آداب وأحكام الإستئذان
قال رحمه الله: (وَلَا يَنْبَغِيْ لِأَحَدٍ أَنْ يَهْجُمَ عَلَى أَقَارِبٍ أَوْ أَجَانِبٍ) إذن بيّن رحمه الله أنه لا ينبغي للمسلم أن يدخل على أحدٍ بيته سواءً كان من قرابته أو غيرهم ولا يهجم على بيوتهم فيدخلها بدون استئذان، وهذا أدبٌ ربانيٌ عظيم جاءت فيه نصوص في الكتاب والسنة وهو من باب حفظ البيوت وعورات الناس فيها وصيانة الأعراض وعدم التطلع عليها، قال جل شانه وتقدس اسمه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور: ٢٧] قال ابن عباس رضي الله عنهما: تستأنسوا تستأذنوا، ونتأمل أنه استعمل هنا الاستئناس بدل الاستئذان وهذا فيه فائدة زائدة على مجرد الاستئذان وهو أنه لا ينبغي للمستأذن الدخول على بيوت الآخرين حتى يحصل الأنس به ومنه، فيجتمع الأنس من الطرفين وهذا أعظم من مجرد الاستئذان، يعني لا تدخل بيت أحد حتى تستأنس ويحصل عندك أنس بأنهم يريدون دخولك ويأنسون بك، وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّما جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ من أَجْلِ البَصَرِ»[1] [الحديث رواه البخاري] وهذا دليلٌ عظيم على أن المقصود من هذا ألا تطلع على عورات الآخرين، ولهذا لما استأذن رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وكان ينظر من فتحة الباب، أراد صلى الله عليه وسلم أن يفقأ عينه وخرج بالسكين وبيّن أنه إنما شُرع الاستئذان لأجل البصر[2]، إذن هذا الذي يطلع على بيوت الناس قد أهدر الشارع عينه، وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استأذَن أحَدُكم ثلاثًا فلم يُؤذَنْ له، فلْيَرجِعْ»[3] [الحديث متفقٌ عليه] قد استأذن أبو موسى على الفاروق عمر رضي الله عنه ثلاثًا ثم لم يأذن له فرجع، فطلبه الفاروق عمر فقال: لما لم تأتني، قال: أتيتك واستأذنت ثلاثًا فلم تأذن لي فرجعت وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إذا استأذَن أحَدُكم ثلاثًا فلم يُؤذَنْ له، فلْيَرجِعْ» فقال عمر رضي الله عنه: لتقيمن عليه البينة، يعني هات من يشهد أن هذا الحديث ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتى رضي الله عنه مذعورًا للصحابة وهم جلوس خائفًا من عمر؛ لأنه رضي الله عنه أراد ألا يُحدث أحد بحديث إلا وهو متثبت منه وألا يتزيد الناس في الحديث عن رسول الله، فقام أبو سعيد وهو أصغر القوم فشهد له أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، قال ابن مفلح رحمه الله: وهو واجب -أي الاستئذان- في الجملة على غير زوجةٍ وأمة، يقول: كل من تدخل عليهم، أمك، أختك، بنتك، لابد من الاستئذان، قال: غير زوجةٍ وأمة لكن ينبغي الاستئذان حتى على الزوجة؛ لأنها قد تكون في حالٍ أو لُبسٍ لا تحب أن يراها زوجها عليه، وإلا فإنه لا عورة بين الرجل وزوجته.
قال رحمه الله: (لِئَلَّا يُصَادِفَ بِذْلَةً مِنْ كَشْفِ عَوْرَةٍ) ما المراد بالبِذلة هنا؟ البِذْلة بالكسر والسكون على وزن سدْرة: ما يمتهن من الثياب ويُلبس في البيت وفي المهنة والخدمة، قد نص بعض الفقهاء في باب الاستسقاء أنه يُخرج للاستسقاء بثياب البِذلة، قالوا: لأنه أقرب للتواضع والانكسار، إذن يقول إنه ينبغي للعبد أن يستأذن لئلا يطلع على شخصٍ لابس ثياب بِذلة، إذن من باب أولى أنه قد يدخل عليه وهو متعري أو كاشفًا لبعض عورته، يقول: لا تدخل؛ لأنك ربما تدخل عليه وهو عليه لباس النوم مثل ما نسميه الآن الجلابيات والقُمص أو لباس دون ذلك، فيقول لئلا يرى؛ لأن بعض الناس عنده احتشام ولا يريد أن يراه الناس إلا بثياب الزينة التي يخرج بها، في حال دخل بيته يخلع ملابسه المعتادة ويلبس قميص نوم أو قميص جلوس بيتي ويلبس ربما دون ذلك، فهو لا يريد أن يأتي إنسان من الخارج ما يدري إلا وهو أمامه، وهذا خلاف السنة فإذا كان هذا مراعاة من باب أولى أنه ربما تدخل عليه وقد كشف عورته.
قوله رحمه الله: (وَيَسْتَأْذِنُ ثلاثًا، فَإِنْ أُذِنَ لَهُ وَإِلَّا رَجَعَ) هذا تقدم في حديث أبي سعيد المتقدم، وقد أجاز بعض العلماء الزيادة على الثلاثة في حالات: إذا تيقن أو غلب على ظنه أن أهل البيت لم يسمعوه وذلك لسعة البيوت اليوم، وحمل هؤلاء العلماء حديث أبي سعيد على بيوت الصحابة رضي الله عنهم، قالوا: بيوت الصحابة صغيرة ويسمع من قرع الباب واستأذن وسلم سمعه الناس لكن اليوم البيوت كبيرة والمشغلات كثيرة من مكيفات وأشياء تمنع الصوت، قالوا إنه حينئذٍ لو زاد ما دام أنه متيقن أو غلب على ظنه أنه لم يُسمع، كذلك من آداب الاستئذان ألا يقف المستأذن أمام الباب وهذا أدبٌ يضيعه كثير من الناس اليوم لعدم فقههم، يستأذن وهو في وجه الباب، لو فتحت امرأة رآها، سبحان الله؛ لأن المقصود بالاستئذان البصر كما أخبر صلى الله عليه وسلم في الحديث عند البخاري، إذن تستأذن وأنت عن يمين أو يسار حتى يُقال لك ادخل، ومن الآداب أيضًا طرق الباب أو الجرس طرقًا خفيفًا لئلا يؤذي أهل البيت أو يزعجهم أو يؤذي الجيران ويزعجهم وهذا أدبٌ عظيم يهمله بعض الناس فيضع يده على الجرس وينساه فيزعج أهل البيت ويوقظ النائم، وربما إنسان عنده أرق ومتعب ما نام إلا بمشقة، وربما مريض، وربما أزعج الجيران ليس أهل البيت، ليس هذا من الأدب في شيء.
ومن الأدب عند الاستئذان أن يذكر المستأذن نفسه أو اسمه صريحًا ولا يقول أنا عند السؤال، إذا قيل: من؟ يقول فلان باسمه المعروف وقد كره صلى الله عليه وسلم ذلك، استأذن عليه جابرٌ رضي الله عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من؟ فقال: أنا، فَقالَ: صلى الله عليه وسلم أنَا أنَا! كَأنَّهُ كَرِهَهَا[4] هل الاستئذان لكل داخل؟ قالوا: يستثنى من ذلك الضيف إذا كان قد دُعي وتُرك الباب مفتوحًا فإن هذا إذن عرفي لا يلزم أن يستأذن ومثله الاستراحات، اليوم الناس يعزمون الناس في استراحات والباب مفتوح لكل من دُعي فلا يلزم أن يقف عند الباب ويقول: السلام عليكم، تعال ادخل، ما دام أن الباب قد فُتح فهو أمارة، إذن قالوا يستثنى من عدم الاستئذان إذا علم الضيف أن صاحب البيت أو الاستراحة قد فتح الباب وأذن بالدخول للضيوف المدعوين كما يكون ذلك في المناسبات العامة والأعراس، إذن هذا إذنٌ ضمنيٌ، كذلك يستثنى من تكرر خروجه، ضيف في البيت والناس يدخلون ويخرجون خرج يأتي بشيء من السيارة، ما يحتاج أن يستأذن ثانيةً.
قالوا أيضًا: يستثنى في الزيادة على الثلاث، من أراد أن يوقظ نائمًا لصلاة ونحوها فإنه يزيد حتى يُفتح له لاسيما الصلاة يدركها في وقتها أو الجماعة إن كان رجلًا، قد يُغلق الباب على نفسه، أحيانًا تجد في أهل البيت نفسهم فيضرب الباب عليه، يا فلان يا فلان، نقول: لا حرج أن يزيد بل يتعين الزيادة لئلا تفوته الجماعة إن كان رجلًا ولئلا يفوت الوقت إن كانت امرأة، هذه بعض مسائل الاستئذان.
كذلك مما أدبنا ربنا جل شأنه، الاستئذان إذا بلغ الصغار مبلغ الكبار فإنهم يستأذنون على أهليهم، على آبائهم وأمهاتهم في غرف نومهم وفي أماكن راحتهم واستراحتهم، في أوقات العورات الثلاث التي يضع الناس فيها ثيابهم ويتخففون منها سواءً كان بعد الفجر أو قبل الفجر وقت النوم أو بعد الظهيرة أو بعد العشاء، أي وقت يدخل فيه الناس للنوم والراحة فإنه يستأذن الأطفال الذين قاربوا الاحتلام وأصبحوا يميزون ويدركون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] أخرجه البخاري (6241)، ومسلم (2156).
[2] أخرجه مسلم (2157) بمعناه، والنسائي في المجتبى (8/ 60)، وفي الكبرى (4/ 247)، وحسن إسناده الألباني في صحيح النسائي بلفظ: «أن أعرابيًّا أتى بابَ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ فألقم عينَه خصاصةَ البابِ فبصُرَ به النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ فتوخَّاه بحديدةٍ أو عودٍ ليفْقأَ عينَه فلما أن بصُرَ انقمعَ فقال له النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ أما إنك لو ثبتَّ لفقأْتُ عينَك».
[3] أخرجه البخاري (6245)، ومسلم (2153).
[4] أخرجه البخاري (6250) عن جابر بن عبدالله قال «أَتَيْتُ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ في دَيْنٍ كانَ علَى أبِي، فَدَقَقْتُ البَابَ، فَقالَ: مَن ذَا؟ فَقُلتُ: أنَا، فَقالَ: أنَا أنَا! كَأنَّهُ كَرِهَهَا».
