المضمضة .. والاستنشاق
المضمضة هي إدارة الماء في الفم وهي من فروض الوضوء ومن فروض الغسل على الصحيح، وقد سبق في درس العمدة -عمدة الفقه لابن قدامة- أن بيّنا أن المضمضة والاستنشاق من فروض الوضوء والغسل وإلى هذا ذهب الإمام أحمد، وذهبت المالكية والشافعية إلى أنهما سُنتان في الوضوء والغسل، وذهبت الحنفية إلى أنهما فرضان في الغسل وسُنتان في الوضوء، والصحيح أن المضمضة والاستنشاق فرضان في الوضوء والغسل؛ فإن الله جل شأنه أمر بغسل الوجه وهما في الوجه ظاهرًا، وقد بيّنا سابقًا كيف تكون في الوجه ظاهرًا وبيّنا أن ثمة أحكام خمسة تلزم المخالف؛ فإن الله جل شأنه وتقدس اسمه قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: ٦] والفم والأنف لها حكم الظاهر فتُغسل وجوبًا، والنبي صلى الله عليه وسلم وهو المفسر لآي الكتاب العزيز لم يُخل بالمضمضة والاستنشاق في وضوء قط، فكل من روى وضوءه ذكر أنه يتمضمض ويستنشق بل أمر بهما، قال: «إذا تَوضَّأتَ فمَضمِضْ»[1] [الحديث رواه أبو داود بسندٍ صحيح] وأمر بالاستنشاق وأمر بالمبالغة فيه لغير الصائم، وكذلك في الغسل يقول ربنا جل شأنه: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: ٦] ولهذا الحنفية قالوا: إنها تدل على فرضية المضمضة والاستنشاق في الغسل، وقلنا هناك: إن آية الوضوء أدل على وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء من قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} ومع ذلك ذهب بعض المتأخرين من أهل العلم إلى التفريق ليس كما يقول الحنفية بل عكس كلام الحنفية فيقولوا: إن المضمضة والاستنشاق من فروض الوضوء وسنن الغسل، والصحيح خلاف ذلك.
قال رحمه الله: (وَالاسْتِنْشَاقُ) الاستنشاق هو جذب الماء بالنفس إلى أقصـى الخياشيم ثم نثره وهما متلازمان، فيستنشق ثم يستنثر، وما قيل في المضمضة يُقال في الاستنشاق من حيث الحكم وأنها فرض في الوضوء وفرض في الغسل إلا أن الاستنشاق جاء الأمر به أيضًا عند القيام من النوم ولو لم يتوضأ، لكن إذا توضأ أجزأ عن ذلك، لكن إن قام من النوم ولم يتوضأ فإن السنة أن يستنثر، أن يستنشق ويستنثر فإن الشيطان يبيت على خياشيمه كما جاء في الحديث الصحيح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه أبو داود في سننه (144)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (144).
