الأكل والشرب باليمين
الأكل باليمين مستحبٌ عند الجمهور، قالوا: لأن الأمر المتعلق بالآداب محمولٌ على الاستحباب كما قالوا ذلك في التسمية وبيّنا أن هذه القاعدة غير صحيحة، فليست كل الأوامر في الآداب مبنية على الاستحباب، وذهب جمعٌ من المحققين من أهل العلم إلى أن الأكل والشرب باليمين واجبٌ، وممن ذهب إلى ذلك ابن عبدالبر وابن حزم وابن أبي موسى وعزاه ابن علان للشافعي، وقال ابن القيم رحمه الله: إنه أحد الوجهين عن الإمام أحمد ويستدل أصحاب هذا القول بجملة من الأدلة تدل على الوجوب لا على الاستحباب، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الذي سبق، حديث عمر بن أبي سلمة: «يا غُلَامُ، سَمِّ الله، وَكُلْ بيَمِينِكَ»[1] فهذا أمر والأمر إذا جُرد دل على الوجوب، إذن هذا أمرٌ صريحٌ والأمر يفيد الوجوب، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أكَلَ أحدُكم فلْيَأكُلْ بيَمينِه، وإذا شَرِبَ فلْيَشرَبْ بيَمينِه، فإنَّ الشَّيْطانَ يَأكُلُ بشِمالِه، ويَشرَبُ بشِمالِه»[2] هذا أيضًا يؤكد الأمر وأنه على سبيل الوجوب فإن الآكل بشماله أو الشارب بشماله تارك لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ومتشبهٌ بالشيطان، ولأنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يأكل بشماله فقال: كل بيمينك، فقال: لا أستطيع ما منعه إلا الكبر، فقال صلى الله عليه وسلم: لا استطعت، قال الراوي: فما رفعها إلى فيه[3] نسأل الله السلامة والعافية، شُلت يده، لماذا؟ لأنه استكبر، يأمره النبي صلى الله عليه وسلم الهادي البشير بأمرٍ يسير، يقول: كل بيمينك ما عنفه ولا عاتبه إنما أمره وأرشده، فيقول: لا أستطيع والله يعلم أنه يستطيع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا استطعت، دعا عليه فشُلت يده فما استطاع أن يرفعها، فالواجب على المسلم أن يستجيب لأمر الله وألا يتردد إذا سمع سنةً من سنن النبي صلى الله عليه وسلم فضلًا عن الواجب ولأن الأكل بالشمال فيه تشبهٌ بالشيطان، والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النور: ٢١] والأكل بالشمال منكرٌ، هذا هو الراجح من أقوال أهل العلم وهو وجوب الأكل والشرب باليمين وتحريمه بالشمال.
من الأعذار التي يعتذر بها بعض الناس إذا رأيته يأكل أو يشرب بشماله، يقول: أخشى أن ألوث الإناء، تجده على المائدة يأكل بيمناه فإذا أراد أن يشرب شرب باليسرى، لماذا فعلت هذا يا فلان؟ لماذا شربت باليسرى؟ قال: أخشى أن ألوث الإناء، نقول: سبحان الله، كيف تلوث الإناء، هذا طعام إذا صار في الكاس، إن كان الكاس مما يُغسل فالحمد لله يزيله الماء وإن كان الكاس –وهو الغالب– مما يُستعمل استعمالًا مرةً واحدة فإنه لن يشرب فيه غيرك وكذلك قوارير الماء والعصير وما يوضع على المائدة، أنت افتحها واشربها ثم لن يشربها بعدك أحد فلا عذر في ذلك البتة وإنما هو الجهل، تترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم الواجبة لأجل ألا تُلوث، ومنه أيضًا أن يقول بعضهم إن يمناي مشغولة فيأكل باليمنى ويشرب باليسرى، هذه أيضًا علة عليلة وكثير من الناس يكون في يده من الخبزة أو ما تسمى ساندويتش وفي اليسرى عصير أو نحوه، نقول: سبحان الله، لم تشرب باليسرى؟ قال: يدي اليمنى مشغولة، نقول: هلّا أكلت باليمنى ثم وضعت الطعام وأخذت باليمنى الشراب وشربت ولم تأكل باليمين وتشرب باليسار، فإن هذا محرم ليس مكروهًا وإنما هو من المحرمات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري (5376)، ومسلم (2022).
[2] أخرجه مسلم (2020)، وأبو داود (3776)، والترمذي (1800)، والنسائي في «السنن الكبرى» (6745)، وأحمد (6333) واللفظ له.
[3] أخرجه مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع: «أنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ بشِمَالِهِ، فَقالَ: كُلْ بيَمِينِكَ، قالَ: لا أَسْتَطِيعُ، قالَ: لا اسْتَطَعْتَ، ما مَنَعَهُ إلَّا الكِبْرُ، قالَ: فَما رَفَعَهَا إلى فِيهِ».
