حالات تجوز فيها الغيبة
ذكر رحمه الله أي النووي في كتاب الأذكار إجماع أهل العلم على تحريم الغيبة ثم ذكر أن الغيبة وإن كانت في الأصل محرمةً إلا أنها تُباح في أحوالٍ للمصلحة وذكر منها ستة أسباب:
أولها: التظلم، فيجوز أن يقول المظلوم فلانٌ ظلمني أو أخذ مالي أو فلانٌ ظالمٌ، إذا كان عند الشكاية على من له قدرةٌ لإزالة هذا الظلم أو تخفيفه، مثل ما يقوله الخصم عند القاضي، فإن الخصم يقول عند القاضي كل ما حصل من ظالمه، يتشكى ليرفع القاضي ظلامته أو الأمير أو المسئول أو المدير، فالطالب إذا ظُلم من أحد الطلاب وذهب للمدير، نقول: لا تتورع، ليس هنا مجال للغيبة، تقول: فعل بي وضربني وتكلم فيّ ونحو ذلك حتى يؤدبه، ومثل ذلك: شكاية بعض الأبناء لأبيهم عن فلان أنه فعل، نقول: هذا كله ليس من الغيبة؛ لأنه شكاية وتظلم لمن بيديه القدرة على رفع الظلم لكن على سبيل الفضفضة والسواليف والتفكه، نقول: حرام، إذا الغيبة في الأصل حرام، فيُستثنى منها بقدر الحاجة.
ثانيًا: الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يُظن قدرته على إزالته، فيقول: فلانٌ فعل كذا في حق من لم يكن مجاهرًا بالمعصية، إذن إذا كان يعلم أن فلانًا يفعل المنكرات ويُسـر بها لكنه أفسد أبناء وبنات المسلمين فيذهب لمن له الأمر كهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو مكافحة المخدرات أو الشرطة ويذكر لهم فعله لينكروا عليه أو يستعين بهم على تغيير هذا المنكر وإزالته أو تقليله.
ثالثًا: الاستفتاء، بأن يقول للمفتي فلانٌ ظلمني بكذا، أو قصّـر في حقي أو منعني من حقوقي كما تقول الزوجة لمن تستفتيه: زوجي ظالمٌ لي، زوجي لا ينفق عليّ، هل آخذ بالمعروف أو نحو ذلك؟ فنقول: على سبيل الاستفتاء جائزٌ لكنه أيضًا بقدر فلا تتكلم أو يتكلم المستفتي إلا بقدر الحاجة، بقدر ما يتبين للمفتي الظلم أو التقصير الذي وقع عليه.
رابعًا: التحذير للمسلمين من الاغترار به، ويدخل في ذلك جرح الرواة والشهود ومن يتصدر للتدريس والإفتاء مع عدم أهليته فيُنبه ويُحذر ممن هذا شأنه، يُقال فلانٌ كذاب، وضّاع، ضعيف الحديث ونحو ذلك من عبارات الجرح والتعديل، فعبارات الجرح فيها جرحٌ للشهود وللرواة وذلك لمعرفة الصحيح من السقيم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
خامسًا: ذكر من جاهر بالفسق والبدعة فإن المجاهر بالبدعة يُحذر منه علنًا لأنه يُجاهر ويُعلن بدعته، وكذلك يُعلن فسقه، فالمغني فاسق وذكره بالغناء قد لا يُحزنه لأن هذا وصفه اللائق به، لكنا نقول: هو في حقيقة الأمر تحذيرٌ منه ومن أمثاله.
سادسًا وأخيرًا: التعريف بالشخص بما فيه من العيب إذا لم يُعرف إلا به إذا كان يرضى بذلك ولا يغضب، كقول فلانٍ الأعور أو الأعرج أو الأعمش ولا يُراد بذلك النقص بوجه من الوجوه.
قال النووي رحمه الله بعدما ذكر هذه الأسباب الستة، قال: ودلائلها ظاهرةٌ من الأحاديث الصحيحة المشهورة وأكثر هذه الأسباب مجمعٌ على جواز الغيبة بها، وقد جمعها بعضهم في بيتين مشهورين، يقول فيهما:
الذَّمُّ لَيْسَ بِغِيبَةٍ فِي سِتَّةٍ |
| مُتَظَلِّمٍ وَمُعَرِّفٍ وَمُحَذِّرِ |
وَلِمُظْهِرٍ فِسْقًا وَمُسْتَفْتٍ وَمَنْ |
| طَلَبَ الْإِعَانَةَ فِي إِزَالَةِ مُنْكَرِ |
