حكم لبس الحرير
وهذا أعني لبس الحرير من المحرمات المُجمع عليها في حق الرجال، في حق الذكور، صغارًا كانوا أو كبارًا، وفي حديث حذيفة رضي الله عنه قال: «إنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا عَنِ الحَرِيرِ والدِّيبَاجِ، والشُّـرْبِ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وقَالَ: هُنَّ لهمْ في الدُّنْيَا، وهي لَكُمْ في الآخِرَةِ»[1] [الحديث متفقٌ عليه] إذن جمع صلى الله عليه وسلم بين هذه المحرمات، وبين أن الله حرمها على هذه الأمة في الدنيا وأباحها لهم ومتعهم بها في الآخرة وأن من تمتع بها في الدنيا حُرم منها في الآخرة، وأن الكفار الذين لا خلاق لهم ولا عبودية في قلوبهم لله جل شأنه فإنهم يستعملونها في الدنيا لكنهم يُحرمون منها في الآخرة، وفي رواية: «لا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا في صِحَافِهَا»[2] [الحديث متفقٌ عليه]، والمراد بالحرير: ما يُستخرج من دود القز، هذا الحرير الطبيعي هو الذي يحرُم، وأما ما يُسمى حريرًا لنعومته لكنه لم يُستخرج من هذا الدود فإن هذا يباح، فإنه يُباع بأبخس الأثمان ويُقال: هذا حرير أو حرائر أو طبيعي أو نحو ذلك، نقول: هذا يشبه الحرير في نعومته فلا يأخذ حكمه، والحكمة من تحريم الحرير على الرجال ما فيه من العُجب والإسراف والتشبه بالنساء والتخنث؛ لما في الحرير من الليونة ولما فيه أيضًا من التشبه بالكفار الذين لا خلاق لهم، ويدل على إباحته للنساء حديث أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حُرِّمَ لباسُ الحريرِ والذهبِ على ذكور أمتي وأُحِلَّ لإناثِهِم»[3] [الحديث رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وصححه الترمذي وله شواهد تقويه] وإباحة الحرير مناسب للنساء؛ فإنهن جُبلن على التزين كإباحة الذهب لهن، كما قال ربنا في وصفهن: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف:18].
قال رحمه الله: (ولُبْسُ الحَرِيْرِ مُحَرَّمٌ عَلَى الرِّجَالِ، مُبَاحٌ لِلنِّسَاءِ) ذكر ابن قدامة رحمه الله في المغني الإجماع على ذلك، وكذلك ابن عبد البر في الاستذكار، إذن دل عليه السنة والجماع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري (5632)، ومسلم (2067).
[2] أخرجه البخاري (5426)، ومسلم (2067).
[3] أخرجه الترمذي (1720) واللفظ له، والنسائي (5148)، وأحمد (19533)، الحديث صححه الترمذي وأيضًا الألباني في إرواء الغليل (277).
