أحكام التصاوير
قال رحمه الله: (وَلَا يَجُوْزُ جَعْلُ الصُّوَرِ فِي الثِيَابِ، وَلَا المَفَارِشِ وَالسُّتُوْرِ، وَهُوَ مَا كَانَ عَلَى صُوْرَةِ حَيَوَانٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيْهِ صُوْرَة»[1]) الحديث رواه البخاري ومسلم، ولفظه: «لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فيه كَلْبٌ ولا تَصاوِيرُ»[2]، وقد واعد جبرائيل النبي صلى الله عليه وسلم أن يزوره فتأخر فتغير صلى الله عليه وسلم لأنه انتظر جبرائيل في هذه الزيارة، فلما تأخر وتغير صلى الله عليه وسلم قال: ما كان لله ولا رسله أن يُخلفوا وعدهم فلما رأى صلى الله عليه وسلم كلبًا صغيرًا أخرجه ورش مكانه، فجاء جبرائيل وأخبره بأنه إنما منعه من المجيء إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الكلب، قال: إنا لا ندخل بيتًا فيه كلبٌ ولا تصاوير، وما ظنكم ببيتٍ خرجت منه الملائكة، بلا شك أنه قد زالت منه البركة وحلت محلها الشياطين نسأل الله السلامة والعافية، فإن عدم دخول الملائكة وعيدٌ؛ لأن دخول الملائكة فيه الأنس والطمأنينة والخير والعون على الطاعة ويحصل بضده الوحشة والشر والتقاعس عن الطاعة، ولهذا بيوت المسلمين اليوم التي امتلأت بالتصاوير ونحو ذلك، الملائكة لا تدخلها والشياطين هي التي تحفها وتدخلها.
أي صورة؟ نقول: ثمة صور مجمعٌ على تحريمها ولينتبه لذلك؛ فإن بعض الناس يخلط في الصور خلطًا عظيمًا، أولًا: نقول: جاءت النصوص في الوعيد الشديد في التصوير وأن كل مصورٍ في النار وأنه يكلفٌ يوم القيامة بأن يُقال له أحيي ما صورت[3]، وهو ليس بقادر على ذلك، لن يستطيع أن يحيي ولا أن يبث ولا أن ينفخ روحًا في شيءٍ مما صور، وهذا من أهل العلم من سلف الأمة ومن خلفها من أخذه على الظاهر وعلى الإطلاق، فقال: كل تصوير حرام إلا ما استثني من ما دعت إليه ضرورة أو حاجة ومما يُمتهن، ومن أهل العلم من فصّل في ذلك، لكنا نقول: قبل التفصيل وقبل العرض نقول: ثمة صورٌ مجمعٌ على تحريمها.
أولها: ما يُرسم باليد، يعني إنسان فنان يرسم بيده ذوات الأرواح، نقول: هذا محرمٌ بالإجماع، سواءً آدمي أو حيوان، نقول: ما دام يصور ذوات الأرواح بيده ويرسمها فهو محرمٌ وهو مصورٌ وهو متوعدٌ بالنار وهذا محرمٌ بالإجماع.
الحالة الثانية: المجسمات، أن يصور آدميًا أو حيوانًا على شكل مجسم، وهذا للأسف موجود في بيوتات المسلمين وفي أسواقهم يُباع، دببة وكلاب وأنواع ذلك مما عمت به البلوى ولم تُبحه، يعني لا يُقال إنه عمت البلوى فجاز، نقول: هو على الأصل محرم، فالمجسم محرمٌ بالإجماع.
الحالة الثالثة: أن تُعلق الصورة، فإذا عُلقت الصورة حرُمت ولو كان في أصلها من يرى استثنائها، يعني الصور الفوتوغرافية على سبيل المثال، من أهل العلم من أباحها لكن إذا وضعنا الصورة وعلقناها على الجدار، نقول: هذه محرمة بالإجماع ولو كانت صورة فوتوغرافية؛ لأن التعليق فيه تعظيم، ولأن أول ما دخل الشـرك في قوم نوح أنهم صوروا الصالحين منهم ليتذكروهم فينشطوا في العبادة، ثم جاء الشيطان إلى جيلٍ بعدهم وقال: إنما صوروهم ليعبدوهم من دون الله فعبدوهم وهذا سبب الشرك، ولهذا نقول: التصوير باب شرٍ عظيم، فيحرم إذن أن يرسم المسلم بيده صورة آدميٍ أو حيوان أو يضعها على سبيل مجسمات أو يعلقها، ما سوى ذلك به خلافٌ لكن ينبغي للمسلم أن يتورع منه ما استطاع.
المؤلف رحمه الله لم يُفرق هنا، قال: (وَلَا يَجُوْزُ جَعْلُ الصُّوَرِ فِي الثِيَابِ) لأن الثياب تُلبس وربما في أعلى البدن، لهذا بعض النساء خاصة وبعض الشباب هداهم الله يلبس فنيلة أو ما يسمونه بلوزة فيها صورة ويصلي بها، نقول: لا تصح صلاتك، لا تصح الصلاة في ثوب فيه تصاوير ولا صلبان، وبعض النساء يلبسن مثل ذلك إما في بلوزة أو في ذهب في عنقها أو في أذنها أو في أصابعها فيه صورة فراشة أو غير ذلك من الصور، نقول: كل ذلك محرمٌ والصلاة به لا تصح، لاحظ: لا تصح مو بحرام فقط، لا الصلاة لا تصح، من صلى في ثوب فيه تصاوير لم تصح صلاته، ولهذا الحذر الحذر من لبس ما فيه صور، إذا كانت الملابس يلبسها الصغار ويمتهنونها، من أهل العلم من رخّص في ذلك لكن السلامة لا يعدلها شيء، السلامة خير وذلك أن هذه الصور تقرب الشياطين وتُبعد الملائكة كما تقدم، المؤلف يقول: (وَلَا المَفَارِشِ وَالسُّتُوْرِ) المفارش معروف أنها تُمتهن والستور كذلك، المفارش تمتهن ومثلها بعض الملابس التي يلبسها الأطفال، لكن الستور لا امتهان فيها فالستارة تُعلق فليست ممتهنة ولهذا داخلة في التحريم، أما المفارش فإن من أهل العلم من استثناها للامتهان لكنا نقول: السلامة منها جميعها هو الأسلم، قوله رحمه الله: (وَلَا المَفَارِشِ) نقول: هذا رأيه رحمه الله وجزم به والأكثر من أهل العلم على استثناء المفارش وما يُمتهن، ودليل الاستثناء حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قال: «نَصَبَتْ سِتْرًا فيه تَصَاوِيرُ–أي ستارة–، فَدَخَلَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَعَهُ، قالَتْ: فَقَطَعْتُهُ وِسَادَتَيْنِ –أي أم المؤمنين عائشة– يَرْتَفِقُ عليهمَا –أي يتكئ عليهما–»[4] [والحديث متفقٌ عليه] فاستدل بعض أهل العلم بهذا على أنه إذا كان وسادة أو فراش يُجلس عليه أنه يُتجاوز فيه، وعلى كلٍ السلامة لا يعدلها شيء، وأما رفع الصور و تعليقها في الستارة وفي الثياب فإن هذا الأصل فيه التحريم أما الصور الممتهنة فإن من أهل العلم من استثناها لحديث أم المؤمنين عائشة المتقدم، وقولها رضي الله عنها: «رأيْتُه مُتَّكِئًا على إحْداهُما، وفيها صورةٌ»[5] [رواه الإمام أحمد] أي هذا الاستثناء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري (3226)، ومسلم (2106).
[2] أخرجه البخاري (5949)، ومسلم (2106).
[3] الحديث بهذا المعنى أخرجه البخاري (7557) عن أم المؤمنين عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بلفظ: «إنَّ أصْحابَ هذِه الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَومَ القِيامَةِ، ويُقالُ لهمْ: أحْيُوا ما خَلَقْتُمْ».
[4] أخرجه البخاري (5954) بلفظ: «قَدِمَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ مِن سَفَرٍ، وقدْ سَتَرْتُ بقِرَامٍ لي علَى سَهْوَةٍ لي فِيهَا تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ هَتَكَهُ وقالَ: أشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بخَلْقِ اللَّهِ قالَتْ: فَجَعَلْنَاهُ وِسَادَةً أوْ وِسَادَتَيْنِ»، ومسلم (2107).
[5] أخرجه ابن ماجه (3653) بنحوه، وأحمد (26103) واللفظ له، والحديث صححه شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند (26103).
