حكم وشروط دخول حمام السباحة للرجال والنساء
المراد بالحمام: المواضع المعدة للاغتسال، وتكثر في البلاد الباردة حيث لا يتهيأ لكثيرٍ من الناس الاغتسال في تلك البلاد الباردة في فصل الشتاء في بيوتهم لقلة وسائل التدفئة والتسخين فيعمدون إلى هذا الحمامات، ولم تكن معروفة في زمنه صلى الله عليه وسلم ولم يرها فضلًا أن يدخلها لكنه أخبر عنها في أحاديث جملتها لا تخلو من ضعف لكن مجموعها قد يترقى إلى الحسن، ومن أصحها ما جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه قدم إليها وفدٌ من الشام من النساء، فقالت لهن رضى الله عنهن: أنتن اللاتي يدخلن نساؤكم الحمامات، وقد كان هذا الوفد من أهل حمصٍ ومن أهل الشام، ثم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من امرأةٍ تضعُ ثيابَها في غيرِ بيتِ زوجِها إلَّا هتكتِ السِّترَ بينَها وبينَ ربِّها»[1] [الحديث رواه الطيالسي بسندٍ صحيح] هذا الحديث فيه وعيدٌ شديدٌ على خلع الثياب في غير بيت الزوجية وذلك إذا كان على سبيل التبرج والسفور وإظهار المفاتن والمحاسن، سواءً كان بيتٍ أو في صالونٍ أو في نادٍ أو في صالة أفراحٍ أو في سوقٍ أو في غيره؛ فإن المرأة المسلمة درة مصونة يجب عليها أن تستر جميع بدنها ولا يحل لها أن تتكشف وتتعرى، ولهذا جاء هذا الحديث في هذا الباب سواءً كان في بيت أهلها أو في غير بيت أهلها، لا يحل لها أن تتكشف وتظهر مفاتنها أمام النساء، إذن دخول الحمام الأصل فيه الجواز وذلك للحاجة، وقد ذكر المؤلف رحمه الله أنه يُباح للرجال دخول هذه الحمامات بالميازر الساترة ثم ذكر أنه يكره للنساء إلا من علة وحاجه، إذن يجوز للرجال دخول هذه الحمامات للحاجة بشرطين أساسيين:
أولهما: أن يستر الداخل عورته، وعورة الرجل من سرته إلى ركبته فيسترها بالميازر أو السراويل الطويلة إلى ركبته، وهذا شأن المسابح وصالونات أو أندية الرياضة والتخسيس والتخفيف والتمرين والملاعب بأنواعها والألعاب بأشكالها، فإنه يجب على الرجل أن يستر عورته ولا يحل له أن يكشف شيئًا منها، والفخذ عورة كما قال صلى الله عليه وسلم: «غطِّ فَخِذَكَ، فإنَّ الفخِذَ عورَةٌ»[2].
الشرط الثاني: أن يأمن من النظر إلى عورات الآخرين، فإنه قد يستر عورته لكنه يجد في هذا النادي أو في هذاك المسبح أو في ذلك الصالون أو في ذلك الحمام من يتبذل ويكشف عورته فلا يحل له حينئذٍ أن يذهب.
إذن الواجب على المسلم أمران: أمرٌ يتعلق بخاصة نفسه فيستر عورته إلا من زوجته أو ما ملكت يمينه كما قال جل شأنه: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون:5-6]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل، «عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قال: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: فالله أحق أن يُستحيا منه»[3]، ولهذا المؤمن لا يتكشف إلا عند الحاجة كعند قضاء الحاجة والاغتسال وجماع الزوجة ونحو ذلك وإلا فالأصل فيه أنه يتستر ويستر عورته، فإذا كان الداخل يستر عورته لكنه يجد أقوامًا يكشفون أفخاذهم ويكشفون شيئًا من عوراتهم فإنه لا يذهب، ولا يكفي أن يذهب ويغض البصر بل يختار الوقت الذي لا يوجد فيه من يتبذل ويكشف عورته، إذن الحمام هو بيت الماء المعد للاستحمام بالماء الساخن لتنظيف البدن غالبًا أو التداوي، وكانت هذه الحمامات معروفة منذ القدم في بلاد العجم وفي بلاد الشام، يجعلونها للاغتسال عند طُهر المرأة من حيضها أو نفاسها أو عند التداوي، وقد صنف بعض أهل العلم كتبًا في بيان آدابها وأحكامها كابن كثيرٍ رحمه الله في كتابه الموسوم «الآداب والأحكام المتعلقة بالحمام» فالرجل إذن يدخل بالميازر وهو جمع أُزُر وهو الإزار فيستر عورته ويغض الطرف عن النظر إلى عورات الآخرين، فإذا غلب على ظنه أنه إذا دخل سيجد من يتبذل فإنه لا يذهب، أما المرأة فالأصل منعها من الذهاب لتلك الحمامات إلا عند الحاجة أو الضرورة كالمرض والاغتسال من النفاس وكثرة الأوساخ والدرن إذا لم تجد سبيلًا للاغتسال في بيتها، والقول بالتحريم هو المشهور من مذهب الحنابلة رحمهم الله، وذهب بعض أهل العلم إلى الكراهة وهو مذهب الشافعية وبعض المالكية، الذين أجازوه للرجال قالوا: هو الأصل، الأصل أن المسلم إذا احتاج إلى الماء الساخن يغتسل به ولا كراهة في ذلك فإن لم يجد ذلك في بيته وذهب إلى مكانٍ مُعدٍ للاغتسال والاستحمام والتنظف وإزالة الدرن ونحو ذلك وأمن من كشف عورته ومن النظر إلى عورات الآخرين فلا حرج في ذلك، واستدل هؤلاء بقول أبي هريرة رضي الله عنه: «نِعمَ البيتُ الحمَّامُ ، يُذهِبُ الدَّرَنَ –أي الوسخ– ويذَكِّرُ النَّارَ»[4] [الحديث رواه ابن أبي شيبة بسندٍ صحيح] قوله يذكر بالنار: معلومٌ أن هذه الحمامات طبقات، كلما دخلت طبقة وجدتها أسخن وأحر من قبلها، فيكون الداخل لها يتذكر حر جهنم فيستجير بالله من النار، أما المرأة فالأصل أنها ممنوعة من كشف عورتها والتكشف والتبذل ولو لم يكن في تلك الحمامات لكن لما كانت هذه الحمامات مظنة لكشف العورات والتبذل عند النساء كما هو حال النساء في كل عصرٍ ومصر، ولهذا لما ذكر الإمام أحمد رحمه الله الكلام على هذه الحمامات كره بناءها وأجرتها، وقال: وأما من يبنيها فليس بعدل، هذا نص الإمام أحمد، يقول: إن هذا الذي يُتاجر في مثل هذا ليس بعدل يعني كأنه انتفت عنه العدالة، اليوم كثير من الناس يستثمر ولا يبالي في الحلال من الحرام، نقول: إذا أردت أن تستثمر مالك فاجتهد في دراسة الجدوى الاقتصادية من هذا المشروع من جهة، وقبل ذلك ومعه وبعده دراسة الحكم الشرعي، وهل هذا جائز سائغ شرعًا أو لا؟ فإن كان سائغًا فأقدم وإلا فأحجم، إذن لا يجوز للمسلم أن يتاجر فيما فيه حرام ولا أن يبني صالوناتٍ ولا أنديةٍ رياضية للنساء وهو لا يستطيع ضمان ما يجري فيها من حيث الحل والحرمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه أبو داود (4010)، والترمذي (2803) واللفظ له، وابن ماجه (3750)، وأحمد (24140)، الحديث حسنه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2803).
[2] أخرجه البخاري معلقًا بصيغة التضعيف عقب (370) ووصله الترمذي (2796) مختصرًا، وأحمد (2493) باختلاف يسير، وصححه السيوطي في الجامع الصغير (5752).
[3] أخرجه أبو داود (4017) عن معاوية بن حيدة القشيري بلفظ: «احفَظْ عورتَك إلَّا من زَوجتِك أو ما ملَكَت يمينُك، قال: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إذا كان القومُ بَعضُهم في بعضٍ؟ قال: إن استطعْتَ ألَّا يَرَيَنَّها أحدٌ فلا يرَيَنَّها، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إذا كان أحدُنا خاليًا، قال: اللهُ أحَقُّ أن يُستحيَا منه مِن النَّاسِ»، والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود (4017).
[4] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (6/2644)، وقال عنه: حديثٌ موقوفٌ وإسناده صحيح.
