغاربها من أدعياء العدالة والحرية وأدعياء الرفق بالحيوان، نقول: سبحان الله، هذا الدين الخاتم هو الذي دعى إلى الرفق بالحيوان وقبله الإنسان، وقد مر بنا وسمعنا أحاديث عظيمة في الجناية العُظمى، في أن يُدخل النار أحد بسبب حبس بهيمة «دَخَلَتِ امرأةٌ النارَ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها ، فلا هي أَطْعَمَتْها ، ولا هي تَرَكَتْها تأكلُ من خَشَاشِ الأرضِ»[2]، أدخلها الله رب العالمين العدل الكريم البر الرحيم، أدخلها النار لأنها جنت على هذه البهيمة فحبستها لا أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض، وبغيٌ زانية غفر الله وادخلها الجنة بسبب أنها سقت كلبًا، شربت في يومٍ شديد الحر، في شدة حر، فلما صعدت وجدت كلبًا يلهث من العطش فنزعت موقها وجعلت فيه شيئًا من الماء فأسقته فغفر الله لها[3]، هذا هو الدين العظيم الذي يجمع ولا يُفرق والذي يُراعي الإنسان أعظم موجودات هذا الكون كما يهتم بهذا الحيوان، وأما من يدعي زورًا وبهتانًا أنه يرعى الحيوان ويؤسس جمعيات لرعاية الحيوان ويتشدق بهذا في الوقت الذي يذبح فيه الإنسان فلا شك أن هذا هُراء وكذبٌ وافتراء وضحكٌ على الذقون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه مسلم (1955)، وأبو داود (2815)، والترمذي (1409)، وابن ماجه (3170).
[2] أخرجه البخاري (3318)، ومسلم (2242) بنحوه.
[3] أخرجه مسلم (2245) بهذا المعنى عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بلفظ: «بيْنَما كَلْبٌ يُطِيفُ برَكِيَّةٍ قدْ كادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِن بَغايا بَنِي إسْرائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَها، فاسْتَقَتْ له به، فَسَقَتْهُ إيَّاهُ، فَغُفِرَ لها بهِ».
