الدرس العشرون
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
أما بعد، أيها الأخوة الأكارم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في الدرس العشرون ولعله الأخير من دروس هذه السلسلة المباركة من الآداب، في هذه الفصول؛ فصول في الآداب ومكارم الأخلاق المشروعة للإمام «أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي»، ولعلنا بإذن ربنا وعونه وتوفيقه وتسديده نعود في الدرس القادم إلى ما توقفنا عنده من كتاب الصيام من عمدة الفقه للإمام «موفق الدين ابن قدامة رحمه الله» حيث توقفنا في مثل هذه الأيام قبل عامين لما جاءت هذه الجائحة كورونا، أسأل الله أن يدفعها وأن يرفعها عن عباده المسلمين ثم بدأنا هذه الدروس في هذه الآداب في عشرين درسًا، ثم نعود بإذن الله ونكمل قبل رمضان كتاب الصيام، وبعد العيد أو بين العيدين بإذن ربنا نكمل كتاب الحج.
قال المؤلف غفر الله له ورحمه ووالديه والسامعين ووالديهم، قال: فصلٌ، وهو الفصل الحادي والعشرون.
فَصْلٌ
وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ وَاجِبٌ، سُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ بِرِّ الوَالِدَيْنِ: أَفَرْضٌ هُوَ؟ فَقَالَ: لَا أَقُوْلٌ فَرْضٌ، وَلَكِنَّهُ وَاجِبٌ، وَلَا يَجُوْزُ طَاعَتُهُمَا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوْقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى».
وقال رحمه الله:
فَصْلٌ
وَيُكْرَهُ الاتِّكَاءُ عَلَى يُسْرَى يَدَيْهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَيُكْرَهُ الجُلُوْسُ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالظِّلِّ.
وقال رحمه الله:
فَصْلٌ
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُوْلَ عِنْدَ النُّهُوْضِ مِنَ المَجْلِسِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوْبُ إِلَيْكَ، فَهِيَ كَفَّارَةُ المَجْلِسِ، وَيُكْرَهُ الجُلُوسُ فِي ظِلِّ المَنَارَةِ، وَكَنْسُ البَيْتِ بِالخِرْقَةِ، وَالشُّرْبُ مِنْ ثُلَمَةِ الإِنَاءِ.
أما الفصل الأول من هذه الفصول العظيمة فهو فصل عظيم مهم غاية الأهمية لتعلقه بأعظم الواجبات وأفضلها وآكدها بعد عبادة رب العالمين جل شأنه وتقدس اسمه، ذلكم بر الوالدين، وهما الأب والأم.
قول المؤلف رحمه الله: (فَصْلٌ، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ وَاجِبٌ) هذا باتفاق أهل العلم، قد دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، ولو لم يرد في الكتاب والسنة أمرٌ به لكان هو مقتـضى المروءة ورد الجميل، فكيف ونصوص الكتاب طافحة كثيرة متظافرة في الأمر به والحث عليه وإيجابه وبيان أنه من أوجب الواجبات وألزم الطاعات، ووصف ضده وهو العقوق بأنه من أعظم الظلم والجور وأكبر الكبائر بعد الشرك بالله، أما قوله رحمه الله: (سُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ بِرِّ الوَالِدَيْنِ: أَفَرْضٌ هُوَ؟ فَقَالَ: لَا أَقُوْلٌ فَرْضٌ، وَلَكِنَّهُ وَاجِبٌ) نقول: هذا من ورعه في العبارات، أعني الإمام أحمد وإلا فلا فرق على الصحيح بين الفرض والواجب كما هو مذهب الجماهير من المالكية والشافعية والحنابلة، وأما الحنفية فيفرقون، فيقولون: إن الفرض ما ثبت في الأدلة القطعية في الكتاب، والواجب ما ثبت في السنة، وهذا لا ينطبق على ما نحن بصدده؛ فإن بر الوالدين قد دلت عليه الأدلة العظيمة في أدلة الكتاب والسنة، إذن قوله رحمه الله: (سُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ بِرِّ الوَالِدَيْنِ: أَفَرْضٌ هُوَ؟ فَقَالَ: لَا أَقُوْلٌ فَرْضٌ، وَلَكِنَّهُ وَاجِبٌ) نقول: هذا مبنيٌ على رواية عند الحنابلة رحمهم الله يوافقون فيها الحنفية في التفريق بين الفرض والواجب وأن الفرض آكد من الواجب وأن ما لزم بالقرآن فهو فرض وما لزم بالسنة واجب، والقول الثاني: أن الفرض والواجب بمعنًى واحد وهذا يستقيم ويتأكد في هذا الباب على وجه الخصوص، أن بر الوالدين فرضٌ لازمٌ متحتمٌ، ويشكل على التفريق الذي ذكروه بر الوالدين فإنه منصوص عليه في الكتاب والسنة، نقل ابن مفلح عن الميموني أنه قال: قلت لأبي عبدالله أي الإمام أحمد: كان الشافعي يقول بر الوالدين فرضٌ؟ قال: لا أدري، قلت: فمالك؟ قال: لا أدري، قلت: فتعلم أحدًا قال فرضٌ؟ قال: لا أعلمه، قلت: ما تقول أنت فرض؟ قال: فرض هكذا ولكن أقول واجبٌ ما لم يكن معصية، إذن نقول هو فرض متحتم دلت أدلة الكتاب والسنة والإجماع، وقد أمر ربنا جل شأنه به وأمر بالإحسان إليهما -أي الوالدين- بكل نوع من أنواع البر، «سُئل صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ عن أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللهِ؟ قالَ: الصَّلَاةُ علَى وقْتِهَا قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: برُّ الوَالِدَيْنِ قالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ»[1] [الحديث متفقٌ عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه]، هذا الحديث مصدّر في باب البر؛ لأنه صريحٌ في تفضيله على سائر الطاعات والقُربات حتى الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام والذي تشرئب إليه نفوس أهل الإيمان، نقول: بر الوالدين أوجب وآكد وألزم إلا أن يكون الجهاد فرض عينٍ فإنه حينئذٍ مقدم، وأما جهاد الطلب وجهاد فرض الكفاية فإن بر الوالدين آكد منه وألزم، وسيأتي مزيد بيان لهذا من السنة المطهرة، والله جل شأنه قرن بر الوالدين بالأمر بأعظم الأوامر وهو عبادته {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْـرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: ٣٦]، وقال جل شأنه: {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: ١]، وأعظم الرحم صلةً الوالدين، فإن كلما ورد في الكتاب والسنة في صلة الأرحام يدخل فيه دخولًا أوليًا بر الوالدين فهو آكده وأعظمه، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} [الرعد: ٢١]، وقد أمر جل شأنه بوصل الوالدين وبرهما والإحسان إليهما، وقال جل شأنه: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا} [العنكبوت: ٨]، وقال جل شأنه وتقدس اسمه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23-24]، وقال جل شأنه وتقدس اسمه: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} [لقمان: ١٤]، إذن تأمل قرن الله جل شأنه وتقدس اسمه الأمر بعبادته وهي أعظم مأمور وما خلق الخلق من جن وإنس إلا لهذا الأمر وهو عبادته ومع ذلك قرنها وقرن بر الوالدين بها، ولما نهى عن الشرك قرنه بالعقوق كما جاء في الكتاب والسنة، وأمر بشكره جل شأنه وتقدس اسمه وشكر الوالدين، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يَجزي وَلَدٌ والِدَه؛ إلَّا أنْ يَجِدَه مَملوكًا، فيَشتَريَه فيُعتِقَه»[2]، هذا الوحيد الذي يمكن أن يجازي ويكافئ والده، أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه، هذا الآن معدوم ولا يتحقق هذا السبب، ولهذا مهما عملت من بر وإحسان وبالغت في ذلك أي مبالغة فإنه والله وتالله وبالله لا تجازيه ولا تكافيه، ولهذا لما رأى ابن عمر رضي الله عنهما رجلًا قدم بأمه يحملها على ظهره من اليمن، يمشي على قدميه من اليمن إلى مكة ثم يطوف بها ويسعى ويتنقل في المشاعر ولا يتذمر ولا يتضايق لكن لما رأى ابن عمر أراد أن يسأله هذا السؤال، فقال: أتراني قد أديت حقها، قال: لا والله ولا بطلقة من طلقاتها، الطلقة: الزفرة التي تخرج من المرأة عند ولادتها، يقول ابن عمر، ومن هو ابن عمر رضي الله عنهما: والله ولا طلقة من طلقاتها، يعني لا يمكن هذا الجهد العظيم الذي قل من يفعله، أن يحمل أمه من أقصى الدنيا، من أقصى الجنوب إلى مكة على ظهره ويطوف بها ويسعى ويمشي بها بين المشاعر ومع ذلك يقول: ولا طلقه لكنك عملت خيرًا والله يجزيك عليه خيرًا، ولهذا نقول: مهما بالغ العبد ومهما فتح الله عليه ومهما وفقه وسدده ويسر له سُبل البر فإنه لا يكافي والده، لا يكافيه لكن يدرك شيئًا من الفضل والبر والإحسان ولهذا جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مَن أَحَقُّ النَّاسِ بحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قالَ: أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أَبُوكَ»[3] [الحديث متفق عليه]، وهذا يدل على أن حق الأم في البر والإحسان والصلة أضعاف حق الأب، والصحابة هنا بمعنى الصحبة، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أنْفُ، قيلَ: مَنْ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: مَن أدْرَكَ أبَوَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ -أحَدَهُما أوْ كِلَيْهِما- فَلَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ»[4] [الحديث رواه مسلم]، هذا مغبون، هذا خاسر، هذا محروم، أدرك بابًا من أبواب الجنة فلم يدخله، عاش عنده أبواه كبيران وماتا وهما عنه غير راضيين، هذا بئس الرجل وبئس المرأة وبئس الفرد، محرومٌ غاية الحرمان، ولهذا دعى عليه صلى الله عليه وسلم بالرغام، أن يلصق أنفه في التراب، وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: «أَقْبَلَ رَجُلٌ إلى نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقالَ: أُبَايِعُكَ علَى الهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، أَبْتَغِي الأجْرَ مِنَ اللهِ، قالَ: فَهلْ مِن وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا، قالَ: فَتَبْتَغِي الأجْرَ مِنَ اللهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَارْجِعْ إلى وَالِدَيْكَ فأحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا»[5]، هذا هو الدين العظيم، ولهذا من يزهد في بر أبويه وتشـرئب نفسه للجهاد فيخرج بلا إذن والديه، نقول: آثم عاصي عاق وربما حُبس عن دخول الجنة وإن مات شهيدًا كما جاء في تفسير أهل الأعراف أنهم الذين خرجوا للجهاد بدون إذن والديهم فحالت الشهادة دون دخولهم النار وحال خروجهم بدون إذن والديهم من دخول الجنة، فهم محبوسون على الأعراف حتى يقضي الله فيهم أمرًا كان مفعولًا، وقيل: بل هو عام في كل من استوت حسناتهم مع سيئاتهم، وإذا كان هذا قد جاد بنفسه وذهب للجهاد ونال الشهادة ومع ذلك يُحبس عن الجنة بسبب هذا، فهذا دليلٌ على عِظم شأن بر الوالدين، وفي رواية لهما: «جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَأْذَنَهُ في الجِهَادِ، فَقَالَ: أحَيٌّ والِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِما فَجَاهِدْ»[6] إذن أعظم الجهاد بر الوالدين والإحسان إليهما، والوالدان برهما وما ورد فيهما شأن عظيم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فبرهما من أجل الطاعات وأعظم القربات وأوجب الواجبات، وهو الإحسان والإكرام والإفضال وفعل الجميل {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: ٢٣] إحسانًا: لفظٌ يشمل كل معروف من قول وفعل وصلة، وفي قوله جل شأنه: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ} [العنكبوت: ٨] تأملوا، لم يوصي ربنا جل شأنه الوالدين بأولادهم، تأملوا النصوص في الكتاب والسنة تجدوا الوصية بالوالدين، وذلك أن الأصل في الأب الشفقة والحنو والرحمة والإحسان، ولهذا ما يحتاج أن يوصَى لكن هذا الابن الذي يحتاج إلى توصية، وكذلك قوله: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله، في حديث ابن مسعود عن أحب الأعمال، قال بعد الصلاة على وقتها: بر الوالدين، وتقديمه لبر الوالدين على الجهاد، كل ذلك دليلٌ على عِظم شأن بر الوالدين بل جاء في النص الصحيح الصـريح أن «رِضا الرَّبِّ في رِضا الوالِدِ، وسَخَطُ الرَّبِّ في سَخَطِ الوالِدِ»[7] [رواه الترمذي بسندٍ صحيح] بل جاء أن الوالد ويشمل الأم والأب على حد سواء «أوسطُ أبوابِ الجنَّةِ، فإنَّ شئتَ فأضِع ذلك البابَ أو احفَظْه»[8] [رواه الترمذي]، وجاء «فالزَمها –أي قدم الوالدة– فإنَّ الجنَّةَ تحتَ رِجلَيها»[9]، فبر الوالدين عظيم الشأن وهو من أعظم أسباب كفارة الذنوب وذلك أنه جاء لابن عمر رضي الله عنهما رجل سأله، وجاء مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم: «أن رجلًا جاء يسأل يقول: اقترفت ذنبًا فما كفارته؟ فقال له ابن عمر: ألك أمٌ؟ قال: لا، قال: ألك خالة؟ قال: نعم، قال: فصلها»[10]، وجاء مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنهم لم يظهر لهم ما يُكفر هذا الذنب الكبير مثل بر الوالدين والإحسان إليهما، ولما كانت الخالة بمنزلة الأم ذكرها عقب ذلك، كما أن بر الوالدين سببٌ لإجابة الدعاء بل دعاء الوالدين لا يُرد كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن وذكر منهن: دعوة الوالد»[11] وما أكثر ما نرشد آباءنا وإخواننا الكبار أن يسلطوا هذا الدعاء في الإحسان والهداية والتوفيق والتسديد للأولاد وأن يكون دعاءً إيجابيًا لكنهم أحيانًا يفرقون ويرون من العقوق والتقصير والتفريط ما يجعلهم يخرجون عن طورهم فيدعون فتُستجاب دعوتهم، إذن بر الوالدين من أسباب إجابة الدعاء، إن دعى الولد أُجيبت دعوته، ولهذا تذكرون قصة أهل الغار الذين انطبقت عليهم الغار ولم يجدوا مخرجًا ولا محيصًا ولا فرجًا إلا بتذكر أحسن أعمالهم وأخلصها، فقال أولهم: إنه كان له أبوان لا يغبق قبلهما أحد أنه نأي به البحث عن العشب والرعي فتأخر فنام أبواه، فجاء باللبن ولم يُرد أن يغبق قبلهما أحد ووجد صبيته يتضاغون، يبكون، يصيحون لكن عنده عهدٌ بينه وبين ربه أنه لا يُسقي بهذا اللبن أحدٌ قبل أبويه فانتظر حتى أصبح الصبح، فقام فأغبقهما وأعطاهما قبل أولاده، وهذا وإن لم يكن واجبًا عليه لكنه علم الله صدقه وإحسانه وبره فأكرمه وفرّج عنه وعن من معه تفريجًا لا يستطيعون الخروج منه حتى ذكر غيره ما فعل من عمل صالح[12]، فبر الوالدين سببٌ في إجابة الدعاء من الابن نفسه ومن والده، فإنه إذا أحسن وبر ووصل دعا له أبوه، كما أن عقوقهما من أعظم الكبائر كما في حديث أبي بكرة في الصحيحين: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ ثَلَاثًا، قالوا: بَلَى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: الإشْرَاكُ باللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ -وَجَلَسَ وَكانَ مُتَّكِئًا فَقالَ –أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، قالَ: فَما زَالَ يُكَرِّرُهَا حتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ»[13]، فدل ذلك كله، والنصوص في هذا الباب كثيرة لا يمكن أن نحصرها على عِظم شأن بر الوالدين وعِظم شأن وخطورة عقوقهما، من بر الوالدين في حياتهما الإحسان إليهما بالقول والفعل والمعروف، ومن ذلك الرفق بهما لا سيما إذا كبرا ورقت عظامهما واحدودب ظهرهما وأصبحا ربما لا يميزان حينئذٍ يأتي البر العظيم والإحسان الكبير، ولهذا ندب الله الأولاد إلى البر والإحسان في هذه الحال أكثر من ذي قبل، فيرفق بهما ويحنو عليهما ويشفق مهما غضبا ومهما رفعا الصوت ومهما تكلما فإنه يقابل ذلك بالإحسان واللطف والأدب معهما في القول والعمل، وكذلك النفقة عليهما إذا كانا محتاجين وهو مستطيع ولا يليق أن يحوجهما إلى سؤاله وطلبه فإن هذا ليس من البر، البر أن تبتدأهما وأن تنفق عليهما وأن تتصدق عنهما وأن تهديهما وأن تُحسن إليهما وأن تُحسن إلى أولادهما وإلى قرابتهما فإن ذلك من أعظم أنواع البر، حينما يرى الأب أو الأم أن ابنه الذي تفضل الله عليه بشيء من المال يواسي إخوته ويواسي المحتاج من قرابته لا شك أنه يفرح بذلك ويُسر ويرى امتداد عمله، ولهذا من أقبح العقوق أن يشتكي الابن أباه في ماله وما كان الناس يتوقعون ذلك لكن اليوم في المحاكم قضايا كثيرة بين آباء وأبناء، أي عقوق وصل إليه هذا الابن الذي يقاضي أباه لا سيما إذا كان ممن وسع الله عليه وأبوه ممن ضُيق عليه، فإن هذا ليس من البر في شيء بل إن هذا عقوق عظيم، ولهذا لما شكى رجل أباه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن أبي يجتاح مالي، طلب النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأب، وجاء ونزل على النبي صلى الله عليه وسلم جبرائيل وأخبره أن الأب المكلوم قال أبياتًا في نفسه، فلما حضر سأله صلى الله عليه وسلم عن هذه الأبيات التي قالها وهو في حرقة وألم من هذا الابن الذي غذاه صغيرًا ولما بلغ السن الذي يُرتجى صار حقه العقوق والتقصير حتى وصل إلى أن يشكيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ماله، فقال صلى الله عليه وسلم: أنت ومالك لأبيك، ليس المال بل أنت ومالك لأبيك[14]، إلا أن هذا كما يذكره أهل العلم ويبينونه أن يكون بالمعروف فلا يأخذ الأب كل مال ولده ولا يأخذ الصنعة التي يصنعها أو الأداة التي يحتاجها ولا يأخذ من ماله ويعطي بقية أخوته فإن الواجب على الأب العدل في أمواله هو، فكيف يأخذ من مال بعضهم ويعطي بعض، اللهم إلا أن يكون إعطاؤه من باب النفقة.
كذلك من البر مخاطبتهما بالكلام اللين وعدم رفع الصوت وبالأسلوب الحسن والكلام الطيب وذلك أن الله نهى عن أقل ما يمكن أن يصدر من الابن من الضجر والتأفف {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: ٢٣] ولو علم الله شيئًا يمكن أن يُقال غير هذا لذكره فلما نهى عن قول أف عُلم من هذا قطعًا أن ما هو أعظم من أف محرم من باب أولى، وقد وصل الحد ببعض الأبناء العققة الجهلة المجرمين أن يرفع صوته وربما يده، وهذا لا شك أنه منتهى العقوق نسأل الله السلامة والعافية.
كما أن من بر الوالدين السمع لهما والطاعة ما لم يأمرا بمعصية، والسمع لهما والطاعة مقيد بهذا، ومتى يكون أمر الوالد واجبًا على الابن؟ قال أهل العلم: إذا كان فيه مصلحة للأب أو الأم ولا مضرة فيه على الابن، أما إذا لم يكن فيه مصلحة أو كان فيه مضرة على الابن فإنه لا تجب الطاعة، وأقرب مثال لهذا ما يكثر أحيانًا من النزاع بين الأم وزوجة الابن وربما الأب وزوجة الابن فربما أمراه بالطلاق، فيقول: هل يجب علي طاعتهما؟ نقول: لا، لا يجب عليك طاعتهما لكن يجب عليك الإحسان إليهما وصلتهما وإكرامهما وإن كانت الزوجة قد قصرت في حقهما فتؤدب وتُربى وتُنبه إلى الاعتذار ونحو ذلك، لكن لا يجب على الولد تطليق زوجته إذا طلب أبوه أو أمه الطلاق ولم يكن فيها بأس، لم تكن مقصرة في دين ولا خلق ولا متهمة بتهمة في عرضها ونحو ذلك، نقول: هذا لا يجب عليه طاعة، وقد جاء للإمام أحمد رجل يسأله، فقال: إن أبي يريدني أن أُطلق زوجتي، قال: لا تطعه، فذكر له حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو أنه أمر ابن عمر أن يُطيع عمر لما طلب منه تطليق زوجته، فقال: هل أبوك مثل عمر؟ إذن عمر رضي الله عنه لا يمكن أن يأمر عبدالله بن عمر أن يُطلق زوجته إلا وقد رأى فيها ما يُخالف الشرع وما لا تستقيم معه الحياة الزوجية، لكن بعض الآباء وبعض الأمهات قد يطلب الطلاق لأتفه سبب، ولهذا نقول: لا يجب عليه شرعًا لكن يجب أيضًا أن يهتم بعلاج الأمر ومعالجته ومدارسته والاهتمام به، وأما الطلاق بدون سبب فإن هذا وإن كان تحقيقًا لرغبة الأبوين فإن فيه ظلمًا للمرأة وهدمًا للأسرة وتشتيتًا لها، لكن لو أن الشاب خطب من أسرة فأبى أبواه أو أحدهما الزواج منها، نقول: هنا يتحتم عليه الكف والامتناع؛ لأنه لا زال في السعة وكيف يقدم على الزواج من فتاة والداه أو أحدهما لا يرضيان بذلك.
كما أن بر الوالدين لا ينتهي بموتهما بل يستمر، وقد سُئل صلى الله عليه وسلم عن ذلك، «هل بقِيَ من برِّ أبويَّ شيءٌ أَبرُّهما به بعد وفاتِهما؟ فقال: نعم، الصلاةُ عليهما -ويدخل في ذلك الصلاة عليهما بعد الموت، صلاة الجنازة- والاستغفارُ لهما -نقول: الصلاة، يدخل فيها الصلاة على الميت والدعاء؛ فإن الصلاة دعاء، وكذلك الاستغفار لهما- وإنفاذُ عهدِهما من بعدهما -وذلك في تنفيذ الوصية سواءً كانت في المال أو في غيره- وصلةُ الرحمِ التي لا توصلُ إلا بهما -القرابة الذين من طرف الأبوين، الأعمام وأبناء العمومة، والأخوال والخالات، كل أولئك من قرابة الأبوين يصلهما- وإكرامُ صديقِهما -يعني إذا كانت صلة الرحم للأقارب والأرحام متأكدة فكذلك القرابة-»[15] أبصر ابن عمر رضي الله عنهما أعرابيًا وهو على حمارٍ في الطريق إلى مكة وكان على ابن عمر رضي الله عنهما عمامة، فنزل من الحمار ورفع العمامة وأعطاها هذا الأعرابي مع الحمار، فقيل له يا أبا عبدالرحمن: إن هؤلاء الأعراب يكفيهم اليسير، قال: إن أبا هذا كان صديقًا لعمر، إن أبا هذا الرجل كان صديقًا لأبي[16]، فلاحظ كيف وصل صديق أبيه، فمن باب أولى صلة قرابة أبيك المباشرين وأصحابه وأصدقاءه والسؤال عنهم والتحري والزيارة، كما أن من أهم ما يصل الأب والوالد والوالدة بعد موتهما الدعاء، فإن الميت إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر منهما ولدٌ صالح يدعو له[17]، وهذا من فضل الله وكرمه وجوده وإحسانه أن وسع الدائرة، ولو قال يصلي عنه أو يحج عنه أو يضحي عنه أو يبني عنه مسجدًا أو نحو ذلك لم يقدر عليه كل أحد، لكنه علقه على أمر يقدره كل أحد وهو الدعاء، فيُخلص الولد لوالديه في الدعاء ولا ينساهما ولا يكون حظه منهما الدعاء عند الموت كما يحصل من المعزين بل يذكرهما في كل وقت وحين.
قال رحمه الله: (وَلَا يَجُوْزُ طَاعَتُهُمَا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، لِقَوْلِه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوْقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى»[18]) وطاعة البشر كل البشر سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيدة بالطاعة، «إنَّما الطَّاعةُ في المَعروفِ»[19] فطاعة ولاة الأمر وطاعة الأبوين وطاعة الزوجة لزوجها، كل طاعة سوى طاعة الله ورسوله فهي مقيدة بالمعروف، فلو أمر الوالد ولده بمعصية فلا طاعة له، بل لو نهاه عن طاعة ولم يكن في هذا النهي مصلحة للأب ولا مضرة على الولد فإنه لا يُطاع، مثل لو قال له: لا تحضر الدروس العلمية وهو لا يحتاجه، أو قال: لا تصوم التطوع أو قال: لا تحج تطوعًا وهو لا يحتاجه فإنه لا يجب عليه طاعته.
قال رحمه الله: (فَصْلٌ، وَيُكْرَهُ الاتِّكَاءُ عَلَى يُسْرَى يَدَيْهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ) ورد الكلام على الاتكاء عند الكلام على آداب الأكل والشرب وأنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا آكُلُ متَّكئًا»[20] لكن هنا جاء الاتكاء على اليسرى، فهل هذا عام؟ نقول: الصحيح أنه نهيٌ على وجه الكراهة في حال الصلاة، كما جاء عن ابن عمر وفسّره أنه قعدة المغضوب عليهم -أي اليهود- وأما ما جاء في حديث الشريد بن سويد قال: «مرّ بي رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا جالسٌ هكذا وقد وضعتُ يدِي اليُسرى خلفَ ظهري واتّكأتُ على إلْيةِ يديّ -وهي ما تحت الإبهام- فقال: أتقعُدُ قعدَةَ المغضوبِ عليهِم»[21] [الحديث رواه الإمام أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد، وسكت عنه الذهبي، وفيه ابن جريج وهو مدلس]، فالصحيح أن هذا الحديث لا يصح، لكن جاء عن ابن عمر بسندٍ أصح منه موقوفًا عليه أنه رأى رجلًا يتكئ على يسـراه وهو يصلي، فقال: إن هذه جلسة المغضوب عليهم[22].
قال رحمه الله: (وَيُكْرَهُ الجُلُوْسُ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالظِّلِّ) ورد في ذلك أيضًا أحاديث، أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الجلوس بين الشمس والظل[23]، قد اختلف أهل العلم في الحكمة من هذا النهي على قولين:
قيل إن ما بين الشمس والظل مجلس الشيطان، وهذه حكمة منصوصة.
الثاني: أنها حكمة مستنبطة وأنه يُفسد المزاج أي مزاج البدن.
والراجح كراهة الجلوس بين الشمس والظل مطلقًا أي لا يجلس ابتداءً ولا يستمر إذا جلس ثم تقلص الظل بل يكون بدنه كله إما في ظلٍ أو في شمس، فإذا جلس في ظلٍ ثم قرُبت إليه الشمس أو العكس فإنه يغير مكانه ويجلس في مكان واحد كله ظلٌ أو كله شمس.
قال رحمه الله: (فَصْلٌ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُوْلَ عِنْدَ النُّهُوْضِ مِنَ المَجْلِسِ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوْبُ إِلَيْكَ، فَهِيَ كَفَّارَةُ المَجْلِسِ) هذا جاء في حديثٍ حسنٍ، ولهذا ينبغي للعبد أن يحافظ عليه وأن يواظب وأن يقوله عند قيامه من المجلس لا سيما المجالس التي يكثر فيه اللغط، لكن هذه الكفارة إنما تكون للذنوب الصغائر دون الكبائر فيما لا يتعلق بحقوق العباد، أما حقوق العباد فإنه لا بد فيها من التحلل منه، وكذلك حقوق الله إذا كانت من قبيل الكبائر لا بد فيها من توبة.
ثم ختم الباب بهذه الثلاث الجمل وهي غريبة جد غريبة منه رحمه الله، إذ كان ينبغي أن يختم الفصل والباب والكتاب بهذا الفصل وهو (استحباب كفارة المجلس) فهي كفارة لما يصدر في المجلس وكان ينبغي أن يقف عندها، لكنه قال عقب ذلك: (وَيُكْرَهُ الجُلُوسُ فِي ظِلِّ المَنَارَةِ، وَكَنْسُ البَيْتِ بِالخِرْقَةِ، وَالشُّرْبُ مِنْ ثُلَمَةِ الإِنَاءِ) نقول: أما الجلوس في ظل المنارة، فإن كان المقصود أن الظل قد يزول قريبًا فيكون بعض جسمه في شمس وظل فهذا قد سبقت الإشارة إليه، فلا نحتاج إليه، (وَكَنْسُ البَيْتِ بِالخِرْقَةِ) جاء في حديثٍ باطل لا يصح، عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: «إن كنس البيت بالخرقة يورث الفقر» لكن هذا الحديث لا يصح.
بعض أهل العلم قال: إن الصوفية عندهم شأن الخرقة، وأن التلميذ المريد كما يسمونه، يرقوا أنها تستعني علاقة بينه وبين شيخه، أي المريد مع شيخه، وهذا كلام باطل ساقط، وننزه الإمام أنه يريد ذلك، إذن الخرقة المعروفة، قال: نهي عن كنس البيت، أحسن ما يمكن أن يُحمل عليه أن فيه إسراف وأنه لا تُكنس بالخرق.
قال رحمه الله: (وَالشُّرْبُ مِنْ ثُلَمَةِ الإِنَاءِ) هذا تقدمت الإشارة إليه وليس هذا موضعها ولعل الحكمة في النهي عن الشرب من ثلمة الإناء أنه لا يحسن الشرب من هذا الموضع وربما يجرحه وربما يتناثر الماء على ثيابه، وقد ينسكب الماء من هذه الجهات أكثر، أو أن هذا المكان مجمعٌ للقذر والأذى والوسخ ولهذا نُهي عنه، لكنا نقول: إن هذا الكلام وهذه الإشارات اليسيرة التي ختم بها المؤلف كتابه تقوي قول من قال من أهل العلم: إن هذا الكتاب لم يحرره ابن عقيل رحمه الله وإنما هو مجموعٌ من كتبه وإلا فإن ختم الكتاب بكفارة المجلس لا يحسن بعده أن يعود لقوله: (وَيُكْرَهُ الجُلُوسُ فِي ظِلِّ المَنَارَةِ، وَكَنْسُ البَيْتِ بِالخِرْقَةِ، وَالشُّرْبُ مِنْ ثُلَمَةِ الإِنَاءِ).
ثم ختم ذلك بقوله: (فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مِنَ الآدَابِ، وَاللهُ تَعَالَى المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ).
أسأل ربي بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يجود على الإمام أبي الوفاء ابن عقيل بالمغفرة والرحمة وأن يتغمده بواسع رحمته وان يجمعنا به وبعلمائنا ومشايخنا وبالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين ووالدينا وأولادنا وأزواجنا وأحبابنا وقرابتنا وكل من له حقٌ علينا في جنات ونهر في مقعد صدق عن مليك مقتدر.
اللهم يا حي يا قيوم، وقد ختمنا هذا الكتاب وهذه الرسالة، اللهم اختم بالشهادة آجالنا واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، اللهم اجعل أعمالنا خالصةً لوجهك، اللهم اجعلنا ممن قرأ وسمع هذا الكتاب فتأدب بما فيه من الآداب، اللهم يا حي يا قيوم ارزقنا العلم النافع والعمل الصالح واجعل ما تعلمناه حجة لنا لا حجة علينا، اللهم ارزقنا العلم النافع والعمل الصالح، اللهم بارك لنا في أوقاتنا وأعمارنا واعمرها بطاعتك ووفقنا لمرضاتك ووفقنا وسددنا وأسعدنا يا رب العالمين.
اللهم صل وسلم وبارك وأكرم على خيرة خلقك وأفضل أنبيائك ورسلك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
¯¯¯
[2] أخرجه مسلم (1510)، والترمذي (1906)، والنسائي في السنن الكبرى (4896)، وابن ماجه(3659) باختلاف يسير، وأبو داود (5137)، وأحمد (7570) واللفظ لهما.
[7] أخرجه الترمذي (1899)، والحاكم (7249) واللفظ لهما، وابن حبان (429) باختلاف يسير، والحديث حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (516).
[8] أخرجه الترمذي (1900) واللفظ له، وابن ماجه (3663)، وأحمد (27551)، والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي (1900).
[10] أخرجه أحمد (4624)، وابن حبان (435)، والحاكم (7261)عن عبدالله بن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: «أتَى رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ رَجُلٌ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أذْنَبتُ ذَنْبًا كَبيرًا، فهل لي تَوبَةٌ؟ فقال له رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: ألكَ والِدانِ؟ قال: لا، قال: فلكَ خالَةٌ؟ قال: نَعَمْ، فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: فبِرَّها إذًا» والحديث صححه الألباني في صحيح الموارد (1697).
[11] أخرجه أبو داود (1536)، والترمذي (1905)، وابن ماجه (3862)، وأحمد (7501)، والحديث حسنه الترمذي، وحسنه الألباني في صحيح (3448).
[14] أخرجه أبو داود (3530)، وأحمد (7001)، وابن ماجه (2292) عن عبدالله بن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال: «جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ فقالَ إنَّ أبي اجتاحَ مالي فقالَ أنتَ ومالُكَ لأبيكَ وقالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ إنَّ أولادَكم من أطيبِ كسبِكُم فَكلوا من أموالِهم»، والحديث صححه الألباني في صحيح ابن ماجة (1870).
[15] أخرجه أبو داود (5142) واللفظ له، وابن ماجه (3664)، وأحمد (16059)، والحديث قال عند المنذري في الترغيب والترهيب: إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما، ولكن ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (5142).
[16] أخرجه مسلم (2552) عن عبدالله بن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «أنَّهُ كانَ إذَا خَرَجَ إلى مَكَّةَ، كانَ له حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عليه إذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ، وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بهَا رَأْسَهُ، فَبيْنَا هو يَوْمًا علَى ذلكَ الحِمَارِ، إذْ مَرَّ به أَعْرَابِيٌّ، فَقالَ: أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بنِ فُلَانٍ؟ قالَ: بَلَى، فأعْطَاهُ الحِمَارَ، وَقالَ: ارْكَبْ هذا، وَالْعِمَامَةَ، قالَ: اشْدُدْ بهَا رَأْسَكَ، فَقالَ له بَعْضُ أَصْحَابِهِ: غَفَرَ اللهُ لكَ! أَعْطَيْتَ هذا الأعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عليه، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بهَا رَأْسَكَ، فَقالَ: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ يقولُ: إنَّ مِن أَبَرِّ البِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ، وإنَّ أَبَاهُ كانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ».
[17] أخرج مسلم (1631) الحديث بهذا المعنى عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قال: «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له».
[18] أخرجه البخاري (7257)، ومسلم (1840)، وأبو داود (2625)، والنسائي (4205) بنحوه مطولًا، وأحمد (1095) واللفظ له.
[21] أخرجه أبو داود (4848)، وأحمد (19454)، والحديث صحح إسناده النووي في المجموع (4/474)، وصححه الألباني في جلباب المرأة (197).
[22] أخرجه أبو داود (994) عن ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا «أنَّه رأى رَجُلًا يَتَّكئُ على يَدِه اليُسرى وهو قاعِدٌ في الصَّلاةِ -قال هارونُ بنُ زَيدٍ: ساقِطًا على شِقِّهِ الأيسَرِ، ثم اتَّفَقا- فقال له: لا تَجلِسْ هكذا؛ فإنَّ هكذا يَجلِسُ الذين يُعذَّبونَ»، والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود (994).
