حكم التسمية أثناء الأكل في جماعة
هل التسمية مشروعة للجميع أو يُكتفى بتسمية بعضهم؟ هل هي مثل السلام؟ إذا سلّم بعض أو رد بعض يكفي؟ مع أن السنة أن يسلم الجميع ويرد الجميع كما تقدم، نقول: التسمية مشروعة لكل أحد ولا يكتفي أحدٌ بتسمية بعضٍ لأن الأمر بالتسمية وردت لكل واحد لأمره صلى الله عليه وسلم عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه بالتسمية مع أن عمر هذا صغير وهو يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم فلو أن التسمية تكفي تسمية البعض لاكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بتسميته وتسمية أصحابه، إذن لا يُسمي واحدٌ ويكتفي به الأخرون بل يُسمي كل واحد حتى الصغير، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «اذْكُرُوا اسْمَ اللهِ» اذكروا، وهو أمرٌ يفيد الوجوب وهو خطاب للجميع وقيل: يُكتفى بتسمية بعضهم عن بعض قياسًا على رد السلام وتشميت العاطس وهذا قولٌ مرجوح، والصحيح الأول ولا يصلح القياس، أولًا: رد السلام فيه حديث كما تقدم وهو دليلٌ على الاكتفاء ببعضهم إلا أن السنة أن يُسلم الجميع، أما تشميت العاطس فالصحيح أنه يجب على كل من سمعه أن يشمته؛ لحديث: حقٌ على من سمع العاطس أن يشمته[1] فتشميت العاطس على الصحيح فرضٌ على كل من سمعه، ولهذا نقول: السنة أن يُسمي الجميع بل جاء في الحديث الصحيح: أن النبي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل مع أصحابه وعددهم ستة فجاء أعرابيٌ فأكل طعامه في لقمتين، فقال صلى الله عليه وسلم: أما إنه لو سمى لشبعتم[2]، فدل على أن عدم تسمية هذا الأعرابي الذي جاء وهجم على الطعام وأكله في لقمتين والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه سيأكلون ويشبعون، دل على أن عدم تسميته نزعت البركة من هذا الطعام، وجاء في الحديث الآخر: أنه صلى الله عليه وسلم كان يأكل فجاءت جارية كأنما تدفع –يعني كأنها تُدفع للأكل– فأمسك صلى الله عليه وسلم بيدها، ثم جاء أعرابي كأنما يُدفع –كما نقول: مدفوف– من حرصه ورغبته وشرهه في أن يأكل، فأمسك صلى الله عليه وسلم بيده، ثم أخبر أن الشيطان أراد أن يستحل الطعام بهما وأن يدهما تحت يده وأن الشيطان أراد أن يستحل الطعام[3]، فدل ذلك كله على أنه ينبغي ألا يبدأ الناس في الطعام إلا وقد حرصوا الصغار قبل الكبار أن يُسمي كل واحدٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أورده البخاري في صحيحه (6223) بلفظ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ العُطاسَ، ويَكْرَهُ التَّثاؤُبَ، فإذا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ، فَحَقٌّ علَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أنْ يُشَمِّتَهُ، وأَمَّا التَّثاؤُبُ: فإنَّما هو مِنَ الشَّيْطانِ، فَلْيَرُدَّهُ ما اسْتَطاعَ، فإذا قالَ: ها، ضَحِكَ منه الشَّيْطانُ».
[2] أخرجه الترمذي (1858) بلفظ «كانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ يأْكلُ طعامًا في ستَّةٍ من أصحابِهِ فجاءَ أعرابيٌّ فأَكلَهُ بلُقمتينِ فقالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ أما إنَّهُ لو سَمَّى لَكفاكُم»، و صححه الألباني في صحيح الترمذي (1858).
[3] أخرجه مسلمٌ في صحيحه (2017) عن حذيفة بن اليمان رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بلفظ: «كُنَّا إذَا حَضَرْنَا مع النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ طَعَامًا لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حتَّى يَبْدَأَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ فَيَضَعَ يَدَهُ، وإنَّا حَضَرْنَا معهُ مَرَّةً طَعَامًا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأنَّهَا تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا في الطَّعَامِ، فأخَذَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ بيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأنَّما يُدْفَعُ فأخَذَ بيَدِهِ، فَقالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: إنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لا يُذْكَرَ اسْمُ اللهِ عليه، وإنَّه جَاءَ بهذِه الجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بهَا فأخَذْتُ بيَدِهَا، فَجَاءَ بهذا الأعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ به فأخَذْتُ بيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، إنَّ يَدَهُ في يَدِي مع يَدِهَا، وفي روايةٍ: كَأنَّما يُطْرَدُ، وفي الجَارِيَةِ: كَأنَّما تُطْرَدُ، وَقَدَّمَ مَجِيءَ الأعْرَابِيِّ في حَديثِهِ قَبْلَ مَجِيءِ الجَارِيَةِ. وَزَادَ في آخِرِ الحَديثِ: ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللهِ وَأَكَلَ».
