الدرس العاشر
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد، أيها الأخوة الأكارم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وحياكم الله في الدرس العاشر من دروس فصولٍ في الآداب ومكارم الأخلاق المشروعـة «لأبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي» رحمه الله ووالديه ووالدينا والسامعين وعموم المسلمين.
انتهينا في الدرس الماضي إلى الفصل الثاني عشر وذكرنا طرفًا من هذا الفصل الذي يُعنى ببقية آداب الأكل والشرب، ونهي المسلم إذا أكل كراثًا أو بصلًا أو ثومًا أن يقرب المسجد وما يتعلق بذلك من مسائل.
بعد هذا قال المؤلف رحمه الله:
وَيُسْتَحَبُّ الإِجَابَةُ إِلَى وَلِيْمَةِ العُرْسِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَجِيْبَ إِلَى وَلِيْمَةِ الخِتَانِ؛ فَإِنَّهَا مُحْدَثَةٌ، وَإِذَا حَضَرَ وَلَيْمَةَ العُرْسِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الأَكْلُ، بَلْ إِنْ أَكَلَ وَإِلَّا دَعَا وَانْصَرَفَ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الإِجَابَةُ إِلَيْهَا؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيْهَا لَعِبٌ وَلَا مُنْكَرٌ وَلَا لَهْوٌ، فَإِنْ كَانَ فِيْهَا مُحَرَّمٌ حَرُمَتِ الإِجَابَةُ، وَإِنْ كَانَ فِيْهَا مَكْرُوْهٌ كُرِهَتِ الإِجَابَةُ، وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ المُرُوْءَاتِ وَالفَضَائِلِ التَسَرُّعُ إِلَى إِجَابَةِ الطَّعَامِ، وَالتَسَامُحُ بحُضُوْرُ الوَلَائِمِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ يُوْرِثُ دَنَاءَةً وَإِسْقَاطَ الهَيْبَةِ مِنْ صُدُوْرِ النَّاسِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِ عِيَادَةُ أَخِيْهِ المُسْلِمِ، وَحُضُوْرُ جَنَازَتِهِ إِذَا مَاتَ، وَتَعْزِيَةُ أَهْلِهِ، وَلَا بَأْسَ بِعِيَادَةِ الذِّمِّيِّ، فَقَدْ عَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُوْدِيًّا، وَقَالَ: «كَيْفَ تَجِدُكَ يَا يَهُوْدِي».
هذه آداب شرعية مرعية جملتها في إجابة الدعوة وبعض حقوق المسلم على أخيه المسلم، صدرها رحمه الله بقوله: (وَيُسْتَحَبُّ الإِجَابَةُ إِلَى وَلِيْمَةِ العُرْسِ) ندب الشارع وحض وحث المتزوج على الوليمة، وقال صلوات ربي وسلامه عليه: «أوْلِمْ ولو بشَاةٍ»[1] كما أمر الشارع من دُعي إلى هذه الوليمة أن يُجب، وقد اختلف أهل العلم رحمهم الله في حكم إجابة العرس على ثلاثة أقوال: القول الأول: ما ذكره المؤلف هنا وهو الاستحباب، فإن ابن عقيل رحمه الله صرّح بذلك فقال: (وَيُسْتَحَبُّ الإِجَابَةُ إِلَى وَلِيْمَةِ العُرْسِ) وهو قولٌ في مذهب الإمام الشافعي ورواية في مذهب الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أعني القول بالاستحباب، القول الثاني: الوجوب عينًا أي فرض عين، وقد حكاه ابن عبدالبر إجماعًا، لكن في حكاية الإجماع نظر فإن الخلاف قائمٌ وسابقٌ، وعبارته رحمه الله قال: (لا خلاف في وجوب الإجابة إلى من دُعي إليها وهذا قول الجمهور أعني القول بالوجوب وهو قول أبي حنيفة، ومالك في المشهور عنه، والشافعي في أظهر القولين، والإمام أحمد في أظهر الروايتين)، القول الثالث: وسط بين القولين، قالوا: إجابة الدعوة إلى وليمة العرس فرض كفاية، وهو قولٌ لبعض الشافعية وبعض الحنابلة، وظاهر السنة يدل على وجوب إجابة دعوة المسلم عمومًا ووليمة العرس خصوصًا، ففي حق المسلم على المسلم قال صلى الله عليه وسلم: «حَقُّ المسلِمِ على المسلِمِ ستٌ -وذكر منها- و إذا دَعاكَ فأجِبْهُ»[2]، وهذا عامٌ في كل دعوة وتتأكد الدعوة إلى وليمة العُرس، فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كان أوْ نَحْوَهُ»[3]، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ، فقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ»[4]، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم وهو وجوب إجابة وليمة العرس متى اجتمعت الشروط وانتفت الموانع.
المؤلف رحمه الله أشار إلى شرطٍ واحد وهو خلوها من المنكر واللعب واللهو لكن ثمة شروط أخرى لابد من إضافتها، فإذا اجتمعت هذه الشروط وانتفت الموانع وجبت الإجابة وحرُم التخلف عن إجابة دعوة العرس.
أول هذه الشروط: أن يكون الداعي مسلمًا، فإن كان الداعي غير مسلم فلا تجب إجابته، وهل تُباح أو تُسن إجابته؟ يختلف ذلك باختلاف المصلحة، فإن كان ثمة مصلحة تُرجى من إجابة دعوة غير المسلم كتأليف قلبه ودعوته للإسلام أو كف شره أجيب وإلا فلا.
الشرط الثاني: أن يكون الداعي ممن يحرُم هجره، فإن كان الداعي ممن يجب هجره وهو من كانت معصيته ببدعة، وكذلك من كانت معصيته دون البدعة كالفساق والعصاة فيُسن هجرهم إذا كان الهجر نافعًا ومثمرًا، وأما من كان هجره لسوء فهمٍ وتفاهمٍ بينه وبين أخيه المسلم فإنه لا يحل هذا الهجر إلا ثلاثة أيام فقط، إذن إذا كان الداعي ممن يجب هجرته فلا تجب إجابة دعوته.
الشرط الثالث: أن تكون الدعوة معينة للمدعو نفسه، فإذا عينه وجبت إجابة دعوته، وأما الدعوة العامة، ودعوة الجفلى فلا تجب إجابته، اليوم كثيرٌ من الناس يتوسع في الدعوة في العرس ويدعو بالمئات ويطبع من البطاقات وما يسمى بكروت الدعوات ربما المئات يزيلها بقول “الدعوة عامة” ما يعلم أن هذا التذييل يجعل هذه الدعوة غير واجبة في الأعم الأغلب إلا أن تكون هذه الدعوة من قريبٍ أو صديقٍ أو زميلٍ أو جارٍ أو نحوه، وأكدها ولم يرسلها مجرد إرسال بل اتصل أو سأل وتحرى ونبه وأكد، فهذا يدل على أنه يريدك دعوة خاصة، وأما أن يرسل هذه البطاقات وهذه الدعوات لكثير من البيوتات وربما لا يقابل أصحاب البيوت وإنما يضعها من تحت الباب ونحو ذلك، فإنا نقول: هذه دعوة الجفلى، هذه الدعوة العامة لا تجب إجابتها، فمن أراد أن تُجاب دعوته فليخص المدعو، ربما يخص لقرابة، لزمالة، لصداقة، لجوار، يخصه بمكالمة، برسالة، مع هذه البطاقة حتى يعلم المدعو أنه أراده دون غيره وأنه يفرح بمجيئه وأنه يسأل عنه لو لم يحضر، أما دعوة الناس دعوة عامة فإن هذه لا تجب وهذا تخفيف من أصحاب هذه الدعوات.
الشرط الرابع: أن تكون هذه الدعوة أول مرة؛ فإن الدعوة لوليمة العرس أول مرة واجبة الإجابة، وقد رُوي في الحديث: «الوَليمَةُ أولَ يومٍ حقٌّ والثانيَ معروفٌ والثالثَ سنة»[5]، وجاء في بعض الألفاظ: «الوَليمَةُ أولَ يومٍ حقٌّ والثانيَ سنة والثالثَ رِياءٌ وسُمعَةٌ»[6]، ذلك أن الناس كانوا يتوسعون وربما أقاموا الوليمة في ليلة العرس، وهي ما تسمى بليلة الدُخلة وأقاموا وليمة في الليلة القابلة وربما في الثالثة، فنقول: التي تجب إجابتها هي الوليمة الأولى، هي الدعوة الأولى وأما الثانية وما بعدها فلا تجب إجابتها، هل تُشرع؟ جاء في هذا الحديث أن الثالث سنة وفي الرواية الثانية أنها رياء وسمعة، ونقول: هذا يرجع إلى مقصد صاحبه، فإن كان يريد الرياء والسمعة والمفاخرة وأن يسمع القاصي والداني بعرسه وعرس ولده وأنه ما ترك أحدًا إلا دعاه، وربما كتب في الصحف وقام بهذه الدعوة وهو لا يريد إلا شهرةً وسمعةً ورياءً فإنه ينطبق عليه هذا الحديث، على أن الحديث بروايتيه فيه ضعف، لكنا نقول: قد يكون الباعث هو الرياء والسمعة، وهذا محله القلب، وقد يكون الباعث لهذا أن محله ومكانه لا يسع أصحابه وأضيافه فيقسمهم قسمين أو أن أصحابه كُثر ومتفرقين ولا يمكن أن يجتمعوا في يوم واحد، فنقول: لا حرج في هذا المقصد، وقد بوّب البخاري رحمه الله في صحيحه: باب الدعوة لوليمة العرس سبعة أيام، فدل على أن ذلك جائزٌ إذا كانت ثمة حاجة تدعو إليه أنه لم يبعث لذلك رياءٌ وسمعة.
الشرط الخامس: ألا يكون في الدعوة منكر، وقد أشار إليه رحمه الله، فإن كان في الدعوة منكرٌ كغناءٍ وطرب، استعمال آلات اللهو أو شرب خمرٍ -نسأل الله السلامة والعافية- أو تصويرٌ ونحو ذلك في أوساط النساء، فإنه حينئذٍ نقول: هل تقدر على تغيير هذا المنكر؟ قال: نعم، أقدر بإذن الله تعالى على تغييره، نقول: فيجب عليه أن يجيب الدعوة لسببين: السبب الأول: إجابة الدعوة، الثاني: تغيير المنكر، وقد يتغير المنكر بمجرد الحضور، كالعالم ومن له وجاهة في المجتمع، ربما إذا حضر أخفوا الكثير من المنكرات وأزالوها، فنقول: يتأكد في حقه أن يحضر ليجيب الدعوة ويزيل المنكر، وأما إذا كان لا يستطيع إزالة المنكر فإنه لا يجب عليه إجابة الدعوة بل لا يجوز له إجابة الدعوة إذا كان ثمة منكرٌ لا يستطيع أن يزيله ولا أن يخففه، وقد قال الله جل شأنه: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [النساء: ١٤٠]، وقال جل شأنه: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: ٦٨]، ثمة منكرات لا يطلع عليها بعض المدعوين، كأن تكون هذه المنكرات خاصة في صالة النساء، فهل يشمله هذا الحكم؟ نقول: هذا يُسقط عنه الوجوب لكن لا حرج عليه إذا حضـر، إذا كان في مكان الرجال وفي صالة الرجال لا يوجد منكر من هذه المنكرات ويوجد عند النساء منكرات لكنها خفية لا يسمعها الرجال ولا يطلع عليها، نقول: لو أجاب لا حرج وإن امتنع فلا حرج حينئذٍ، فهو مخيرٌ بين الحضور وعدمه.
الشرط السادس والأخير: أن يكون المدعو قادر على إجابة الدعوة من غير ضرر، فإن كان عليه ضرر في الحضور لم يجب عليه إجابة الدعوة، كأن يكون مريضًا، أو كانت الإجابة تتطلب سفرًا وتحتاج إليه، أو كان مشغولًا كطالب علمٍ عنده اختبار أو موظفٌ يحتاج النوم المبكر ليقوم بعمله، أو نحو ذلك من الأعذار التي تُسقط عنه فرضية الوجوب.
إذا اكتملت هذه الشروط، وجب على المسلم أن يجيب استجابةً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وإدخالًا للسرور على قلب أخيه، فإن المسلم أشد ما يكون فرحًا في هذه الليلة، ليلة العرس، وأشد ما يكون فرحًا إذا رأى أصحابه، أقاربه، زملاءه، أصدقاءه، جيرانه يحضـرون معه ويفرحون لفرحه، فإدخال السرور على المسلم مقصودٌ شرعًا، وإجابة الدعوة تحقق ذلك غالبًا.
قال رحمه الله: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَجِيْبَ إِلَى وَلِيْمَةِ الخِتَانِ؛ فَإِنَّهَا مُحْدَثَةٌ) مر بنا الختان في خصال الفطرة، بعض الناس في بعض الدول إلى اليوم إذا ختنوا صغيرهم ذكرًا أو أنثى أقاموا وليمة، فهل هذه الوليمة تُجاب؟ إجابة وليمة الختان فيها ثلاثة أقوال أيضًا: قيل سنة، وقيل مباحة، وقيل مكروهة، لم يقل أحدٌ بوجوبها وقد سار ابن عقيل رحمه الله إلى عدم حضورها، وقال: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَجِيْبَ إِلَى وَلِيْمَةِ الخِتَانِ) ما دليله؟ ما ورد عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه دُعي إلى وليمة ختان فلم يُجب، وقال: «إنَّا كنَّا لا نأتي الخِتَانَ على عهدِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا نُدْعَى له»[7] [رواه الإمام أحمد وفيه ضعف] فإنه من رواية محمد بن إسحاق وقد عنعن وهو معروفٌ بالتدليس ومن ثم نقول: هذا الحديث ضعيف لا تقوم به حُجة، أما من قال بالاستحباب فأخذ بالعمومات، بعموم «إذا دَعاكَ فأجِبْهُ»[8]، ومن لم ير الإجابة أخذ بالمخصصات وظن أن هذا الأثر صحيحٌ، والذي يظهر والله أعلم أن هذا مما يُباح حضوره، وأنه لا يُقال فيه بالاستحباب ولا بالكراهة؛ فإن هذه الدعوة من الدعوات الاجتماعية التي لم تقم على دليلٍ شرعي فيُتعبد الله بها، وإنما هي من باب مؤانسة الداعي وإدخال السـرور على قلبه، ومثلها الدعوة إذا ختم القرآن، أو الدعوة إذا تخرج أو نجح أو توظف أو قدم من سفر، نقول: كل هذه الدعوات يُباح بل يُقال بفضيلة إجابتها وإدخال السرور على من دعى فيها، قال شيخ الإسلام: وأما دعوة الختان فلم تكن الصحابة تفعله وهي مباحة، ثم من العلماء من أصحاب أحمد وغيره من كرهها ومنهم من رخص فيها بل يستحبها، والظاهر والعلم عند الله جواز حضور كل وليمة ودعوة جرت العادة بها وليست محرمةً شرعًا؛ لأن هذا من قبيل العادات لا العبادات وهذا له نظائر كثيرة كما مثلتُ، وهذه فيها إدخال سرور وتلبية دعوة، قال صلى الله عليه وسلم: «وإذا دَعاكَ فأجِبْهُ»[9].
قال رحمه الله: (وَإِذَا حَضَرَ وَلَيْمَةَ العُرْسِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الأَكْلُ، بَلْ إِنْ أَكَلَ وَإِلَّا دَعَا وَانْصَرَفَ) هذا دلت عليه السنة، إذ ليس من لازم الحضور أن يأكل لكن قد يكون الأكل مستحبًا إذا كان يدخل السرور على الداعي وقد تكلف، وقد يكون الأكل وعدمه سيان فيما إذا كان ثمة من يأكل ولا يشعر الداعي بمن أكل أو لم يأكل، وقد يكون المدعو إما صائمًا إذا كانت الدعوة في النهار وإما قد أكل قبل أن يقدم وإما لا يناسبه الأكل، كأن يكون مريضًا بالسكر أو مريضًا بالضغط وغيره فأكله خاص، فحينئذٍ الأمر واسعٌ لكن ينبغي أن يُجيب، في حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دُعِيَ أحدكُم إلى طعامٍ فليجبْ فإن شاءَ طعمَ وإن شاءَ تركَ»[10] إذن الأكل ليس بواجب وإنما الواجب كما تقدم الحضور، لكن لو ترتب على عدم الأكل مفسدة ككسر قلب الداعي وكبقاء الطعام بدون أكل كأن يكثر المعتذرون ممن لم يأتون أو أتوا واعتذروا عن الأكل، فإنه حينئذٍ يتأكد الأكل وقد قال صلى الله عليه وسلم: «دَعاكُم أخوكُم وتكلَّفَ»[11] ولما في ذلك من إضاعة المال لا سيما إذا كانت الدعوة محفوفة واعدادها قليلة وقد امتنع أو اعتذر بعضهم فلم يحضر ولم يرسل اعتذار وتكلف صاحب الدعوة، فإنه ينبغي للمسلم أن يجبر خاطر أخيه وأن يدخل السرور عليه وأن يطعم حتى لو كان صائمًا صيام تطوع وأجره على الله يفطر ويطعم ويحصل الأجر بنيته، أما إذا كان أكله وعدمه سواء فإنه لا حرج عليه حينئذٍ، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا دُعِيَ أحدُكُم فليُجِب فإن كانَ مُفطرًا فليَطعَمْ وإن كانَ صائمًا فليُصَلِّ»[12] قالوا: أي فليدع، وفهم ذلك ابن عقيل رحمه الله وذكره ولم يذكر سواه؛ فإنه رحمه الله بيّن أنه إذا دُعي أجاب وأكل وإلا دعى، لكن الحديث جاء عند مسلم بالصلاة على حقيقتها، ولهذا نقول: له أن يصلي الصلاة الشرعية المعروفة وله أن يدعو، والدعاء هنا مناسبٌ بأن يدعو له بالبركة.
قال رحمه الله: (وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الإِجَابَةُ إِلَيْهَا؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيْهَا لَعِبٌ وَلَا مُنْكَرٌ وَلَا لَهْوٌ) هذا تقدم وهو شرط من الشروط الستة عند القائلين بوجوب الإجابة، يقول: (فَإِنْ كَانَ فِيْهَا مُحَرَّمٌ حَرُمَتِ الإِجَابَةُ، وَإِنْ كَانَ فِيْهَا مَكْرُوْهٌ كُرِهَتِ الإِجَابَةُ)، إذن تقدم بيان شروط إجابة الدعوة، فالإجابة لا تكون واجبةً إلا عند اجتماع الشروط وانتفاء الموانع ومن ذلك عدم وجود المنكر أو اللهو المحرم.
قال رحمه الله: (وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ المُرُوْءَاتِ وَالفَضَائِلِ التَسَرُّعُ إِلَى إِجَابَةِ الطَّعَامِ، وَالتَسَامُحُ بحُضُوْرُ الوَلَائِمِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ يُوْرِثُ دَنَاءَةً وَإِسْقَاطَ الهَيْبَةِ مِنْ صُدُوْرِ النَّاسِ) هذا الكلام تناقله أهل العلم، تناقله ابن مفلح عن ابن عقيل بنصه، ونقله ابن دقيق العيد في شرح العمدة بنصه، وهذا يحتاج إلى تفصل، فإنه رحمه الله ذكر أنه (يُكْرَهُ لِأَهْلِ المُرُوْءَاتِ وَالفَضَائِلِ التَسَـرُّعُ إِلَى إِجَابَةِ الطَّعَامِ، وَالتَسَامُحُ بحُضُوْرُ الوَلَائِمِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ) إذن عندنا موضوعان: حضور الولائم غير الشرعية، نقول: هذا لا ينبغي لأهل العلم ولا الفضل أن يحضروا بل هذا منكر، كأن يقيم بعض الناس وليمة للمولد أو احتفالًا بمولد أحد أولادهم أو نحو ذلك من المنكرات، فإنا نقول: لا تُجاب دعوته ولا طلبته لكن هو عمم بذلك، فقال: (يُكْرَهُ لِأَهْلِ المُرُوْءَاتِ وَالفَضَائِلِ التَسَرُّعُ إِلَى إِجَابَةِ الطَّعَامِ) ثم قال: (وَالتَسَامُحُ بحُضُوْرُ الوَلَائِمِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ) ثم علل بقوله: (فَإِنَّهُ يُوْرِثُ دَنَاءَةً وَإِسْقَاطَ الهَيْبَةِ مِنْ صُدُوْرِ النَّاسِ) نقول: أما إذا كان في الولائم غير الشرعية فهو على ما قال، وأما الولائم الشرعية فإجابتها من الدين ومن حق المسلم على أخيه ولعل كلامه رحمه الله يُحمل على الولائم غير الشرعية أو إذا كثُرت عند بعض أهل العلم، يقول: إذا كثُرت حتى الولائم الشرعية لا ينبغي لطلاب العلم وأهل المروءات والفضائل أن يكونوا أول الحاضرين وأن يكونوا أول المستجيبين وأن يُروا كل يوم في هذه الصالات والمناسبات، نقول: حتى لو حصل هذا وكان هذا صاحب الفضل كلٌ يريد دعوته ويفرح الناس بمقدمه وربما أتاحوا له مع الحضور كلمة يوجه الناس بها ونحو ذلك، نقول: لا حرج، فالكراهة تحتاج إلى دليلٍ شرعي، ومن حق المسلم على أخيه أن يُجيب دعوته.
قد نقل ابن مفلح رحمه الله ذلك عن ابن عقيل، وقال ابن دقيق العيد في شرح العمدة: وفي ذلك نظر، لما أورد هذا الكلام قال: وفي ذلك نظر، ما هو النظر؟ قال الصنعاني رحمه الله في حاشيته على شرح ابن دقيق: لعل وجهة النظر أن أعلى من بلغ درجات الفضل والإجلال والتقدير والاحترام، نبينا صلى الله عليه وسلم ومع هذا كان يجيب الدعوة ويقول: «ولو دُعيت إلى كراعٍ أو ذراعٍ لأجبت»[13] هذا تنبيه دقيق من الصنعاني رحمه الله، يقول: إن هذا الكلام فيه نظر يعني الكراهة لأهل المروءة والفضل الحضور وإجابة الدعوات، يقول: في هذا نظر من حيث أن من بلغ أعلى الدرجات في الفضل والجلال والتقدير والاحترام، النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب الدعوة، ويقول: «ولو دُعيت إلى كراعٍ أو ذراعٍ لأجبت»، فالصحيح أن الولائم غير الشرعية هي التي ينبغي الترفع عن حضورها لأن في حضورها إقرارًا لها وإذا حضرها العالم وصاحب الفضل وصاحب العلم فإن الناس يقولون هذا جائز مباح، دُعي إلى حفل ميلاد فحضر، نقول: هذا منكر، كيف تحضر؟! هذا منكرٌ عظيمٌ، الدعوة في نفسها منكر، وكذلك الدعوات التي يكون فيها مثل الاحتفال بعيد رأس السنة للنصارى أو الحفلات التي يكون فيها شيءٌ من الاختلاط والتبرج والسفور، أو الدعوات التي يكون فيها الخمر يُدار على الموائد، نقول: كل هذه منكرات، فلا يحل لأهل الإسلام عامةً ولأهل الفضل والمروءة خاصة من العلماء والدعاة وطلاب العلم الحضور، أما الولائم الشرعية فإنه لا حرج في حضورها ولا يقلل من هيبة العالم ولا ينقص من قدره أن يُجيب بل يوصف بأنه شيخ عامة وأنه لا يترفع عن العامة بل يحضر مناسباتهم ويفرح لهم ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم.
بقي عندنا في هذا الفصل الكلام على عيادة المريض وحضور جنازته إذا مات وتعزية أهله، وما ألحقه رحمه الله من عيادة الذمي، فلعلنا نؤجلها إلى الدرس القادم ونسأل ربنا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى وأن يأخذ بنواصينا للبر والتقوى وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ما سمعناه وقلناه حجة لنا لا علينا إنه قريبٌ مجيبٌ ودود، وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك وأكرم وأنعم على خيرة خلقه وأفضل أنبيائه ورسله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
¯¯¯
[5] أخرجه أبو داود (3745)، وأحمد (20340)، والنسائي في السنن الكبرى (6596) بلفظ: «الوَليمَةُ أولَ يومٍ حقٌّ والثانيَ معروفٌ والثالثَ رِياءٌ وسُمعَةٌ»، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (1950).
