حكم نتف الشيب
أما نتف الشيب فالمراد به هنا الشعر الأبيض الذي يكون في شعر الوجه كاللحية أو في الرأس، قال رحمه الله: (وَيُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ) وهذا قول جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة، وقالت الحنفية: يكره نتفه إذا كان على وجه التزين وهو مراد من ينتفه غالبًا، وقال ابن مفلح رحمه الله: إنه يتوجه التحريم، قال النووي: وليس هذا ببعيد، إذن عندنا من يرى كراهة نتف الشيب وهم جمهور الأئمة ومن يرى تحريمه، وثمة قول وسط بين القولين وهو كراهته في شعر الرأس وتحريمه في شعر اللحية، وهذا القول الثالث هو الأقرب للصواب والعلم عند الله، جاءت نصوص في النهي عن نتف الشيب، فمن أهل العلم من حملها على التحريم وهو الظاهر المتبادر ومنه من حملها على الكراهة، والتفصيل أن يُقال إن نتف الشيب من اللحية فيه محظورات ومنهيات كثيرة، أولها: التعدي على اللحية وقد سبق أنه يجب إعفاؤها ويحرُم حلقها ونتفها وتقصيرها وتهذيبها وتشذيبها والتعرض لها بأي وجه من وجوه التعرض، فناتف الشيب من لحيته آخذٌ شيئًا منها فيدخل في عموم النهي، ثانيًا: في أخذ الشعر من الوجه تشبه بالنمص بل قد غير واحد من أهل العلم بأن هذا داخلٌ في النمص، النمص محرم بل كبيرة، لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتنمصات، هل النمص خاص بالنساء؟ نقول: لا، بل نهي النساء عنه نهي للرجال من باب أولى، وهل النمص إزالة الشعر من موضع معين أو يشمل عموم الوجه؟ من أهل العلم من يقول يشمل عموم الوجه إلا ما ورد أخذه كالشارب ويدخلون سائر شعر الوجه في النمص، وإذا دخل في النمص صار محرمًا إلا أن إدخاله في النمص محل نظر عند أهل العلم، لكنا نقول: إذا جاءت هذه المعاني كلها واعتبرناها فإن نتف الشيب من اللحية يرتقي من الكراهة إلى التحريم، أولًا: لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن نتف الشيب عمومًا وسنورد الأدلة، ثانيًا: أن فيه تعرض للحية وأخذ شعر منها، ثالثًا: أنه يشبه النمص، والأصل أن ما نبت في الوجه لا يُزال إلا في حق الرجل في شاربه، والمرأة إذا نبت في وجهها الشعر وأصبح مُثلة كأن ينبت لها لحية، نقول: يجوز لها حلقه بل يتعين عليها حلقه؛ لأنها ليست محلًا للحية، واللحية في وجه المرأة والشارب مُثلة بخلاف الرجل فإنها زينة، ولهذا مرّ بنا قسم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إذا أرادت أن تقسم، والذي زين الرجال باللحى والنساء بالذوائب إلا أنها لو نبت في وجهها شارب أو لحية أزالتها ولا حرج، وكذا لو كان ما بين الحاجبين مقرونًا يشوه الشكل، متصل، نقول: لا حرج حينئذٍ أيضًا في إزالته وكذلك لو طال شعر الحاجب فنزل على العين فآذى فلا حرج في قصه وإزالته.
استدل من قال بالكراهة والتحريم بما أورده المؤلف، فإن المؤلف قال: (فَقَدْ وَرَدَ فِيْ الحَدِيْثِ أَنَّهُ نُوْرُ اللهِ) لكن المتأمل لهذا اللفظ لا يجده في كتب الحديث وإنما ورد بلفظ: نور المسلم، وورد بلفظ: نور المؤمن، وورد: نورٌ يوم القيامة، إذن هذه ثلاثة ألفاظ وردت في نص الحديث، نور المسلم، نور المؤمن، نورٌ يوم القيامة، فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَنتِفوا الشَّيبَ، فإنَّهُ نورُ المسلمِ، ما من مُسلمٍ يَشيبُ شيبةً في الإسلامِ إلَّا كُتِبَ لَهُ بِها حسنةٌ، ورُفِعَ بِها درجةً ، أو حُطَّ عنهُ بِها خطيئةٌ»[1] [رواه الإمام أحمد بسندٍ حسن]، ورواه الترمذي بلفظ: «نَهى عن نتفِ الشَّيبِ وقالَ: إنَّهُ نورُ المسلمِ»[2] [قال الترمذي: هذا حديثٌ حسن قد رُوي عن عبدالرحمن وغير واحد عن عمرو بن شعيب]، ورواه ابن ماجه بلفظ: «نَهى رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن نتفِ الشَّيبِ وقال هوَ نورُ المؤمنِ»[3] [حسنه الألباني في صحيح ابن ماجه]، وورد «لا تنتِفوا الشَّيبَ فإنَّه نورٌ يومَ القيامةِ»[4] [رواه ابن حبان في صحيحه]، وهذا يفسر رواية نور المسلم أو نور المؤمن، إذن نورٌ يوم القيامة فهو نورٌ للمسلم يضيء يوم القيامة، وهذه الأحاديث بمجموعها أحاديث صحاح والأصل في النهي أنه للتحريم ولاسيما في الوجه وغالب الذين ينتفون شيبهم ينتفونه من الوجه غالبًا، قليل من ينتف من شعر الرأس، لكنا نقول يتأكد تركه عمومًا إلا أنه في شعر اللحية يكون على سبيل التحريم، جاءت السنة بخضابه وسيورده المؤلف في فصلٍ لاحق وهو سنة أي خضاب الشيب، والخضاب إذا أُطلق ينصرف إلى صبغه بالحناء وهذا سنةٌ، حتى جاء عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: إني لأرى الرجل قد خضب فيعجبني لأنه أحيا سنة، وأما خضابه بالسواد فمحل خلاف سيأتي بحثه أيضًا عند الكلام على الخضاب والكلام فيه على ثلاثة أقوال: قيل بالتحريم، وقيل بالكراهة، وقيل بالإباحة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه أبو داود (4202) باختلاف يسير، والترمذي (2821)، والنسائي (5068)، وابن ماجه (3721) مختصرًا، وأحمد (6672) واللفظ له، وصححه لغيره شعيب الأرناؤوط في تخريج المسند (6672).
[2] أخرجه أبو داود (4202) مطولًا، والترمذي (2821) واللفظ له، والنسائي (5068) مختصرًا، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (2821).
[3] أخرجه أبو داود (4202) مطولاً باختلاف يسير، والترمذي (2821) باختلاف يسير، وابن ماجه (3721) واللفظ له، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (3721).
[4] أخرجه ابن حبان في صحيحه (2985).
