الجنائز وأحكامها
الجنازة بالفتح والكسر: يُقال جَنازة وجِنازة، وقيل بالفتح: اسمٌ للنعش عليه ميت، وبالكسر: اسمٌ للنعش، فيُقال: جَنازة أي ميت، وجِنازة أي نعش، قالوا: فالأعلى للأعلى، يعني المفتوح لمن كان فوق السـرير وهو الميت، والأسفل للأسفل، فالمكسور، جِنازة للأسفل وهو النعش أو السرير الذي يوضع عليه الميت، وحضور الجِنازة أو تشييع الميت من حق المسلم على أخيه، ويكون ذلك أكمل ما يكون باتباعها من مكانها، فإن كان منومًا في المستشفى فاتباعها من المستشفى للمسجد للمقبرة هذا أكمل، أو من البيت إلى المسجد إلى المقبرة، عامة المسلمين اليوم ما يعرفون أين هذا الميت قبل الصلاة عليه، هل هو في المستشفى أو في البيت، فيعمدون إلى الصلاة في المسجد ثم المقبرة، لكنا نقول: من علم لا سيما أهله وقرابته فتشييعه من محله الذي مات فيه أكمل، وقد ذهب الصنعاني رحمه الله إلى وجوب تشييع الميت وفي ذلك من الحرج ما لا يخفى إلا أن الصحيح أنه واجبٌ على الكفاية، وربما نحمل كلام الصنعاني نقول: لعله يريد الواجب الكفائي، وفي الحديث: «إذا ماتَ فاتْبَعْهُ»[1]، وقد وردت السنة بفضل تشييع الميت والصلاة عليه ودفنه، وترتيب أجرٍ عظيمٍ جدًا على من صلى عليه وحضره حتى يُدفن، «مَن صلَّى على جنازةٍ فلَهُ قيراطٌ، ومن تبعها حتَّى تُدفَنَ فلَهُ قيراطٌ»[2]، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين أصغرهما مثل أحد، قال ابن عمر رضي الله عنهما لما علم بهذا الحديث العظيم: لقد فرطنا في قراريط كثيرة، اليوم نحن علمنا ومع ذلك يفرط فئام من المسلمين في هذه القراريط بل والله إني رأيت ما يحزنني كثيرًا، في المسجد الحرام يُنادى للصلاة وبعض المسلمين إما يقوم يصلي سنة أو جالس أو يمشي، سبحان الله الذي يمشي يمكن تقول لعله يمشي ثم إذا كبروا صلى، لكن جالس والناس يصلون وربما كانت الجنائز سبع وربما عشر وله بكل جِنازة قيراط، فإذا تعددت الجنائز تعددت القراريط، وهذا من فضل الله والله واسع الفضل، فينبغي للعبد أن يحرص، وأخرون يذهبون قصدًا للمساجد التي فيها الجنائز ليصلوا عليهم، فما أسعدهم وما أعظم أجورهم إلا أن بعضهم أيضًا يقعون في خطأ إذ يتتبعون المساجد التي فيها الجنائز لا سيما يوم الجمعة من مسجدٍ إلى مسجد، هذا مر التذكير به في كتاب الجنائز وذلك أن يذهبوا للمسجد الفلاني الذي فيه جنائز من الضحى فيجدون الجنائز قد جُهزت فيصلوا عليها ثم ينطلقون للمسجد الثاني وهكذا، نقول: هذا ليس بمشروع وهذا فيه تفويت وتأخر في الذهاب للمسجد، فينبغي له أن يتحرى المسجد الذي فيه جنائز أكثر ويبكر ليصلي صلاة الجمعة ويكون من المبكرين ويصلي على الجنائز في هذا المسجد ولا يبحث عن غيره.
أمر آخر أيضًا من الملحوظات التي بلغتني يوم أمس عن أحد أصحاب الفضيلة المشايخ واتصل بي يسألني؛ لأنه يقول: رأيت ما يُستنكر فأحببت أن أستأنس بما تقول لي، قال: إني ذهبت للصلاة على ميت في المسجد ثم انطلقنا إلى المقبرة فوجدت الناس محبوسون عن دفن أمواتهم من صلحاء من الناس، وقال: إن بعضهم من أهل الفضل والخير، قال: انتظروا انتظروا، وينتظر الناس، قال: أكثر من نصف ساعة حتى يصلون عليها في المقبرة، قلت: هذا خلاف السنة حتمًا وليس لهم هذا فإن هذا تعدٍ وجناية على الميت وأهله، سبحان الله، هذا الكلام امتداد لما كان قبل رفع الحظر، كانت الصلاة على الأموات في المقابر أيام كورونا واشتدادها، اليوم أُذن للناس أن يصلوا في المساجد، فيُصلى عليها في المساجد ثم تُحضر، فإن كان القبر لم يُجهز لا بأس أن يُصلوا عليه ثلاث دقائق دقيقتان حتى يُسوى القبر وإلا فإنه إذا دُفن يصلي على القبر من شاء أما أن تحبس الجنائز، قال: والله إنه لم نصل إلا المغرب لبيوتنا لأنهم ينتظرون ثم إذا جاءت جنازة، قالوا: هذه جنائز المسجد الفلاني، تعالوا تعالوا نقول: هذا لا بأس أنهم يذكرون أن هذه جنائز ما صليتم عليها لمن لم يصلي على هذه الجنائز يأتي يصلي وهذا معروف منذ القدم في المقابر لكن الجديد الذي ينبغي إنكاره وبيان أنه خلاف السنة أن تُحبس الجنائز وقد صُلي عليها في المساجد حتى يجتمع الناس في المقبرة فيصلوا عليها، نقول: سبحان الله، من أين لكم هذا؟ من أين أتيتم به؟ ينبغي أن يرجعوا لأهل العلم الأكابر في البلد يستفتونهم، أما أن يفعلوا مثل هذا فإن هذا للبدعة أقرب وهو أقل ما يُقال خلاف السنة، يدفن ويصلي عليه من شاء على القبر وإن كان ولا بد، نقول: فترة تنزيله على الأرض في المكان الواسع الفسيح بعيدًا عن القبر لا بأس يصلي عليه الحاضرون حتى يُجهز القبر تجهيزًا يسيرًا، فقط الحاضر يصلي أما أنه تترك الجنازة حتى تأتي الجنائز الثانية، قال: أكثر من نصف ساعة ويقول: والله إني رأيت الحزن في وجوه أهل الموتى لأنهم ما لهم حيلة، ودهم يدفنون ميتهم وهؤلاء يقولون: انتظروا انتظروا، ما ينبغي هذا ولا يليق.
قال رحمه الله: (وَحُضُوْرُ جَنَازَتِهِ إِذَا مَاتَ) قلنا إن هذا واجبٌ كفائيٌ، وأن الصنعاني رحمه الله ذهب إلى وجوب تشييع الميت وهذا فيه حرج إلا أن يُحمل على الكفائي، ثم ذكرنا فضل هذه الصلاة، وتتعدد القراريط بتعدد الجنائز وينبغي لمن أراد القيراطين أن يتبع الجنازة حتى يُحصل الأجر فلا يتخلف عن متابعتها، نقول: صليت، امشي معها، سواء أمام أو قبل أو بعد لكنك لا تشتغل وتنشغل عنهم ثم تذهب فقط وقد دفنوا أو أوشكوا من الدفن حتى تُحصل المتابعة وتُحصل المشاركة في الدفن، وكذلك تقف على رأس الميت إن تيسر لك ذلك وتدعو له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «استَغْفِروا لأخيكُمْ، واسأَلوا لهُ بالتَّثبيتِ؛ فإنَّهُ الآن يُسْأَلُ»[3]، ولهذا ينبغي بعد الدفن أن يُدعى للميت وأن يجتمع من تيسر عند قبره يدعون له ويشاركون في الدفن ولو مشاركة يسيرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري (1240)، ومسلم (2162).
[2] أخرجه مسلم (946) عن ثوبان رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قال: «مَن صَلَّى على جِنازةٍ فله قيراطٌ، فإنْ شَهِدَ دَفنَها فله قيراطانِ، القيراطُ: مِثلُ أُحُدٍ».
[3] أخرجه أبو داود (3221)، والبزار (445)، والحاكم (1372)، والحديث حسّن إسناده النووي في الأذكار، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (3511).
