حكم الأكل والشرب قائمًا
(وَلَا يُكْرَهُ الأَكْلُ والشُّرْبُ قَائِمًا) هذا مما اختلف فيه العلماء فذهب إلى جوازه بلا كراهة المؤلف ابن عقيل رحمه الله وأبو يعلى من الحنابلة وابن مفلح واستدلوا بنصوصٍ صحيحةٍ ثابتةٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل قائمًا كما ثبت أن عليًا رضي الله عنه دعى بماء زمزم فشرب وهو قائمٌ وقال: إن ناسًا يكرهون أن يشرب أحدهم وهو قائمٌ وإني صنعت ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم [1] [الحديث رواه البخاري] إذن عليٌ رضي الله عنه شرب قائمًا وأخبر أنه إنما شرب قائمًا لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم شرب قائمًا وأراد أن يرد على من يكره الشرب قائمًا كما احتجوا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سَقَيْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن زَمْزَمَ فَشَرِبَ وَهو قَائِمٌ»[2] [الحديث رواه الإمام مسلم] وذهب إلى منع الشرب قائمًا آخرون، منهم من قالوا إن الشرب قائمًا حرام، ومنهم من قال إنه على سبيل الكراهة وأدلتهم واحدة لكن منهم من حملها على التحليل ومنهم من حملها على الكراهة، استدلوا بأحاديث النهي عن الشرب قائمًا وأمر من شرب قائمًا أن يستقي، فعن أنس رضي الله عنه: «أن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَشْـرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا»[3] [رواه الإمام مسلم] والخطاب للرجل والمرأة على حدٍ سواء وإنما ذُكر لأنه الغالب، وفي رواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ عَنِ الشُّـرْبِ قَائِمًا»[4] [رواه الإمام مسلم] وورد من شرب قائمًا فليستقئ[5].
إذن عندنا أحاديث تثبت شرب النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا وأحاديث ينهى فيها صلى الله عليه وسلم عن الشرب قائمًا ويزجر عن ذلك بل ويأمر من نسي فشرب أن يستقئ، كيف يُجمع بين هذه الأحاديث والأصل الجمع وهو أولى من الترجيح؟ نقول: الجمع ممكن وسائغ ميسور وهو أن تُحمل أحاديث النهي على الكراهة عند عدم الحاجة وأحاديث شربه صلى الله عليه وسلم قائمًا على بيان الجواز إذا دعت الحاجة وأدنى حاجة تبيح ذلك، إذن الراجح أن تُحمل أحاديث النهى على كراهة التنزيه ويُحمل شربه صلى الله عليه وسلم على بيان الجواز ولا يوصف فعله صلى الله عليه وسلم بالكراهة، قال النووي رحمه الله بعد أن أورد الأحاديث التي فيها النهي والأحاديث التي فيها أنه صلى الله عليه وسلم شرب قائمًا، قال: ليس في هذه الأحاديث بحمد الله إشكال ولا فيها ضعف بل كلها صحيحة والصواب فيها أن النهي محمولٌ على كراهة التنزيه، وأما شربه قائمًا فبيان للجواز فلا إشكال ولا تعارض، وهذا الذي ذكرناه يتعين المصير إليه وهو كما قال رحمه الله، فالسنة للمسلم أن يأكل ويشرب جالسًا وإذا دعت الحاجة فلا بأس بالأكل والشرب قائمًا، وإلى هذا الجمع ذهب أيضًا ابن حجر رحمه الله بالجمع بين النصوص، ونظم رحمه الله هذا الاختيار في بيتين، يقول فيهما:
إِذَا رُمــْتَ تَشــْرَبُ فَاقْعُدْ تَفُزْ |
| بِسُنَّةِ صَفْوَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ |
وَقَدْ صَحَّحُوا شُرْبَهُ قَائِمًا |
| وَلَكِنَّهُ لِبَيَانِ الجَوَازِ |
إذن ابن حجر رحمه الله يقول مبينًا اختياره هذا في بيتين: إِذَا رُمْتَ تَشْـرَبُ يعني إذا أردت أن تشرب فَاقْعُدْ تَفُزْ بِسُنَّةِ صَفْوَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ صلوات ربي وسلامه عليه وَقَدْ صَحَّحُوا أي أهل العلم شُرْبَهُ قَائِمًا وَلَكِنَّهُ لِبَيَانِ الجَوَازِ.
هل الأكل كالشرب؟ من أهل العلم من قال هو مثله بل جاء عن قتادة أنه قال: هو شر وأنكى، قالوا: إنه إذا نُهي عن الشرب قائمًا فالأكل مثله، ومن أهل العلم من قال: بل الأكل يختلف عن الشرب، أولًا: لم يرد فيه نهيٌ، ثانيًا: قالوا إن الحكم والعلة من النهي عن الشـرب قائمًا لئلا ينزل الشراب بقوة إلى المعدة؛ لأن ذلك يسبب مرضًا وربما سبب قرحة وربما آذى المعدة والجوف وهذا كلامهم أي الأطباء قديمًا وحديثًا في أن الإنسان لا يشـرب الماء جرعة واحدة، قالوا: فإذا كان قائمًا فشرب فإن الماء ينزل بسرعة، ولهذا كان من السنة أن يشـرب جالسًا وأن يتنفس خارج الإناء ثلاثًا بمعنى أن الماء يصل إلى الجوف جرعات ودفعات، قالوا: والأكل ليس كذلك، فإن الأكل يمر بمرحلة مضغ ثم ينزل تدريجيًا ومن ثم فلا يشمله النهي ولا يُقال إنه أقبح ولا أشر ولا أشد من النهي، غاية من يمكن أن يُقال إنه كالشـرب ومر أن الشرب مكروه بدون حاجة وأنه إذا دعت الحاجة جاز بلا كراهة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري (5615) بلفظ: «أتَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ علَى بَابِ الرَّحَبَةِ، فَشَرِبَ قَائِمًا فَقالَ: إنَّ نَاسًا يَكْرَهُ أحَدُهُمْ أنْ يَشْرَبَ وهو قَائِمٌ، وإنِّي رَأَيْتُ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ فَعَلَ كما رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ».
[2] أخرجه البخاري (1637)، ومسلم (2027).
[3] أخرجه مسلم (2024).
[4] أخرجه مسلم (2025).
