الشيب منذرٌ بالموت وحاثٌ على قصر الأمل
قال: (وَهُوَ أَيْضًا نَذِيْرُ المَوْتِ) أي دليلٌ على الكِبر غالبًا وقد فُسر النذير في قول الله تعالى في سورة فاطر: {وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: ٣٧] فسّره ابن عباس رضي الله عنهما بالشيب، إلا أنّ أصح ما ورد في ذلك أن المراد بالنذير في الآية النبي صلى الله عليه وسلم كما صحح ذلك ابن جرير وابن كثير، وقد وصف الله نبيه بالبشير والنذير في غير آية فهو أقرب ما يُقال، لكن نقول: جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسّر النذير في الآية بالشيب.
قال رحمه الله: (وَيُقَصِّرُ الأَمَلَ) أي إذا رأى الإنسان وجهه وقد علاه الشيب فإنه يُقصـر أمله في الدنيا، وهذا قصر الأمل مطلوبٌ ومرغبٌ فيه ومُشوقٌ إليه لأنه يدفع إلى ما بعده وهو حسن العمل، إذن تقصير الأمل الذي يدعو إلى حُسن العمل والتقلل من الدنيا، هذا لمن كان له قلب وإلا فإنه قد يكبر ويعجز ويشيخ وهو على غيّه وغفلته لكن المؤمن كل شيء يُذكره، إذا كَبُرت سنه ورقّ عظمه وشاب شعره تذكر أنه قَرُب أجله؛ فإن أعمار هذه الأمة كما قال صلى الله عليه وسلم ما بين الستين والسبعين والقليل من يُجاوز ذلك([1]) فيستعد ويجتهد في الطاعات والإكثار من النوافل والبرٍ والإحسان ويستعتب ويتوب ويكف عن الغفلة وعن التعلق بهذه الدنيا ويصبح كما أرشد صلى الله عليه وسلم إذا أصبح لا ينتظر المساء وإذا أمسى لا ينتظر الصباح، يحسب أنه في كل لحظة سيأتيه المنون لكن هذا يدفع إلى العمل ليس العجز والضعف والانتظار للموت بدون عمل بل يدفعه إلى حُسن العمل، ولهذا قال رحمه الله وأردف بقوله: (وَحَاثٌ عَلَى حُسْنِ العَمَلِ) حتى لا يكون مجرد قصر أمل بل يكون حاثٌ على حسن العمل، وهذه نتيجة قصر الأمل المرغب فيه، ألا تلهي العبد الدنيا عن الآخرة وألا ينسى آخرته التي إليها معاده، وألا يكون همه الدنيا بل يكون همه الآخرة ويستعد لها ويعلم أنه مغادرٌ هذه الدنيا لاسيما وقد كَبُرت سنه ورقّ عظمه وشاخ وشاب، وقد جاء في الحديث: أعذر الله إلى امرئٍ بلّغه الستين([2]) أي بلغ منتهى العذر ولا عُذر له، إذا جاءه الموت بعد ذلك أن يقول ما استعديت، بل إذا بلغ الستين فقد مدّ الله في عمره وأنسأ أجله فليكن على أهبة الاستعداد للمغادرة في أي لحظة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه الترمذي (3550)، وابن ماجه (4236)بلفظ: «أعمارُ أمَّتي ما بينَ السِّتِّينَ والسَّبعينَ وأقلُّهم من يجوزُ ذلِكَ»، والحديث حسنه النووي في المنثورات (295)، وأيضًا حسنه الألباني في صحيح الترمذي (3550).
[2] أخرجه البخاري في صحيحه (6419) بلفظ: «أَعْذَرَ اللهُ إلى امْرِئٍ أخَّرَ أجَلَهُ، حتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً».
