قتل الحيَّات في البيوت وصفة إيذانها
(وَمَنْ رَأَى مِنَ الحَيَّاتِ شَيْئًا فِي مَنْزِلِهِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثًا، إِنْ بَدَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَتَلَهُ) ثم ذكر رحمه الله المستثنى من ذلك وصفة الإيذان أن يقول له: امض بسلام أو اذهب بسلام، والحيات جمع حية، والحية تطلق على الذكر والأنثى وهي أنواع، وبعضها أخطر من بعض، قول المؤلف: (فِي مَنْزِلِهِ) يدل على أن الإنذار خاص بالحيات في المنازل، وأما في البر فلا تؤذن بل تقتل مباشرة لكن هل معنى ذلك أننا نتتبعها في البراري ونقتلها، نقول: لم نؤمر بذلك لكن إذا أقبلت على أُناس قاعدين أو خافوا من ضررها وشرها قتلوها ولا يحتاج حينئذٍ إلى إيذان، ومثلها ذوات السموم من العقارب ونحوها، نص هنا على أن الإيذان إنما يكون إذا كانت في المنازل، قال: (ثَلَاثًا) هل المراد أن تؤذن ثلاث مرات أو ثلاثة أيام؟ يحتمل هذا ويحتمل هذا، قال ابن مفلح في الآداب: يُسن أن يقول للحية التي في البيوت ثلاث مرات، ذكره غير واحد، ولفظه في الفصول يعني هذا الكتاب لابن عقيل: ثلاثًا، ولفظة في المجرد ثلاثة أيام، اذهب بسلامٍ لا تؤذنا، والروايات في صحيح الإمام مسلم مختلفة، ورد في حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ لِبيوتِكُم عُمَّارًا فحرِّجوا عليهِنَّ ثلاثًا، فإن بدا لكُم بعدَ ذلكَ منهنَّ شيءٌ فاقتُلوهُ»[1] [رواه الإمام مسلم] وفي رواية عند مسلم: «فحرِّجوا عليهِنَّ ثلاثةَ أيَّامٍ» وهذا هو الأقرب أنها تُحرج وتُنذر ويُطلب منها أن تنفذ بسلام وأن تترك المكان، فإذا مضت ثلاثة أيام ورآها بعد ذلك قتلها، وحينئذٍ لا يصيبه ضررها ولا شرها ولا أذيتها، جاء في الصحيح أن رجلًا من الصحابة رضي الله عنه من الأنصار عاد إلى بيته فوجد امرأته خارج البيت، فقال: ما الذي أخرجك؟ قالت: انظر، فنظر إلى حية عظيمة فابتدرها بحجرٍ فقتلها، قال الراوي: فلا نعلم أيهما أسرع موتًا[2]، يعني مات الصحابي وماتت الحية ولما علم صلى الله عليه وسلم بذلك أخبرهم أن في هذه البيوت عمارًا وأنه لا يسوغ لنا أن نقتلها ابتداء وإنما ننذرها، فإذا أنذرناها ثلاثًا إما أنها تنفذ بسلام وهذا هو الغالب وتخرج وتترك المكان وإما أنها تقتل ولا تضر حينئذٍ، وذهب المازني أن الإنذار خاص بحيات المدينة، قال: هذا خاص بما وردت فيه القصة والحديث، وذكر هذا في كتابه المعلم بشـرح مسلم، ويستدل بعموم حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقْتُلُوا الحَيّاتِ»[3] ولم يذكر الإنذار، ويستدل بحديث: «خمسٌ فواسقُ يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ»[4]، وقد جاء في بعض الروايات ذكر الحية وذهب بعض أهل العلم إلى أن الإنذار عام لكل الحيات في كل البيوت في أي بلد، وهذا أظهر، إذن ينبغي لمن رأى حية في بيته أن يُنذرها ثلاثًا وأن يحذرها وأن يقول لها: انفذي بسلام، فإن رآها بعد ذلك قتلها ولا حرج عليه لا من ناحية شرعية ولا ضرر يصيبه من قتلها بعد الإنذار، وأما قتلها بدون إنذار، فإنه مخالف للسنة من ناحية ولا يسلم من أذيتها كما حصل للصحابي رضي الله عنه الذي قتل وبادر بالقتل ومات معها حتى قال الراوي: لا ندري أيهما أسبق موتًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه مسلم (2236)، وأبو داود (5259).
[2] نفس الحديث السابق في صحيح مسلم.
[3] أخرجه مسلم (2233).
[4] الحديث بطوله أخرجه مسلم في صحيحه (1198) بلفظ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ في الحِلِّ وَالْحَرَمِ: الحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ، وَالْحُدَيَّا».
