ضبط الألسنة وحفظها
(وَيُسْتَحَبُّ ضَبْطُ الأَلْسِنَةِ وَحِفْظُهَا) ضبطها، فلا تتكلم إلا فيما يعنيها وفيه الخير، وحفظها عما فيه ضررها وهلاكها وحتفها، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن كانَ يُؤْمِنُ باللهِ والْيَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أوْ لِيصْمُتْ»[1] [الحديث متفق عليه]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ كرِه لكم قيلَ وقالَ»[2]، وقوله صلى الله عليه وسلم لما أوصى معاذًا بعدة وصايا، قال له معاذ: وهل نحن مؤاخذون بما نقول يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «وهل يُكِبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وجوهِهم أو قال: على مناخرِهم إلَّا حصائدُ ألسنتِهم»[3]، فخطر اللسان عظيم وأكثر ما تدخل المعاصي من هذه الجارحة، هذا اللسان الذي هو صغير الحجم لكنه عظيم النفع أو الضرر.
وأكثر ما تدخل المعاصي على الإنسان كما ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله من أربعة أبواب: باب اللفظات، والخطرات، واللحظات، والخطوات، وكثرة الكلام تتضمن مفاسد عظيمة، من أهمها قسوة القلب، ومنها: أن من كثُر كلامه كثُر سقطه واشتغل بما يضـره ولا ينفعه، واشتغل بما يضره عما ينفعه، وأضاع وقته الذي هو أنفس ما يملك، فينبغي للعبد الموفق أن يضبط لسانه أو يحفظه وأن يُقل من الكلام إلا فيما يعني، هذا القيد.
قال رحمه الله: (وَالإِقْلَالُ مِنَ الكَلَامِ إِلَّا فِيْمَا يَعْنِي، وَلَا بُدَّ فِيهِ) ولهذا يقولون كما قرر ذلك النووي وهو كلام عامة أهل العلم، إنه ينبغي للعبد قبل أن يتفوه أو يتكلم يسأل نفسه: هل هذا الكلام مما يُرضي الله، ويكون مما تكتبه الملائكة في صحائف حسناتي فيُقدم ولا يُحجم ولا يتردد أو أن هذا الكلام مما يُغضب مولاه ويُسخط إلهه وسيده ويوجب له العقوبة الشديدة، سواء كان كذبًا أو بهتانًا أو غيبةً أو نميمةً أو سخريةً أو استهزاءً أو غير ذلك من آفات اللسان فيُحجم ولا يفتح لنفسه مهما تاقت؛ فإن النفس تواقه وهي تحب ما لا مصلحة فيه ولا منفعة، وهي سريعة التأثر لا سيما بمجالسة البطّالين الذين جُل حديثهم فيما يضر ولا ينفع بل وصل الحال ببعضهم أنه لا يسلم من معصية أو غفلة أو لهو حتى إذا نُصح في ذلك قال: هذا خيرٌ لنا من الغيبة وكأنه قد كتب على نفسه إما أن يغتاب ويقع في كبائر الذنوب أو لا ينتفع بوقته وزمانه فيما خُلق لأجله، حينئذٍ نقول: هو قد كتب على نفسه ورضي لها الهوان فإن وجد أن هذا الكلام يُغضب مولاه وسيده تركه ولا بد، وإن كان لم يتبين له ذلك ولا يدري هذا الكلام هل هو من المباح أو أنه متردد بين ذلك وغيره فإنه يتركه والسلامة لا يعدلها شيء، فإن كثرة الكلام حتى في المباح تجر إلى كلام فيما لا يُباح سواءً مما يُكره أو مما يَحرُم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري (6018)، ومسلم (47).
[2] أخرجه البخاري (6018)، ومسلم (47).
[3] أخرجه الترمذي (2616)، والنسائي في السنن الكبرى (11394)، وابن ماجه (3973)، وأحمد (22016)، الحديث صحح إسناده الألباني في إرواء الغليل (2/138).
