كيف صان الإسلام أعراض نساء المسلمين؟
كيف صان الإسلام أعراض نساء المسلمين، ونهاهن عن التبذل والتكشف والتبرج والسفور ومخاطبة الرجال واللين في القول والخضوع له حتى السلام أدبنا ربنا جل شأنه وهو كلامٌ فيه ذكر، ومع ذلك إذا كان يجر إلى فتنة فإننا لا نبذله للمرأة، المرأة تُسلم على النساء والرجل يُسلم على الرجال، وتسليم الرجال على النساء معلقٌ بأمر الفتنة، فدل ذلك على ما هو أعظم من تكشف النساء وتبرجهن وسفورهن ومخالطتهن الرجال فإن ذلك كله محرم والنصوص تدل عليه حتى في مواقع وأماكن العبادة، قال صلى الله عليه وسلم: «خيرُ صفوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشرُّها آخرُها وشرُّ صفوفِ النِّساءِ أوَّلُها وخيرُها آخِرُها»[1] وهم في عبادة، متجهين إلى الصلاة ومع ذلك إذا تقاربت صفوف الرجال من النساء كان ذلك الشر، وخصص صلى الله عليه وسلم للنساء بابًا يدخلن منه ومنع أصحابه من الانصراف فور السلام حتى ينصرف النساء، ونهى النساء أن يحتضن الطريق وأمرهن أن يمشين في حافّات الطريق حتى إن الواحدة منهن كان تلتصق ثيابها بالجدر، وفي الصوت، لم يُبح الشارع لها أن تؤذن ولا أن تقيم ولا أن تلبي بصوت مسموع ولا أن تهلل وتكبر بصوت مسموع بل إنها إذا صلت خلف الإمام فسهى تصفق بيديها ولا تقول سبحان الله.
دينٌ صان المرأة وأبعدها عن الفتنة والريبة دينٌ عظيمٌ جعلها كالدرة المصونة بعيدة عن الرجال، ومن هذا أوجب عليها حجب جميع جسدها وحرّم عليها أن تكشف منه شيئًا قط وأعظم ذلك الوجه الذي هو مجمع المحاسن، مرّ بنا في الدرس الماضي ذكر آية القواعد وأن الله جل شأنه أباح للقواعد من النساء أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة، وهذا دليلٌ واضحٌ صريحٌ على أن الشواب ومن يشتهين ومن كن في سن الزواج ويُرغب فيهن يجب عليهن ستر جميع أبدانهن بما في ذلك الوجه -مجمع المحاسن- بل في آية النور التي أوردناها أيضًا في الدرس الماضي أمر الله عباده المؤمنين بغض أبصارهم قبل أمرهم بحفظ فروجهم ثم ثنى على النساء فأمرهن كذلك ثم بيّن من يُباح للمرأة أن تكشف له وعدّهم عدًا وفصلهم تفصيلًا، فدل على أن من سواهم لا يجوز للمرأة أن تبدي له شيئًا من زينتها، وأعظم الزينة وجهها وجميع بدنها يدخل في ذلك، كما أنه جل شأنه وتقدس اسمه قال لأمهات المؤمنين ونساء المؤمنين تبعٌ لهن: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: ٣٢] نهاها عن الخضوع في القول وهي تخاطب الرجال ربما خاطبتهم لحاجه، فصوت المرأة ليس بعورة في ذاته لكنه لا يجوز لها أن تمططه ولا أن تلينه ولا أن ترققه ولا أن تخضع فيه بالقول ولا أن تعمل كسنترالٍ تستقبل اتصالات الرجال ونحو ذلك، فإن ذلك كله من الفتنة العظيمة، فإن الله جل شأنه لفت انتباه أمهات المؤمنين وهن من هن في التقى والصلاح، ونساء المؤمنين تبعًا لهن، وقال جل شأنه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 59]، فأمر الله جل شأنه نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يأمر نساء الأمة كلهن، بدأ بزوجاته أمهات المؤمنين وبناته ونساء المؤمنين، ماذا أمرهن؟ أن يدنين عليهن من جلابيبهن، قال ابن عباس رضي الله عنه وهو من هو، حبر الأمة وترجمان القرآن، قال: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن لحاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب وأن يبدين عينًا واحدة، فدلت النصوص وهي كثيرة على وجوب حجب المرأة وجهها مجمع الزينة والفتنة، وقال جل شأنه: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: ٥٣]، وفي السنة أحاديث كثيرة تمنع من النظر للمرأة إلا أحاديث إباحة النظر للمخطوبة مما يدل على أن الأصل في المرأة أنها مستورة محجوبة، لا يطلع عليها الرجال لكن للحاجة عند الخطبة يُباح لها أن تكشف وجهها وإلا فالأصل أن الرجل ممنوع من النظر وهي ممنوعة من الكشف وإذا كشفت وجب عليه غض البصر، اصرف نظرك فإن لك الأولى وليست لك الآخرة، وقد أجمع أهل العلم واتفقت كلمتهم على أنه إذا خيفت الفتنة سواء بفساد الزمان كما يقول الفقهاء أو خاف المسلم على نفسه من النظر، حَرُم النظر وحَرُم الكشف وهذا بالإجماع والاتفاق بين المذاهب الأربعة، ليس عند المتأخرين فحسب بل جميع المتقدمين والمتأخرين من أتباع المذاهب الأربعة: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، كلهم يرون ذلك وينصون عليه ويبينون أنه يجب على النساء ستر وجوههن ويَحرُم على الرجال النظر إليهن سواءً كانت الفتنة عامة أو كانت خاصة، ما هي الفتنة الخاصة؟ هي أن ينظر الرجل إلى المرأة نظر شهوة، يتأمل ويتلذذ، هذا يحصل عند نظر الرجل إلى امرأة لا تحل له، إذا فرّق الرجل بين النظر إلى أمه وأخته وزوجته وبنته والنظر إلى الأجنبيات ومال قلبه إلى الأجنبية فهذه هي الفتنة التي يجب فيها الستر، هذه مقدمة يسيرة للربط بين الفصلين السابقين: السلام وما يتبعه، أما اليوم فإننا نأتي إلى فصول أخرى في الآداب ومكارم الأخلاق.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البزار (5194)، والطبراني (11/203) (11497)، والضياء في الأحاديث المختارة (208)، وقال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله موثوقون.
